التصوف ومعاملة القلوب (5)

التصوف ومعاملة القلوب (5)

islam wattan . نشرت في المدونة 1334 لاتعليقات

 

لما كان القلب محل نظر الحق I؛ ومنه تنبعث الأوامر للأعضاء فيصرفها حيث شاء؛ وقد ينبعث منه الأمر بالخير وهو يقصد الشر كما يفعل المنافق أو المتملق أو المخادع أو المخاتل؛ فإن جوارحه تتكيف بكيفية حسنة تعين على مراده، ولكن القلب مخفى فيه غير ذلك.

وقد تتكيف الأعضاء بصورة تنفر الناظر وتخيفه وتغضبه، والقلب مخفى فيه كل خير، ومكنون فيه الرأفة والحنانة، كما يحصل من الوالد الشفيق أو الأخ الرفيق عند نصحه ولده أو صديقه، أو نهيه عن قبيح حصل منه؛ فإن بواعث الشفقة والرحمة إذا اندفعت من القلب قضت على الجوارح بالشدة والقسوة.

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

مقاصد القلوب وهممها:

قال J: ﴿إنَّ اللهَ لا يُقبل على كلِّ كلامِ الحكيمِ، ولكن يُقبل على هَمِّهِ وهَوَاه﴾ الحديث.

لما كان القلب محل نظر الحق I؛ ومنه تنبعث الأوامر للأعضاء فيصرفها حيث شاء؛ وقد ينبعث منه الأمر بالخير وهو يقصد الشر كما يفعل المنافق أو المتملق أو المخادع أو المخاتل؛ فإن جوارحه تتكيف بكيفية حسنة تعين على مراده، ولكن القلب مخفى فيه غير ذلك.

وقد تتكيف الأعضاء بصورة تنفر الناظر وتخيفه وتغضبه، والقلب مخفى فيه كل خير، ومكنون فيه الرأفة والحنانة، كما يحصل من الوالد الشفيق أو الأخ الرفيق عند نصحه ولده أو صديقه، أو نهيه عن قبيح حصل منه؛ فإن بواعث الشفقة والرحمة إذا اندفعت من القلب قضت على الجوارح بالشدة والقسوة.

فالحكيم قد يهتم قلبه بعمل لله خالص، ويميل هواه إلى مراد لله، ولكن يدعوه مقتضى الوقت أن يعمل هذا العمل بحالة ربما ظن منه الجاهل بها أنه منافق أو مراء أو مخالف للشرع؛ وحكم عليه بذلك، وهو في عمله هذا من المقربين إلى الله المحبوبين لله، وإن كان ظاهر عمله يومئ إلى مخالفة باطنه.

فإن الحكماء قضت عليهم أنوار الحكمة أن ينشروا الخير بين الناس، ويظهروا الفضيلة، ويدلوا الناس على مناهج البر وموارد الوصول بالأساليب التي يرون نجاحها – ما دامت مباحة شرعًا ولو كانت مبتذلة عرفًا – غير مبالين بما يلم بهم من لائمة الخلق؛ ما دامت مقاصد القلوب وهممها القلوب وهممها إعلاء كلمة الله، والمحافظة على حدوده.

وهو مسلك من المسالك التي ينبغي لكل مرشد أن يتجمل به، بحيث أنه يراقب قلبه سرًّا وعلنًا، ويحاسب نفسه في أصغر الصغائر وأكبر الكبائر، ويجاهد هواه في ذات الله تعالى مجاهدة تجعل قلبه لا يهم إلا لله، ولا يهوى إلا لله، مستصغرًا كل حظ لغيره، مستهينا بكل هوى لغيره، وعليه- مع هذا الصفاء الذي يحصل لقلبـه – أن يكـون

حكيمًا في صفائه، فيحتاط من الناس بظاهره خشية من حصول الوحشة بينهم بسوء ظن أو بسوء عمل.

وتلك الحيطة تكون بظاهر الأعضاء مع سلامة القلب من الأحقاد، وحفظه من الغلول، وتطهيره من المنافسة فيما لا بقاء له من العرض الزائل، فيجعل أخاه كنفسه إلا أنه شخص آخر، يحب له ما يحب لنفسه، باذلا له ما يحبه من ماله، زاهدا في جميع ما معه وما عنده محافظة على إخائه.

