الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (21)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (21)

islam wattan . نشرت في المدونة 154 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن الأم التي نهى النبي عن الاستغفار لها هي أم للنبي، وإن كانت ليست والدته آمنة بنت وهب، وإن كانت حين أرضعته والدة، أي بمثابة والدة.. فمن هي؟.. وفي هذا المقال نواصل الحديث.

الدكتور فاورق الدسوقي

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن الأم التي نهى النبي J عن الاستغفار لها هي أم للنبي J، وإن كانت ليست والدته آمنة بنت وهب، وإن كانت حين أرضعته والدة، أي بمثابة والدة.. فمن هي؟.. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

بقية: عرض إحصائي للنصوص الواردة في أبوي النبي J

بقية: ثانيًا: الأحاديث والآثار الواردة في أم النبي J:-

الحديث التاسع:-

كتب السيوطي([i]) رحمه الله تعالى في تفسيره أيضًا:

(وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصَحَّحَهُ وتعقَّبه الذهبي عن ابن مسعود 0 قال: جاء ابنا ملكية وهما من الأنصار فقالا: يا رسول الله إن أمنا تحفظ على البعل وتكرم الضيف، وقد وأدت في الجاهلية، فأين أمنا؟ قال: أمكما في النار، فقاما وقد شقَّ ذلك عليهما، فدعاهما رسول الله J، فرجعا فقال: إن أمي مع أمكما، فقال منافق من الناس لي: ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما، ونحن نطأ عقبيه، فقال رجل شاب من الأنصار: لم أر رجلاً كان أكثر سؤالاً لرسول الله J منه، يا رسول الله أرى أبواك في النار؟ فقال: ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود، قال: فقال المنافق للشاب الأنصاري: سله وما المقام المحمود؟ قال: يا رسول الله، وما المقام المحمود؟ قال: يوم ينزل الله فيه على كرسيه يئط به كما يئط الرحل من تضايقه كسعة ما بين السماء والأرض ويجآء بكم حفاة عراة غرلاً فيكون أول من يكسى إبراهيم يقول الله U: اكسوا خليلي ريطين بيضاوين من رياط الجنة ثم أُكْسَي على أثره فأقوم عن يمين الله U مقامًا يغبطني فيه الأولون والآخرون، ويشق لي نهر من الكوثر إلى حوضي، قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط ما جرى نهر قط إلا في إحالَة أو رضراض فسله فيما يجري النهر؟ قال: في إحالة من المسك ورضراض، قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط، لقل ما جرى نهر قط إلا كان له نبات، قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: قضبان الذهب، قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط والله ما نبت قضيب إلا كان له ثمر، فسله هل لتلك القضبان ثمار؟ قال: نعم اللؤلؤ والجوهر، قال: فقال المنافق: لم أسمع كاليوم قط سله عن شراب الحوض؟ فقال الأنصاري: يا رسول الله وما شراب الحوض؟ قال: أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل من سقاه الله منه شربة لم يظمأ بعدها ومن حرمه لم يرو بعدها)([ii]).

وما يهمنا من هذا الحديث الطويل عبارة: (ألا إن أمي مع أمكما) فما هو حكم الحفاظ المحققون من علماء الحديث؟! قالوا: (لا يُقبل تفرد الحاكم بالتصحيح في المستدرك لما عُرف من تساهله في التصحيح، وقد بَيَّن الذهبي ضعف هذا الحديث وحلف على عدم صحته يمينًا)([iii]) ويكفينا شهادة الذهبي ويمينه على عدم صحته لنخرجه من بحثنا.

الحديث العاشر:-

وكتب السيوطي رحمه الله في نفس المصدر أيضًا (وأخرج ابن سعد عن الكلبي وأبي بكر بن قيس الجعفي قالا: كانت جعفى يحرمون القلب في الجاهلية فوفد إلى رسول الله J رجلان منهم قيس بن سلمة وسلمة بن يزيد وهما أخوان لأم فأسلما فقال لهما رسول الله J: ” بلغني أنكما لا تأكلان القلب.

قالا: نعم

قال: فإنه لا يكمل إسلامكما إلا بأكله.

ودعا لهما بقلب فشوي وأطعمه لهما

فقالا: يا رسول الله إن أمنا مليكة بنت الحلو كانت تفك العاني وتطعم البائس وترحم الفقير وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة فما حالها؟ فقال: الوائدة والموءودة في النار.

فقاما مغضبيْن.

فقال: إليَّ فارجعا فقال: وأمي مع أمكما.

فأبيا ومضيا وهما يقولان: والله إن رجلاً أطعمنا القلب، وزعم أن أمنا في النار لأهل أن لا يتبع، وذهبا فلقيا رجلاً من أصحاب رسول الله J، معه إبل من إبل الصدقة فأوثقاه وطردا الإبل فبلغ ذلك النبي J، فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: لعن الله رعلاً وذكوان وعصية ولحيان وابني مليكة من حريم وحران “.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس 5 في قوله: )وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ( (الإسراء: 23) إلى قوله: )كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا( (الإسراء: 24) قال: ثم استثنى فقال: )مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ( (التوبة: 113) إلى قوله: )عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ( (التوبة: 114)([iv]).

وحكمه حكم سابقه – أي الحديث العاشر – بناء على يمين الذهبي بعدم صحته، ومن ثم فهذان الحديثان أو على الأقل عبارة (أمي مع أمكما) التي أقسم الذهبي يمينه عليها بالذات مرفوضان.

