الذكر: فضائله ومراتبه وآدابه وهيئاته (1)

الذكر: فضائله ومراتبه وآدابه وهيئاته (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 2814 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

الذِّكْر رياضة رُوحية:

حينما نتحدث عن الذكر إنما نتحدث عن ما به تحيا وتطمئن القلوب ويجلو الصدأ الذي قد يعلق بها، كما قال الله تعالى: )أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ( (الرعد: 28)، وقال J: (إنَّ الْقُلُوبَ لَتَصْدأُ كَمَا يَصْدأُ الْحَدِيدُ وَجَلاؤُهَا ذِكْرُ اللهِ  تَعَاليَ)، وصدأ القلب بالغفلة عن ذكر الله، والغفلة تولد العمى؛ قال تعالى: )فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ( (الحج: 46).

ولذلك جعل السادة الصوفية من الذكر رياضة رُوحانية، سواء باللسان أو القلب أو الجوارح، وكلٌّ له ذكر خاص، تلك الرياضة غفل عنها البعض ممن لم يعلموا عن الذكر فضائله وخصائصه ومنزلته بين العبادات، بل يتصور البعض أن الذين يقومون بالذكر إنما هم أناس تخلوا عن مبادئ الشريعة؛ بالرغم من أن القرآن العظيم وضح بصريح العبارة أهمية الذكر، وجاء الأمر من الله تعالى به في آيات بينات كقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا( (الأحزاب: 41).

وبعض الناس لا ينكرون الذكر إجمالاً إنما ينكرون كيفية القيام به، والقرآن لم يترك لهذا الإنكار مجالا كما يقول الله تعالى: )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ( (آل عمران: 191). والبعض يدَّعي أن المساجد ليست للذكر إنما هي للصلاة فقط؛ وقد رد القرآن عليهم في قوله تعالى: )وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ( (البقرة: 114)، ويقول الله تعالى: )فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ( (النساء: 103)؛ ومن معانيها أي: فإذا قضيتم صلاة الخوف وأنتم في الملحمة؛ فاذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم بما تستنزلون به معونته على عدوكم، وقوله تعالى: )إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ( (العنكبوت: 45)، والصلاة نوع من أنواع الذكر، أما السنة النبوية الشريفة ففيها ما فيها من شأن الذكر.

الفكر يُحْدِث للقلب الخشية:

أما الفكر فهو العبادة التي توصل إلى استقامة القلوب والسعادة الأبدية، وتُذهب الغفلة، وتُحدث للقلب الخشية، وهذا ربما يغفل البعض عنه لعدم العلم بأهميته؛ بالرغم من أن المولى سبحانه حث عليه في كتابه العزيز في قوله سبحانه: )أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى( (الروم: 8)، وقال J: (اللهُمَّ اجَعَلْ صَمْتِي فكْرًا، وَنُطقي ذِكْرًا، وَنَظري عِبرًا).

وفي كُلٍّ من الذكر والفكر آيات لأولي الألباب كما قال تعالى: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( (آل عمران: 190 – 191).

مفهوم الذِّكْر:

الذكر اسم جمعه ذكُور وأذْكارٌ، وهو مصدر ذَكَرَ، والمفعول مَذْكور، يقال: ذَكَرَ اسْمَهُ؛ أي: جَرَى على لِسانِهِ، وذَكَرَ اللَّهَ؛ أي: حَمِدَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وسَبَّحُهُ ومَجَّدَهُ واستحضرَه في قلبه فأطاعه

والذكر الكثير هو حضور القلب مراعيًا اسم الرب سبحانه، وذكَر فلانٌ الشَّيءَ لفلانٍ؛ أي: أعلمه به وذكَّره إيّاه، والذِّكْرُ: عِبرة وعِظة وتوبة، ومن معانيه: الصَّلاةُ لله والدعاءُ إِليه.

والذِّكْرُ اسم من أسماء سيدنا رسول الله J كما قال تعالى: )قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ( (الطلاق: 10 – 11)، فالذكر هو الرسول J، أي: قد أظهر الله لكم ذكرًا رسولاً، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء وهو هو. “القرطبي والطبري”.

وقيل: المراد بالذكر هنا القرآن، والذكر في قوله تعالى: )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (الحجر: 9)، أي: القرآن، وقد دل على العبر والأحداث التي وقعت للأمم السابقة.

وأهل الذكر هم أهل القرآن، “تفسير البغوي”. وهم أهل الله، “اصطلاحات الصوفية”. وهم أهل بيت سيدنا رسول الله J؛ فعن جابر عن أبي جعفر الباقر قال في قوله تعالى: )فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ( (النحل: 43): “نحن أهل الذكر” أي: أهل بيت الرسول الأعظم J، “الطبري وابن كثير”، وقيل: المراد بهم هنا: علماء أهل الكتاب.

والذكر عند المحققين: طرد الغفلة، فإذا ارتفعت الغفلة حصل الذكر، واللسان ترجمان عن ذلك.