حتى يتحقق هو لك بمثل ما تحققت به، فإذا تحقق بذلك قبلت منه ما تشرح صدره بقبوله منه، وبذلت له ما يشرح صدره بقبوله منك، ملاحظًا في ذلك الحيطة بالمحافظة على إخائه، فلا تسلك معه مسلك ظِنَّة، ولا تمكنه منك في حالة ربما أدت إلى سوء ظنك به، حتى يدوم الإخاء في الله تعالى، ولا يكون ذلك خالصا لله تعالى إلا إذا بذلت له كل ذلك للقرب إلى الله، ونوال فضل الله ورضوانه سبحانه، لا لغرض آخر، فإن الأخ إذا صفا لك وصفوت له لله تعالى كنت به في معية الله تعالى، وبلغت به منازل المقربين بما تبذله لله؛ وما تقدمه لله في ذاته، والله أعلم.

القلب بيت الرب فطَهِّرْه له بالحب:

يبين الإمام أبو العزائم أن القلب لا بد وأن يطهر من الشواغل والأغيار حتى يكون بيتًا معمورًا بالحق سبحانه كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (مَا وسِعَتْنِي أرْضِي ولا سمائِي ولكن وَسِعَنِي قلبُ عبدي المؤمن)، فإذا طهر القلب من الأغيار؛ صار بيتًا معمورًا بالأنوار، ومن أدام النظر بقلبه أورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إليه وزهد فيما سواه ورعى حقه وخافه بالغيب أورثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم.

ومَن أهمل تطهير قلبه لا يسلم من الزلل وباء بالخسران وحجب عن ربه كما قال تعالى: )كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ( (المطففين: 14 – 15)، فيكون هذا الران حجابًا له عن شهود الجمالات الإلهية .

وتطهير القلب قد يتحقق عند قوم في آنات مخصوصة؛ حتى لا يشك المشاهد لهم في أنهم أهل مقام مع الحق سبحانه، حتى إذا فتنوا بالخير أو بالشر انكشفت حقيقتهم لخاصة الناس، وهؤلاء ليسوا أهل صفاء ولا أهلاً للإقبال على الحق؛ لأن أهل الإقبال على الحق من صفاتهم أنهم عند الابتلاء بالخير أو بالشر يسكنون إلى الله تعالى؛ كسكونهم إليه سبحانه في غير تلك الأحوال أو أعظم، تارة بالصبر لأهله، وآنًا بالرضا لأهله، ومرة بالشكر؛ لأن أهل الاجتباء حاضرون بمعية مولاهم، فلا يغيب عنهم جماله وجلاله، ولا تنفك قلوبهم عن مشاهدة كماله I في جميع تجلياته، مشاهدة تجعلهم لا يتأثرون بتغيرات الآثار، ولا بتعاقب الأحوال، إذن فأعمالهم برهان على طهرة قلوبهم مما سوى الحق سبحانه، حتى صار القلب بيتًا معمورًا بالحق، ومن لم يبرهن بأعماله على ما تكنه سريرته فهو مدع مغرور بنفسه، يحسب أنه يحسن وهو مسيء.

فطهارة القلب عما سواه مقام من المقامات العالية التي ينتج عنها التوكل ببدايته ونهايته، والرضا عن الله سبحانه بأجلى حقيقته، حتى يكون بمواقع البلايا أعظم سرورًا، لتحققه أن الفاعل هو الله سبحانه، فيخشى أن يكره عملًا من أعمال سيده ومولاه، أو يسخط قضاءً قضاه خالقه وبارئه.

إلا أنه في مثل هذا الحال يخاف عظمة العظيم أن يتلقى جلاله بفرح وسرور فيغضب الحق سبحانه، فيتلقاه متبتلًا بتبتل وتضرع وتذلل ومسكنة، وفزع إليه سبحانه، واستعاذ به Y في دفع هذا البلاء، معتقدًا أنه سبحانه هو الفاعل، وهو سبحانه المغيث الحفيظ، فلا يهلع ويلوذ بالخلق، ولا ينسى عقيدته ويقينه بالله سبحانه.

وإذا أنعم الله I عليه بنعمة من العلم أو الكرامة أو الجاه أو الدنيا فإنه يرى ذلك بلاء من الله تعالى، فعليه أن يلازم الشكر والمحافظة على مقام العبد، ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي تفضل عليه بمحض فضله، وأنعم عليه بإحسانه، وبذلك تدوم النعمة عليه، وتتوالى أيادي الفضل إليه.

