الرحلات العربية ومحاولة اكتشاف العالم الغربي

الرحلات العربية ومحاولة اكتشاف العالم الغربي

islam wattan . نشرت في المدونة 1326 لاتعليقات

لن نجانب الصواب إذا قلنا: إن الرحلات لا تنفك عن الإنسان، بحيث قد تكون مطمحًا له في حياته، فلا يستقر حاله إلا إذا يمَّمَ وجهه صوب المصر الذي يتطلع إليه، ولكن الدافع إلى بعض الرحلات قد لا يكون دافعًا نزيهًا، حيث أنك تجد في كثير من الرحلات الغربية أن الدافع التنصيري كان وراءها، ولذا فقد تجشّم كثير من الرحالة الأوربيين الصعاب.

الدكتور خالد برادة

مقدمة

لن نجانب الصواب إذا قلنا: إن الرحلات لا تنفك عن الإنسان، بحيث قد تكون مطمحًا له في حياته، فلا يستقر حاله إلا إذا يمَّمَ وجهه صوب المصر الذي يتطلع إليه، ولكن الدافع إلى بعض الرحلات قد لا يكون دافعًا نزيهًا، حيث أنك تجد في كثير من الرحلات الغربية أن الدافع التنصيري كان وراءها، ولذا فقد تجشّم كثير من الرحالة الأوربيين الصعاب، كي يمضوا قُدُمًا في رحلاتهم لاكتشاف الشرق، وقد يُظن أن هدفهم كان هو اكتشاف العالم الإسلامي، ولكن سرعان ما يتبيّن أنهم “أرادوا أن يثبتوا تفوق النصرانية على الإسلام”، وكانت نظرة بعضهم إلى المسلمين، نظرة يشوبها العداء – الذي عرفه التاريخ – ويتجلى ذلك في رمي المسلمين بأبشع النعوت والمواصفات، فهذا مثلاً – (وليام ليثقو) – وهو أحد أوائل الرحالة، قد “نظر إلى المسلمين على أنهم كفار”، ورماهم بأبشع النعوت والمواصفات؛ ولم تخلُ رحلات أولائك الرحالة من إعداد تقارير لصالح بلدانهم، تسهيلاً لمعرفة العدو الشرقي كما يسمونه، وليسهل عليهم ادعاء ما أرادوا أن يثبتوه، على أنه ما لبث بعضهم أن تطامن للحق، لما استقر الإسلام في نفوسهم.

ولئن كان الحال لدى جُلِّ الرحالة الغربيين على النحو الذي أشرنا إليه؛ فإنك تجد بعض الرحلات العربية، كان هدفها هو التزود من علوم الغرب، وذلك بمراسيم دولية، دونك – مثلاً – البعثات الطلابية المغربية إلى الديار الفرنسية، ويبدو أن الغاية من إرسالهم، وطلب مكوثهم لسنوات عدة للدراسة في ديار الغرب، كان بهدف أن “تثير في ذهن أعضائها فكرة عظمة الحضارة الفرنسية”، وهذا له أسوأ الأثر على الثقافة في المغرب، حيث إن ذلك الوفد الطلابي، سرعان ما عاد ليتبوأ مناصب لها تأثير على ثقافة أهل المغرب، وأخطرها: إنزال النموذج الغربي، في المراحل الدراسية لدى الناشئة، وطلاب الجامعة؛ وهذا مما أضر بالتعليم، حيث لم يكن النموذج الغربي صالحًا له، ومن ثم لم يكن من ورائه نفع يرتجى.

الانبهار بالغرب

ولقد عمد كثير من الطلاب الذين رحلوا إلى الديار الأوربية إلى تصوير ما اعتمل في نفوسهم إبان الرحلة، من إعجاب بما رأوه، فوصفوا لبني جلدتهم ما أمكنهم وصفه، ويغلب على ذلك إعلاء صورة الآخر، مقابل التهوين من قدر الذات، ومن ذلك ما ذهب إليه عبد الله الفاسي الفهري، من وصفه لرحلته إلى باريس، حيث يرى أن “فرنسا هي الجديرة بما تستحقه من الثناء والإعجاب والفخر الذي ليس على شمسه المنيرة حجاب”، وينحو هذا النحو السوري محمد كرد علي، الذي عَمد بعد رحلته إلى الغرب إلى طريقة المقارنة بين الغرب والشرق، لينتقل بعد ذلك إلى التحريض على التخلص من براثن البيئة الخاصة لقبول بيئة أخرى والإقبال عليها، والانخراط في بنية قيم بشرية مغايرة لها صولتها على النفوس.

ويبدو أن هذه الرحلات العربية على النحو الذي أشرنا إليه، لا تعد من الاستغراب في شيء، بل هي داخلة في ما يسمى بــ (الانبهار بالغرب)، حيث يتم التزود بحضارته، للإشادة بها، على حساب التهوين من شأن الحضارة الإسلامية، فالرحلات إلى الغرب – سواء من المغرب أو المشرق – إذا لم تخضع الغرب للفحص العميق، والنقد الدقيق، فإنه لا يمكن اعتبارها من الاستغراب، بل لا تعدو – إذاك – أن تكون من التغريب؛ فالمحك الحقيقي في تصنيف الرحلات العربية ضمن أبحاث الاستغراب، هي تلك التي كان منطلقها اكتشاف جغرافية الآخر وفكره، لوصفه ثم تمحيصه ونقده.

