التصوف ومعاملة القلوب (3)

التصوف ومعاملة القلوب (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 547 لاتعليقات

الأعمال البدنية التي اعتادتها الأعضاء في آنات مخصوصة بدون ملاحظة قلبية ولا استحضار لموجب بعث على عملها؛ برهان على غفلة العامل، حتى يتنبه القلب بما يرد عليه من نور العمل بسر مراد الآمر I في أحكامه، ويباشر اليقين لطائف

القلب مباشرة تجعله مشاهدًا حكمًا، بحيث لو كشف الحجاب لما ازداد.

ولديها يكون العمل عن وجد وحضور ويقظة قلب ويقين بمقتضى واجب الوقت، وعندها لا يلتبس عليه عمل لصدور الأعمال عن القلب المتلقي عن الرب، المنكشفة له معيته I، فلا ينبعث عن هذا القلب إلا ما يرضيه جلت قدرته، كان في ذلك لذة العامل أو ألمه.

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

معاملة القلوب لعلام الغيوب:

الأعمال البدنية التي اعتادتها الأعضاء في آنات مخصوصة بدون ملاحظة قلبية ولا استحضار لموجب بعث على عملها؛ برهان على غفلة العامل، حتى يتنبه القلب بما يرد عليه من نور العمل بسر مراد الآمر I في أحكامه، ويباشر اليقين لطائف

القلب مباشرة تجعله مشاهدًا حكمًا، بحيث لو كشف الحجاب لما ازداد.

ولديها يكون العمل عن وجد وحضور ويقظة قلب ويقين بمقتضى واجب الوقت، وعندها لا يلتبس عليه عمل لصدور الأعمال عن القلب المتلقي عن الرب، المنكشفة له معيته I، فلا ينبعث عن هذا القلب إلا ما يرضيه جلت قدرته، كان في ذلك لذة العامل أو ألمه.

فقد تلتبس الفضائل بالنقائص لدقة معانيها وخفيّ علومها؛ كصلاة العبد النفل وهو يحسب أنه الأوجب، ومن ذلك: أن رجلًا كان يصلي فدعاه رسول الله J فلم يجبه، فظن أن وقوفه بين يدي الله تعالى بالغيب أفضل له، فلما سلم جاءه، فقال له J: (ما منعك أن تجيبني حين دعوتك؟)، فقال كنت أصلي، فقال: (ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ “الأنفال:24”)، فكانت إجابة النبي J أفضل له؛ لأن صلاته نافلة، وإجابة الرسول فرض عليه.

ولذلك نرى لأهل القلوب عند تمكنهم من هذا المقام أعمالًا اقتضاها الوقت نتجت إما عن حال دعا إليه التمكن من مقام العبودية يخيل لمن رآه أنه مخالف للقيود الشرعية؛ أو أصيب في عقله مثل:

خروج الرجال عن التسبب، وميلهم إلى التجريد والتخوشن حتى يكون مبتذلاً في أعين الخلق؛ فيطيب وقته مع الله تعالى، وإما نتج عن خوف من غفلة يدعو إليها مقامه، مثل مَن يخرج عن حد الاعتدال الشرعي والوسط أمام من عهدوا منه الكمال؛ لينفر الخلق عنه خشية إدخال الغرور عليه وحرمانه من الود الإلهيّ، فيقع في الشر الذي يسهل الخروج منه، خوفًا من الوقوع فيما هو أشر منه: الغفلة والغرور.

وهكذا؛ لأهل القلوب ممن يقهرهم حالهم – قبل تناول الشراب الطهور من الرب سبحانه شراب وراثة الرسل عليهم الصلاة والسلام – لهم ملاحظات في أعمالهم، يحفظون بها حالهم مع مولاهم I، وإن كان في ذلك محاربة للقوى البشرية لحبها للشهرة والسؤدد، وحرصها على جمع الدنيا، وهو أخفى الجهاد وأكبره.

أما الوارث فهو لتمكنه من حاله تراه دائمًا مجملًا ظاهره بالحلل المحمدية، مألوفًا؛ لأنه يخالق الخلق ويداريهم؛ لأنه انكشفت له سيما الخلق فينازلهم على قدر عقولهم.

وأهل القلوب يحنون إلى النفَس الواحد يتنفسونه في خلوة عن الناس؛ بفكر أو  ذكر أو  عمل بر أو  قربة، فإذا اجتمع الخلق ستروا أعمالهم وأحوالهم إلا ما وجب شرعًا، وربما توسعوا في المباح، وربما… وربما… مما به تنوير قلوبهم، ودوام مشاهدتهم، وليس ذلك بتكلُّف، إذ المتكلِّف بعيد عن العلم، فكيف يكون مشاهدًا؟!.

والمتكلِّف إما مرتكب كبيرة وهو الذي يتكلف أعمال الرجال ليقال إنه رجل، أو هالك ملعون وهو الذي يتكلف أعمال الرجال التي تقرب إلى منازل الوصال ليجمع ما يزول من الأموال وتكون له السلطة والعلو في الأرض بغير الحق.