وسائل نوال الرضا:

قال بعض المريدين من أهل الطريق: قلت لبعض أهل المعرفة: إني كثير الغفلة عن الله قليل المسارعة إلى مرضاته؛ أوصني بشيء أعمله أدرك به ما يفوتني من هذا، قال: يا أخي إن استطعتَ أن تتحببَ إلى أولياء الله وتتقربَ مـن قلوبهم فافعل، لعلهم يحبونك؛ فإن الله عز وجل ينظر إلى قلوب أوليائه في كل يوم سبعين نظرة، فلعله أن ينظر إليك في قلوبهم لمحبتهم لك؛ فيجيرك حيرة الدنيا والآخرة إذا لم تكن ممن ينظر إليه كفاحًا.

وكذلك يقال: إن الله U ينظر إلى قلوب الصديقين والشهداء مواجهة، ثم ينظر إلى قلوب قوم في قلوب قوم، وإلى قلوب قوم من قلوب آخرين.

فهكذا عندي – والقول للإمام أبي العزائم 0 – من عزائم الدين؛ وسبيل الورعين؛ أن تتبغض إلى أعدائه وتتمقت إليهم من المبتدعين والظالمين ليبغضوك ويمقتوك، فيكون لك من القربة كحب أوليائه لك وحبك لهم، فهذا من أسباب ولاية الله.

قال J: (اللَّهُمَّ لَا تجعَلْ لفاجرٍ عندِي يَدًا فيحبه قلبي) “أبو منصور الديلمي”.

وفى خبر وهب بن منبه :أوحى الله تعالى إلى داود A: (إنكَ تكثرُ مسألتي، ولا تسألني أن أهبَ لكَ الشوقَ، قال: يا ربِّ وما الشوقُ؟، قال: إنِّي خلقتُ قلوبَ المشتاقينَ مِن رضواني، وأتممتُها بنورِ وجهِي، فجعلتُ أسرارَهم موضعَ نظرِي إلى الأرضِ، وقطعتُ مِن قلوبِهم طريقـًا ينظرون به إلى عجائبِ قدرتِي فيزدادون في كلِّ يومٍ شوقًا إليَّ، ثم أدْعُو نجباءَ ملائكتِي، فإذا أتَوْنِى خَرُّوا لي سُجَّدًا، فأقول: إنِّي لم أَدْعُكُمْ لعبادتِي، ارْفَعُوا رُءُوسَكمْ أُرِكُمْ قُلُوبَ المشتاقينَ إليَّ، فوَعِزَّتي وجَلَالِي إنَّ سَمَوَاتِي لَتُضِيءُ مِن نورِ قلوبِهم كَمَا تضيءُ الشمسُ لأهلِ الدُّنْيَا).

وصية الإمام أبي العزائم للأمة:

إخواني: حافظوا على ما يبقى لكم خيره يوم القيامة من أعمال القلوب والجوارح، حتى تكونوا أشبه الناس برسول الله J وبالصحابة، واحذروا مصاحبة أهل الدنيا ومجالسة أهل البدع المضلة، قال الله تعالى: )وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( “الأنعام: ٦8”.

ويقول في نصائحه لإخوانه: إخواني؛ اتقوا الله في عباده، وعليكم أنفسكم، فاجلوا مرآة  قلوبكم بعمل القلوب، واشتغلوا بذنوبكم، فإنكم محاسبون عليها لا على ذنوب غيركم، وارحموا عباد الله تعالى، ذَكِّرُوهم بالحسنى، عِظُوهُم باللين، أعينوهم بفضل أموالكم وجميل كلامكم، وأحبوا لهم ما أحببتم لأنفسكم.

ويقول: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة، والقلوب أرض خصبة ابذروا فيها خير البذور وذلك بصحبة العارفين والصالحين.

ويقول: اطلب حياة قلبك بمجالسة أهل الذكر والفكر والشكر، واستجلب نور القلب بالخلوة ومجاهدة النفس، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ …﴾ “الروم:8” الآية، وقال J: (اللهُمَّ اجَعَلْ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطقي ذِكْرًا، وَنَظري عِبرًا).

وسوف نطرق في العدد القادم – إن شاء الله تعالى- باب الفكر، ونفتح باب الذكر، ونفصِّل معانيهما وأسرارهما، نسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا، ويزكي نفوسنا، وأن يجعلنا من أهل الفكر والذكر إنه قريب مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

والله تعالى ولي التوفيق.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.