ونُنوِّهُ هنا ببعض الرحلات التي لم تكن متحيزة إلى الغرب، فاعتمدت على الوصف وحده، ومن أبرزها تلك التي كان هدفها وصف بلاد الروس، كرحلة محمد عيّاد الطنطاوي، إبان القرن التاسع عشر، حيث أنه “رافق مسيرة الاستشراق الروسي منذ العقد الرابع من القرن التاسع عشر”، وقد أبدى الطنطاوي دورًا بارزًا في تدريس اللغة العربية في البلاد الروسية؛ وسواه ممن تعاقب على تدريس اللغة العربية وآدابها في جامعة بطرسبورغ، ونذكر من بينهم “سليم نوفل، وعبد الله كلزي، وجمال الدين الأفغاني، وإن كان هذا الأخير قد لعب دورًا في الاستعراب الروسي”.

الاعتزاز بالحضارة الإسلامية

ويجدر بنا الآن أن نقدم صورة مشرقة عما كان عليه الرحالة المسلمون، الذين جابوا الأقطار منذ عهد مبكر، ونذكر من بينهم: أحمد بن فضلان، الذي رحل إلى (بلغاريا)، ورسم صورة واضحة عن تلك البلاد، وحضارة أهلها وعاداتهم؛ فضلاً عن وصفه للعجم والأتراك، والروس والصقالبة؛ هذا ما عدا الرحالة الذين زاروا تلك البلاد بعد ابن فضلان، ولكن معظمهم لم يدون عنها شيئًا يذكر؛ ورحل أبو الريحان البيروني (ت440هـ) إلى بلاد الهند، حيث وقف موقف المؤرخ في كتابه: تاريخ الهند؛ وإذا ذكرنا الرحلة إلى الهند، فإنه لزامًا علينا أن نشير إلى الرحالة الشهير محمد ابن بطوطة (ت779هـ) الذي رحل إليها كذلك، ووصف عادات الناس هناك، كما أنه وطأ بلاد الصين، وذكر أن للمسلمين امتيازات بها، ومفاد ذلك في أن أمور المسلمين “ترجع إلى شيخ لهم، تكون أمورهم راجعة إليه، وقاض يقضي بينهم”.

ويعتبر ما قام به أبو الحسن محمد بن جبير (ت 614هـ) من رحلات مدخلاً إلى فهم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، حيث “نبه إلى ما كان من مودة وعلاقات تجارية بين أفراد المسلمين والمسيحيين”، مما يعتبر إسهامًا معرفيًّا داخلاً في علم الاستغراب، وإن لم يُعرف وقتذاك بهذا الاسم؛ حيث بدأ المسلمون في تدوين أخبار البلدان التي رحلوا إليها وجاسوا خلالها، وخبروا أهلها، ومن بينهم اليعقوبي (ت284هـ) في كتاب البلدان، والإصطخري (ت346هـ) في صور الأقاليم، والمسعودي (ت346هـ) في مروج الذهب ومعادن الجوهر.

ومن يطالع كتاب (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) يجد أن صاحبه -ابن فضل الله العمري (ت749هـ) -، قد أرّخ لتاريخ الحضارة الإسلامية، التي امتدت إلى كافة الأمصار والأقطار، مثل الهند، وإيران، وبلاد الترك، والصين، والروم، وسواهم من البلدان في كل صقع ونجع؛ ولم يقتصر عمل (ابن فضل الله العمري) في كتابه على الذي ذكرناه، بل تعداه إلى استعراض العمران عند الشعوب، مع قيامه بمقارنة بين الشرق والغرب.

إن اكتشاف هؤلاء للبلدان، وخاصة لديار الغرب، لم يكن بباعث التنائي عن ديارهم، لتسلية نفوسهم، بل إن السفر إذاك لم يكن هيّنًا، حيث كان يبغي تجشمًا للصعاب، ومن همتهم أنهم لم يكتفوا بالارتحال برًّا، بل سافروا كذلك بحرًا؛ والذي حدا بهؤلاء إلى الرحلة إلى ديار الغرب، كان بهدف معرفته عن قرب، ومن ثمَّ تقديم وصفٍ كاشف عنه لأقوامهم، يحدوهم في ذلك هدي سلفهم، ولا يعزب عن ذاكرة التاريخ ما هدى الله إليه الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب 0، حيث أنه “طلب من حكيم معاصر له أن يصف له المدن وجوّها ومنازلها وأثر المناخ على سكانها”.

خطورة التقاعس عن معرفة الآخر

ولقد كان للتقاعس عن دراسة الأمم الأخرى أسوء الأثر في ابتعاد المسلمين عن تحصين ذاتهم منه؛ مما سهل الغزو الصليبي، والاستعمار العسكري والغزو الفكري، فأدى ذلك إلى التبعية للغرب، ومرد ذلك إلى تقاعس المسلمين عن تجشم الصعاب واقتحام الأهوال، للرحلة إلى بلاد العجم – وإن رحلوا فلا تعدوا أن تكون بعثات طلابية تغريبية – بحثًا عن فهم طبيعة عيش القوم هناك، ومعرفة عاداتهم، والأهم من ذلك هو اكتشاف طريقة تفكيرهم، ومعرفة دينهم الذين يدينون به، ونظرتهم إلى المسلمين.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.