التصـوف الإسلامي نصوص مُتشظية وتنوير مُستدام (2 /2)

التصـوف الإسلامي نصوص مُتشظية وتنوير مُستدام (2 /2)

islam wattan . نشرت في المدونة 1148 1 تعليق

أبو الحسن الهجويرى أنموذجًا للتشظى اللغوى

تجد أكثر المغالين لرفض التصوف لا يعقلون على سبيل المثال ما جاء بكتاب أبي الحسن علي بن عثمان بن أبي الجلابي الهجويري الغزنوي “كشف المحجوب” من رؤى وطروحات صوفية تحتاج بحق قراءة غير باردة لها لا تعرف للإقصاء سبيلاً، ولا تفطن للإلغاء طريقًا.

الدكتور بليغ حمدي

أبو الحسن الهجويرى أنموذجًا للتشظى اللغوى

تجد أكثر المغالين لرفض التصوف لا يعقلون على سبيل المثال ما جاء بكتاب أبي الحسن علي بن عثمان بن أبي الجلابي الهجويري الغزنوي “كشف المحجوب” من رؤى وطروحات صوفية تحتاج بحق قراءة غير باردة لها لا تعرف للإقصاء سبيلاً، ولا تفطن للإلغاء طريقًا.

وأبو الحسن الهجويري ولد في هجوير وهو حي يقع بمدينة غزنة بخراسان، ولد في أواخر القرن الرابع الهجري. وهذا القرن يحمل دلالات لا ينبغي لدارس التصوف أن يحجبها أو يغفل عنها بالضرورة، فالحياة السياسية والاجتماعية والثقافية اتسمت آنذاك بالتسارع والتواتر غير المنتظم بإحداثياته السياسية مثل دخول ظغرل بك السلجوقي بغداد، وبداية الفترة التركية للدولة الإسلامية، كذلك تعرض الدولة العباسية إلى سلسلة من الهجمات سواء من الداخل كالدولة الفاطمية التي بدأت في فرض سيطرتها، أو من الخارج كالحملات الصليبية.

وهذا التصور السياسي جعل التصوف يأخذ منحى جديدًا يقارب الإبداع والتصنيف الرسمي للنصوص الصوفية، المشهد الذي عرف بعد ذلك بظهور علم التصوف كما يشير المستشرق جوزيبي سكاتولين، وهذا العلم هو الذي أنتج بعد ذلك الأدب الصوفي الذي يعاديه كثير من التيارات الراديكالية المعاصرة كأمثال تنظيم الدولة، وظل المغالون في التحريم والتكفير يشيعون حملاتهم التجهيلية التي تتوسل التكفير سلاحًا معرفيًّا ثم وسيلة إرهابية في مواجهة الآخر.

كشف المحجوب

ويعد كتاب كشف المحجوب للهجويري عملاً رصينًا؛ لأنه قصد فيه إلى مناقشة الآراء والممارسات المنسوبة للصوفية، وهي مناقشة تأويلية أنتجت طرحًا أدبيًّا متميزًا، استهدف من خلاله الدفاع عن التصوف الإسلامي ضد الاتهامات الباطلة التي أطلقت عليه، وتلك الاتهامات طالت الصوفية ونصوصهم من زاوية التمسك بحرفية النص اللغوي دون مراعاة أبعاد دلالة اللغة المتشظية التي انفرد بها النص الصوفي، رغم أن الهجويري دائمًا كان يؤكد على الطاعة المطلقة للشريعة. وهو نفس المشهد الراهن الذي نحياه والذي يتشابه كثيرًا مع ما حدث من مقتل المصلين بمسجد الروضة بالعريش في نهاية نوفمبر 2017م في مصر. وهذا الكتاب أهم آثاره وهو مكتوب باللغة الفارسية، ويعتبر أقدم الكتب الفارسية في التصوف الإسلامي. وقد قال محمد تقي بهار في كتابه «سبك شناسي» عن «كشفُ المحجوب» أنه: «كتاب نفيس قلَّ أن يوجد له نظير في اللغة الفارسية».

