الاجتهاد المراد به الإبداع في مختلف المجالات (1/ 2)

الاجتهاد المراد به الإبداع في مختلف المجالات (1/ 2)

islam wattan . نشرت في المدونة 1754 لاتعليقات

ما زلنا نسمع من بعض المتعالمين فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان ليرضوا بها أهواءهم، ومن جملة هذه الفتاوى ما أطلقه المدعو (ناصر الألبانى) فى كتابه المسمى (الأجوبة النافعة) فقد ذكر فيه أن سنة الجمعة القبلية لا أصل لها فى السنة الصحيحة، وأنه لم يقل أحد من الأئمة بها بل هى أمر محدث.

أ.د عبد الفتاح مصطفي غنيمة

مقدمة

اختلاف الأفكار بين الإنسان وأخيه الإنسان جزء لا يتجزأ من طبيعة التكوين الإنساني، فمن المستحيل أن يكون بنو البشر متفقين جميعًا على آراء وأفكار وتصورات واحدة.

من الممكن أن تكون بينهم سمات فكرية وعقلية مشتركة، ومن الممكن أن تجمعهم بعض التصورات الإنسانية الواحدة، وهناك بالفعل الوجدان الديني واللغوي الذي يجمع بين أبناء الدين الواحد بأعمق الوشائج.

بعد ذلك نشاهد الخلاف الكبير بين الناس في الأفكار والآراء والتصورات، وهذا أمر ضروري يفرضه اختلاف الأمزجة والمشاعر وقوى الإدراك، وتنوع مصادر الثقافة، وتعدد مؤسسات التعليم، وتبيان البيئات الطبيعية والاجتماعية التي يعيش فيها الناس، وهذه هي العناصر التي تكون العقول الإنسانية، وتشكل ثقافاتها وأسس تفكيرها، وتكون الآراء والاتجاهات المختلفة.

ولقد تطورت الحضارات التاريخية على مر العصور، بفضل هذه الاختلافات الفكرية، وتقدمت العلوم والفنون والآداب، ووضعت الدول المتحضرة تقاليد للحوار الفكري مبنية على أسس علمية ومنطقية تحدد طبيعة هذا الحوار واختلاف الأفكار، ولا تخلط أبدًا بين الرأي الموضوعي وشخصية صاحبه، ولهذا يختلفون في الآراء والأفكار ويظلون أصدقاء أعزاء يمارسون معًا حياتهم العادية – من خلال الأسس المشتركة العامة بين بني البشر – في حب وصفاء.

مأساة العقل العربي

ولكن العقل العربي الحديث يعاني من جراء هذا الخلاف الفكري، مأساة عاتية الضراوة، فليس عندنا تقاليد مشتركة للحوار الفكري، وليس لنا أسس علمية موضوعية نسلم بها جميعًا، تحكم اختلافاتنا الفكرية، وبذلك يتحول الخلاف في الرأي إلى صراع ممتد وحرب شعواء طالما أن العقول البشرية متفاوتة الإمكانيات، وهذا التفاوت يمنع من وجود حقيقة عقلية واحدة، والاجتهاد هو الطريق في جميع الأحوال لاستعراض حالات الخطأ والصواب، والاجتهاد مأجور في كل الأحوال، والاجتهاد ضد جمود العقل عن أداء مهمته، والاجتهاد هو بداية الطريق للإبداع كطلب ملح وضروري للنهضة والتطوير والتجديد والابداع الذي ينطلق من ثقافة عميقة منسجمة يكون إبداعًا حقيقيًّا ومفيدًا للمجتمع والبشرية.

ووظيفة  العقل معيارية، فهو يزن الأمور ويقدرها حق قدرها، ويقيم المواقف وينصح بالأخذ ببعضها، بل في بعض الأحيان بأمر باتباع اتجاه معين، هذا هو العقل  في الإنسان، وهو أعظم شيء له قيمة في حياة الإنسان، ومن خصائص العقل أنه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه،  ويستخرج منه بواطنه وأسراره، ويبني عليها نتائجه وأحكامه، وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكة الحكم، وتتصل بها ملكة الحكمة، وتتصل كذلك بالعقل الوازع، ومن أعلى خصائص العقل الإنساني الرشد وهو مقابل لتمام التكوين العقلي، والعقل في جوهره مراجعة وليس متابعة، فمجال العقل مفتوح للكشف والإبداع سواء في النظر أو في العمل، والإنسانية تتحرك إلى الأمام، ومن هنا كان الخلاف بين جيل قديم جمد على التقاليد وثبت على مجموعة من الآراء، وبين جيل جديد يرغب في التجديد وابتداع أنظمة وقواعد تخالف ما جرى عليه الأسلاف من تقاليد.

وفي غيبة هذه التقاليد الرفيعة والأسس الموضوعية، اختلطت الأفكار بالعواطف والمشاعر، وتلبست بالعقائد السياسية والوجدان الديني، فأحدثت هذه  الفوضى، وذلك الضجيج، وتلك الغوغائية والسطحية والابتزاز، وأصبح من الطبيعي أن تستمع من أجهزة أعلامنا المختلفة – على امتداد الوطن العربي – آراء متناقضة حول الشيء الواحد والرجل الواحد، فهو عند بعضها أبيض وعند بعضها الآخر أسود، وهو في إذاعة بطل، وفي إذاعة أخرى خائن، وهذه هي المأساة الكبرى للعقل العربي الحديث؛ لأنها تتحول من مجرد مشكلة ثقافية إلى كارثة حضارية تصيبنا بالعقم والتوقف والجمود، ففي هذا المناخ لا يمكن أن تتنوع الأفكار وتتعدد الاجتهادات، وبذلك يذبل الابداع الفكري، وفي هذا الجو تأخذ بعض القضايا السياسية لونًا من ألوان القداسة يمنع من التفكير والاجتهاد في حلها، وتتحول إلى صنم يعبد، ونقيم حوله الطقوس، وتتحول الشعارات السياسية إلى شعائر للعبادة، وبذلك تحولت الساحة المتباينة التي تعتنق هذه الشعائر، وربما رقصت هذه الفصائل حول صنمها الجديد رقصات المجوس حول نيرانهم المقدسة.

وأصبح من المحتم علينا أن نواجه تلك الكارثة الحضارية في حسم، فلم يعد يجدي الترميم، ولم يعد يصلح العلاج الجزئي، بل لا بد أن  نواجه في شجاعة المشكلة من جذورها، وأن نعيد تقويم كل الأفكار والمشاكل السياسية والاجتماعية والأدبية التي أخذت في ساحة أمتنا العربية صفة القداسة ونهزها ونراجعها، ونعيد التفكير فيها من جديد.

 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.