والذكر الذي يقابله النسيان هو ذكر القلب لا ذكر اللسان، وهو أفضل الذِّكْرَيْن، يقول الإمام أبو العزائم 0:

ما ذكرنا لأننـا عنـه غبنـــا

بـل لأنَّـا إلى الحبيب اشتقنــا

ما ذكرنـاك باللسـان ولكــن

بقلوب قد شـاهـدت مَـن ذكرنا

مِن )أَلَسْتُ( لم ننس ما قد شهدنا

من جمـال الجميـل إذ خاطبنـا

كيف أنساك يا جميــل وقلبـي

عرش مجلى الأسماء نور المعنى

والذكر له معان أخرى بحسب ورودها في آيات الذكر الحكيم أو السنة النبوية المطهرة، ويمكن الرجوع إليها في المطولات.

من فضائل الذِّكْر:

الذكر هو أفضل العبادات، وقد أمر الله تعالى به فقال: )وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً( (المزَّمل: 8)، وقال سبحانه: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا( (الأحزاب: 41)، ومن فضائله ما يلي:

1- ذِكْر المولى سبحانه للذاكرين:

قال الله تعالى: )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ( (البقرة: 152)، وقال جل ثناؤه: )وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ( (العنكبوت: 45)، عن ابن عباس 5: ولذكر الله لكم إياكم برحمته؛ أكبر من ذكركم إياه بطاعته، وقال ابن عطاء: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له؛ لأن ذكره بلا علة، وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى، وذكركم يفنى.

فذكر العبد لله أن يذكر العبد ربه حاضرًا معه مشاهدًا لجماله العليّ وجلاله وكماله، وإذا ذكر الله العبد جعله يشهد العناية، ولديها يقوى الهيام ويشتد الغرام، والذكر الأكبر: قراءة القرآن مع رعاية سماعه من الله تعالى، وفي الحديث: (مَنْ ذَكرنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، ومَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُ).

وقوله: (مَنْ ذَكرنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي)؛ فالنفس عبارة عن الوجود، والذكر عبارة عن الشهود، وذكره سبحانه لعبده: مدده الذي به السعيد مسعود، وقوله: (ومَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُ) أي: ومن ذكرني في ملإ ناظرين بالفرق “أي: الكثرة”، ذكرتُه في ملإٍ مشاهدين بالجمع “أي: الوحدة” فهم عبيد حضرة الإطلاق، يقول الإمام أبو العزائم:

فَاذْكُرْهُ في النفسِ تُذكَرْ في جلالتِه

وَاذْكُرْهُ في الجمعِ تُمنَحْ كُلَّ رضوانِ

وَاذْكُرْهُ في الفرق تَشْهَدْ قدسَ عزتِه

نَزِّه فنُورُ شهودِ القـــدسِ ربانِي

2- طمأنينة قلب الذاكر:

قال تعالى: )الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ( (الرعد: 28)، فالذكر حياة القلوب، فإذا لم يأكل الإنسان ويشرب أليس يموت؟!، كذلك القلب إذا فارق ذكر الله مات، قال تعالى: )فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللََّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ( (الزمر: 22)، وَقَالَ J: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ) “البخاري”، وقال J: (إنَّ الْقُلُوبَ لَتَصْدأُ كَمَا يَصْدأُ الْحَدِيدُ وَجَلاؤُهَا ذِكْرُ اللهِ  تَعَاليَ)، وقال الإمام عليّ A: “رَوِّحُوا اٌلْقُلُوبَ” يعني في الذكر.

3- نوال مغفرة الله تعالى وعظيم أجره:

قال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) “الأحزاب:35”.

4- الفلاح:

قال تعالى: )فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (الجمعة: 10).

5- السابقية:

والسابقية تأتى جزاء استغراق الذاكر في ذكر مولاه، فالذاكر إذا استغرق في ذكر الله تعالى نسي كل شيء سوى الله تعالى، فمن ذكر شيئًا آخر مع الله تعالى فقد أشرك بين الذكرين؛ لأنه التفت وهو مع الله تعالى إلى غيره، قال J: (سبق الْمُفْرِدُونَ)، قيل: وما الْمفُرِدُونَ يا رسولَ اللهِ؟، قال: (الذَّاكرُون الله كثيرًا والذَّاكراتُ) “الترمذي”، والمفردون – بتشديد الراء وتخفيفها – وهم الذين تفرَّدوا بذكر الله تعالى، أو أفردوا الله تعالى بالذكر، يقول الإمام أبو العزائم في إحدى قصائده:

الْقَلبُ فِـي بَهْجَـةٍ بِجَمَـالِ رُؤْيَتِهِ

وَالروح سكري بكشف جميل طلعتهِ

وَالعَيْنُ فِي لَـهْفَـةٍ تَشْتَاقُ تَشْهَدُ مَا

به فـؤادي في أنـس ببـهجتـهِ

وَالنَّفْسُ مَا بَيْنَ قَلْبي بَلْ وَبَاصرِتي

تَألهـت لمـعـان مـن حقـيقتهِ

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.