ويقول أبو الحسن الهجويري في كتابه كشف المحجوب: والحقيقة التي لا جدال فيها بين المسلمين هي أن الإيمان هو المعرفة والإقرار وقبول الأعمال فكل من عرف الله عرفه بإحدى صفاته، وصفاته I على ثلاثة أنواع: أوصاف متصلة بجماله، وأخرى متصلة بجلاله، وثالثة متصلة به فليس للخلق طريق إلى كمال معرفته إلا إذا أثبتوا الكمال له ونفوا النقص. ومثل ذلك أهل الجمال والجلال فمن كان برهانهم جمال الله تعالى فهم يكونون في معرفتهم مشتاقين إليه دومًا وقلوبهم في مقام الهيبة، أما الشوق فهو ثمرة العشق أو المحبة، وكذلك كره الصفات الآدمية؛ لأن رفع الحجاب عن الصفات الآدمية هو عين الحقيقة”.

الوجد والتواجد

أفاد الهجويري كثيرًا من المصنفات الصوفية السابقة عليه، وخاصة مصنفات كل من عبد الرحمن السلمي، والطوسي، والإمام القشيري، وهو بصدد الدفاع عن الأحوال والمقامات التي اعترض عليها كثيرًا رجال الفقه في عصرهم، فتناول موضوع الوجد والتواجد الذي نال غضبًا واسعًا من جانب الفقهاء المتشددين والمتمسكين بحرفية النص دون تأويله أو قراءته بصورة تفاعلية، فخصص أبو الحسن الهجويري فصلاً كاملاً في كتابه كشف المحجوب بعنوان الوجد والتواجد وهو بصدد مناقشة آراء وممارسات الصوفية في سياق حديثه عن الإيمان والمعرفة موضحًا رؤيته الصوفية، ونختتم المقال بما سرده في فصله عن الوجد والتواجد تاركين القارئ لعقله من أجل التأويل للنص الصوفي الذي تجاوز حد اللغة السطحية متغلغلاً في مضامينه وإحداثياته اللغوية التي تسعى إلى تفجير العقل لمهاراته.

يقول أبو الحسن الهجويري: الوجد والوجود مصدران: فالأول معناه الحزن، والثاني معناه الوجدان، واسم فاعلهما واحد، ولا يمكن التفريق بينهما إلا بالمصدر، فيقال: وجد يجد وجودًا ووجدانا، ووجد يجد وجدًا؛ بمعنى أن يحزن، وأيضًا وجد يجد جدة؛ بمعنى الغنى، ووجد يجد موجدة؛ بمعنى الغضب، والفرق بينها كلها بالمصادر لا بالأفعال وهذان المصطلحان يستعملهما الصوفية للدلالة على حالتين تجليان لهم في السمع.

فالحالة الأولى متصلة بالحزن، والثانية بنيل المراد، وحقيقة معنى الحزن هو فقد المحبوب، والعجز عن نيل المطلوب، وحقيقة الوجود حصول المراد، والفرق بين الحزن والوجد، هو أن الحزن ينطبق على الأسف النفسي، وأما الوجد فينطبق على الأسف لوجود الغير في طريق المحبة، مع أن نسبة الغير لا تصح إلا لمريد الحق؛ لأن الله I لا يتغير عما كان قبل، وأنه ليستحيل أن نعبر عن حقيقة معنى الوجد؛ لأن الوجد هو الألم في المعاينة، والألم لا يصفه القلم، فالوجد إذًا سر بين الطالب والمطلوب، ولا يظهر إلا بالانكشاف كما أنه لا يمكن أن نوضح حقيقة معنى الوجود؛ لأن الوجود هو نشوة الطلب في مشاهدة الله تعالى، والطرب لا يمكن نيله بالطلب، فالوجود هو نعمة يكرم بها المحبوب الحبيب، نعمة لا يمكن أن تلحقها إشارة، أو تبينها عبارة، ورأيي أن الوجد هو ألم قلبي شديد ناتج إما عن حزن أو فرح، أو وجد، والوجود هو إزالة الحزن عن القلب، والوقوف على الأمر الذي كان سببًا لذلك، فمن شعر بالوجد فإما أن يكون مضطربًا بالشوق المحرق في حال الحجاب، أو مستكينًا بالمشاهدة في حال الكشف إما زفير وإما نفير، إما حنين وإما أنين، إما عيش وإما طيش، إما كرب وإما طرب، وللمشايخ آراء مختلفة في الوجود أيهما أكمل، فبعضهم يقول: أن الوجود هو صفة المريدين، والوجد صفة العارفين، والعارفون أرقى مرتبة من المريدين، وعلى ذلك يكون الوجد أرقى وأكمل من الوجود؛ لأنهم يقولون أن كل شيء قابل للوجود يدرك، والمدرك مجانس للمدرك في احتمال التحديد، والله I منزه عن التحديد”.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.