الحديث الحادي عشر:-

ومن الآثار التي تخص أم النبي J ما رواه (أبو حفص ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من طريق أحمد بن يحيى الحضرمي والمحب الطبري في (سيرته) عن طريق القاضي أبو بكر بن عمر بن محمد بن الأخضر، والدارقطني وابن عساكر كلاهما في (غرائب مالك)، والخطيب في (السابق واللاحق) من طريق على بن أيوب الكعبي، قالوا: حدثنا أبو غُزية محمد بن يحيى الزهري حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري، قال الحضرمي وابن الأخضر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد. وقال الكعبي عن مالك بن أنس، قال هشام بن عروة عن أبيه: إن عائشة 1 قالت: حج بنا رسول الله J حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باكٍ حزين مغتم فبكيت لبكاء رسول الله J ثم إنه ظفر فنزل فقال: “يا حميراء استمسكي” أي زمام الناقة فاستندت إلى جنب البعير فمكث عني طويلاً ثم إنه عاد إلي وهو فرح متبسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي وأنت باكٍ حزين مغتم فبكيتُ لبكائك يا رسول الله؟ ثم إنك عدت إلي وأنت فرح متبسم فما ذلك يا رسول الله؟ فقال: “ذهبت لقبر آمنة أمي فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها الله.

تفرد بهذا الحديث أبو غزية وتفرد عنه الكعبي بذكر مالك في إسناده. قال الدار قطني: هذا كذب على مالك، والحمل فيه على أبي غزية، والمتهم بوضعه هو أو من حدث به عنه.

وهذا الحديث قد حكم بوضعه الحافظ أبو الفضل بن نافر والجوسقاني وابن الجوزي والذهبي وأقره الحافظ في اللسان. وحكم بوضعه جماعة سبق ذكرهم في ترجمة عبد الله والد النبي J.

وجعله ابن شاهين ومن تبعه ناسخًا لأحاديث النهي عن الاستغفار قلتُ: وهذا غير جيد؛ لأن أحاديث النهي عن الاستغفار لها بعض طرقها صحيح: رواه مسلم وابن حبان في صحيحيهما.

وهذا الحديث على تسليم ضعفه لا يكون ناسخًا للأحاديث الصحيحة والله تعالى أعلم([v]).

وبهذا يسقط هذا الحديث من موضوعنا للأسباب التالية:-

أولاً: بمقتضى السند الذي شهد المحققون الحفاظ الدارقطني والجوسقاني وابن الجوزي والذهبي بأن أبو غزية أو غيره هو الذي وضع هذا الحديث.

ثانيًا: لأن هذا الحديث إذا سلمنا بصحته فإن دلالة المتن تثبت ضمنًا أن أمه J التي كان قد مُنِعَ من الاستغفار لها من قبل هي في (عقبه الحجون) وهي مقابر أهل مكة المكرمة شرق الحرم المكي، كما سبق واستنبطتُ هذا من أحاديث ثنيِّة عُسفان التي في العقبة، فالعقبة إذًا التي استند إليها الصحابة هي عقبة الحجون.

يؤكد هذا قول السيدة عائشة 1 (حج بنا رسول الله حجة الوداع فمر بنا على عقبة الحجون) وهذا صحيح؛ لأن مقبرة الحجون، والتي هي مقابر أهل الحرم حتى اليوم، تقع في طريق العائد من مكة إلى المدينة المنورة والعقبة الموضع المرتفع وهي على تل مرتفع.

ثالثًا: تتعارض دلالة هذا المتن المحكمة مع صفة العدالة المطلقة لله U وهو سبحانه من أسمائه الحسنى العدل وهو U القائل: )وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى( (الأنعام: 164) فإذا كانت أم النبي المدفونة في مقبرة الحجون قد ماتت على الفطرة الموحدة فلِلْنَبِيِّ J عند ربه U لها شفاعة، وإذا كانت على غير هذه الفطرة أي كانت مشركة وماتت على الوثنية فإن الله لا يغفر لمن يشرك به، ويموت على هذا الشرك.

كما أنه U لا يقبل توبة أو إسلام الذي بلغت نفسه الحلقوم فما بال من مات ودفن؟

ومن مات مشركًا لا يعطي فرصة للعودة إلى الحياة الدنيا للإيمان للنجاة من مصير المشركين، بنص قوله تعالى: )وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( (12 – 14) وقوله تعالى أيضًا: )قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ( (غافر: 11)، والإجابة هي أنه لا خروج ولا عودة إلى الدنيا، بمقتضى محكم القرآن الكريم.

فدلالة المتن إذًا تتعارض مع حقيقة الحكمة من الخلق وهي الابتلاء وصفة العدل الإلهي المطلق.

ومن ثم فهذا الحديث ساقط سندًا ومتنًا، وبالتالي فلن نعتد به ولا نعتبره في موضوعنا..

([i]) السيوطي/ الدر المنثور/ جـ3 صـ307.

([ii]) نفس المصدر السابق جـ3 صـ307، 308.

([iii]) العلامة أبي الفرج نور الدين المعروف بالحلبي الشافعي المتوفي 1044/ كتاب (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون) المعروف بالسيرة الحلبية/ دار الكتب العلمية بيروت المجلد الأول صـ156.

([iv]) نفس المصدر السابق والصفحة.

([v]) نفس المصدر السابق والصفحة.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.