أهل القلوب لم تقع أعين بصيرتهم إلا على نور المكوِّن سبحانه:

إنما أهل القلوب من لم تقع أعين بصيرتهم إلا على نور المكوِّن، حتى لشدة شروق نوره مِن عليِّ عظمته وكبريائه صغرت في أعينهم الدنيا والآخرة، وصار ما هو لذة لغيرهم ألمًا لهم، وما هو ألم لهم لذة لغيرهم، فإن فتحت لهم كنوز السموات والأرض وتزينت لهم الفردوس الأعلى؛ لبخلوا أن يلتفتوا لاستغراقهم في شهود مولاهم، اللهم إلا إذا ألفتهم إليها به فشهدوها بعده، وشهدوه فيها، فكيف يكون هذا تكلفًا أو باب شر يلجُه أهل الغرور؟!.

إنما هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن فتح الله له بابًا من أبواب معاملة القلوب فليستيقظ، فإنه على صراط أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وليحاسب نفسه محاسبة مَن يعتقد أنه لو غفل نفَسًا لهلك أبدًا، وملاحظته لنفسه أن يبحث عن همه وهواه؛ فإن كان في مرضاة الله تعالى فبها، وإلا رجع لعمل الجوارح والاجتماع بالخلق وتزكية نفسه، واللهُ الموفِّق.

استفت قلبك:

القلوب أوعية الحق، وخزائن الغيب، وعرش الرب الذي يستوى عليه برحمانيته، وأجلُّها أجلاها، وأقربُها أصفاها.

فإذا صفت من داعيات الحظ وبواعث الشهوة وقوي الأمل وحظ البشرية وبواعث الإنسانية؛ تطهرت لطائفها، وأشرقت خزائنها بنور الباطن مستمدة من أنوار أسرار الظاهر، وأوَّلت كل أثر أو معنى عبادة؛ لما يقتضيه صفاؤها المزين بجمال شهود ﴿أَلَسْتُ﴾ (الأعراف: 172) عند سماع الخطاب، وشهود الجمال المطلق.

إذ اللفظ من حيث هو دال على معنى ما من المعاني المتحلية للسماع المشتهاة له، كما يتخيل للخائف أن كل شبح يراه من بُعد هو الحقيقة المفزعة له، وكما يتخيل للمشتاق أن كل صورة يراها من بُعد هي الذات المحبوبة له؛ لفراغ القلب مما سوى ذلك.

فكذلك القلب المتطهر من دنس الهوى والحظ، المستحضر لعظمة وجمالات الحق؛ يطمئن بكل إشارة وعبارة تشير أو تومي إلى جمالات الحق I؛ لأن اللفظ من حيث هو: دال، وعند ذكره يستحضر المدلول عليه استحضارًا يذوق به القلب لذة الأنس بشهوده لشدة فراغه من سواه.

وعلى هذا فكل حديث ورد عن السيد J وسمعه صاحب القلب؛ حكم عليه بما يحكم به القلب، وغير صاحب القلب إذا أورد عليه الحديث بحث عن راويه وعمن رواه، وبحث في رتبتهم، فجرَّح من شاء من الرواة، وعدَّل من شاء؛ لأن قلبه ليس حاكمًا، بل الحاكم لسانه وسمعه.

وأهل الإعراض والحظوظ السافلة الدنيوية؛ إذا سمعوا حديثًا يحث على مكرمة أو فضيلة وزهد في الدنيا أو تواضع، أو تباعد عن الشهرة والسمعة، أو جهاد للنفس وخلوة مع الله تعالى؛ أنكرته أغراضهم وسعوا في سقوط راويه، وضعَّفوا فيه وجرحوه.

وما أدري يوم القيامة إذا وقفوا بين يدي الله تعالى، وناداهم: علام قذفتم سلفكم وسفهتم سابقيكم بإيمان؟، وانتقمَ من الظالم للمظلوم، وآخَذَهم على ضلال العامة بالتباعد عن عمل البر والسعي في فعل الخير والتمسك بالرشاد.. نسأل الله تعالى السلامة والعافية.

والعالم الذي هو من أهل الاستنباط والاستدلال من الكتاب والسنة فإنه أداة الصنعة وآلة الصنع لأنه ذو تمييز وبصيرة، ومن أهل التدبر والعبرة.

فأما الجاهل والعامي الغافل فله أن يقلد العلماء، ولعالم عموم أيضـًا أن يقلد عالم خصوص، وللعالم بالعلم الظاهر أن يقلد مَن فوقه ممن جعل على علم الباطن من أهل القلوب؛ لأن النبي J ردَّ مِن علم الألسنة والفتيا إلى علم القلوب، ولم يرُدّ أهلَ القلوب في علمهم الذين يختصون به إلى المفتين؛ لأنهم يأخذون من المفتين فتياهم ثم يجدون في قلوبهم حيكًا وحزازة فيلزمهم فتيا القلب لقوله J: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ)؛ بعد قوله: (وإنْ أفتاكَ المفتون)، مع قوله: (الإثمُ حزاز القلوب) إلى قوله: (ما حاكَ في صدرِك فدَعْهُ وإن أفتاك وأفتوك).

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.