الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (31)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (31)

islam wattan . نشرت في المدونة 3883 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن مشيئة الله U أن لا يولد نبي إلا من والدين مؤمنين موحدين طاهرين صالحين، بل ليس من نبي إلا وجميع آبائه وأجداده من لدنه إلى آدم موحدين مؤمنين.. وفي هذا المقال نواصل الحديث..

الدكتور فاورق الدسوقي

مقدمة

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن مشيئة الله U أن لا يولد نبي إلا من والدين مؤمنين موحدين طاهرين صالحين، بل ليس من نبي إلا وجميع آبائه وأجداده من لدنه إلى آدم موحدين مؤمنين.. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

بقية: النُّبُوَّةُ في البشرية بناءٌ واحدٌ اصطفاه الله على العالمين

وحيث إن رسول الله J خاتم النَّبِّيين فلا نبي بعده، فإن الله تعالى استجاب هذا الدعاء في آخر التشهد منه J ومن المسلمين المصلين فجعل في آل محمد J أولياء وصِدِّيقين أي الدرجة التي تلي النبوة، فهم عارفون بالله U وعلماء مجدِّدون ومجاهدون زهَّادٌ عبادٌ على درجة الأنبياء والرسل، وإن لم يكونوا أنبياءً ولا رسلاً لأنه J خاتم النَّبِيَّين فلا نبي بعده، ولكن في آله J أولياء كأنبياء بني إسرائيل، ومعلوم عند العارفين وأهل العلم أنه ما من نبي أو رسول في الأمم السابقة على الأمة المحمدية إلا وفي أولياء الأمة المحمدية، من هو على قدمه أي على درجته، وتفسير هذا أنهم ذرية بعضهم من بعض، يدل على هذا ما رواه الحاكم فى المستدرك عن زيد بن أرقم 0 قال : قال رسول الله J : (قد تَركتٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ: أحدهما أكبر من الآخر كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي فانظروا كيف تخلفونى فيهما فإنهما لَنْ يَتَفرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)([i]) قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله، أما الذهبى فقد سكت عنه فى التلخيص.

أي أن علماء العترة النبوية لن يفترقوا عن القرآن أي لن يبتعدوا أو يضَلوا عن الحق الذي يدل عليه كتاب الله U في كل قضية ومسألة إلى يوم القيامة، وهذا نوع من الحفظ لهم من الضلال في آيات الله تعالى المنزلة على رسوله J.

ومن ثم فقوله سبحانه وتعالى في آخر آية الاصطفاء (ذرية بعضها من بعض) مستمر أي يصدق على ذرية سيدنا وسيد الخلق محمد J كما صدق على ذرية آدم ونوح وإبراهيم وآل عمران.

وذريته J هم أهل العباءة الذين هم: سيدتنا فاطمة الزهراء وسيدنا علي زوجها وولديهما الحسن والحسين وذريتهما، كما صح عنه J قوله (لقد جعل الله U ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبى طالب)([ii]).

فالخلاصة بالنسبة للتَّعَلُّق الثاني: أن الله تعالى اصطفى الآدمية على الملائكية والجنِّيَّة معًا، ومن ثم صارت الآدمية مصطفاة على سائر الخلق، واصطفى على الآدمية ذرية بعضها من بعض بدءًا بآدم ومن آمن من أبنائه وأحفاده وأسباطه وذريته عبورًا من إدريس إلى نوح، ومن أولاده إلى إبراهيم وآله عبورًا بإسحق إلى آل عمران، وختامًا لهذا الفرع الإبراهيمي بعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ثم الفرع الإسماعيلي إلى خاتم وإمام النَّبيِّين، ثم إلى آخر مؤمن من ذريته وآله J.

فهذه الذرية التي بعضها من بعض اصطفاها الله تعالى على جميع خلقه أي على العالمين، ومن ثم فالنبيون مصطفون، على جميع خلق الله كلهم، ومن آبائهم وإخوانهم مجتبوْن.

ثالثًا: والتعلق الثالث يتمثل في تَعدي الفعل (إصطفى) بحرف (ل) بمعنى (من أجل) أي اصطفاه من أجل كذا أو لكذا.

فمن أجل ماذا إصطفى الله U آدم النوع وآدم الفرد أيضًا والذرية من آدم A إلى إدريس، والذرية من إدريس إلى نوح، والذرية من نوح إلى إبراهيم، والذرية من إبراهيم إلى مريم وعيسى عبر إسحق عليهم الصلاة والسلام جميعًا من ناحية، ثم الذرية من إبراهيم عبر إسماعيل ومؤمني قريش إلى رسول الله J، ثم الذرية من رسول الله J عبر عليٍّ وفاطمة C من خلال فرعين هما: الحسن والحسين C وذريتهما هم آل بيت النبي وعترته J، حتى آخر ولي من السادة ذرية سيدنا الحسن، ومن الأشراف ذرية سيدنا الحسين متمثلاً في خاتم الوراثة المحمدية الكاملة وهو الجامع بين النُّوريْن أي الذي جمع الله تعالى فيه النور الحَسَنىِ والنور الحُسَيْني معًا([iii])، ثم من بعده إلى جيل المؤمنين من هذه الذرية هؤلاء هم الذين اصطفاهم الله تعالى ذرية بعضها من بعض، وتفصيل هذا التعلق الثالث للاصطفاء في السطور التالية، بإذن الله وعونه وفتحه ومدده.

الذرية المصطفاة والذرية المجتباة وحدة واحدة مُمْتدة عبر الزمان بعضها من بعض

لأي أمر اصطفى الله تعالى الذين اصطفاهم من بني آدم؟:

الإجابة: في كلمة واحدة: اصطفاهم الله U للنبوة.

وهل كل الذرية رسلاً وأنبياء مصطفوْن؟ لا: الرسل منهم قِلَّة قليلة جدًّا عددهم ثلاثماثة وثلاثة عشر، والأنبياء منهم عددهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا فقط، في حين أن جدودهم وآباءهم وأمهاتهم من ناحية وأحفادهم وذرياتهم وإخوانهم من ناحية أخرى عددهم بالملايين أو بعشرات الملايين، بل ربما أكثر، والرسل والأنبياء فقط هم المصطفوْن، أما بقية الذرية فهم أولياء مجتَبوْن؛ لأنهم ذرية بعضها من بعض.

والأدلة على هذه الحقيقة متعددة:

أولاً: أن النبوة هي التي من أجل الفوز بها عَبَدَ إبليس الله U آلاف السنين قبل خلق آدم، طمعًا في أن تكون له وفي ذريته، فلم ينل هو وذريته الاصطفاء لها، بل فُوجئ باصطفاء آدم وذريته لها لمَّا سمع قول الله U مخاطبًا الملائكة وكان معهم: )إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ( (ص: 71 – 76).

والنبوة نور، والنُّبُوة كمال، والنبوة رفعة، والنبوة قرب من الخالق سبحانه، والنبوة سعادة أبدية، والنبوة روح، ويلي النُّبوة في المقام أو المرتبة الصدِّيقيَّة أو الولاية، وإذا كانت النبوة اصطفاء من الله تعالى للأنبياء، فإن الصدِّيقية اجتباء وهداية من الله J، لذا كان إبليس يطمع أن تكون النبوة والصديقية له ولذريته.

وقال في هذا تعالى أيضًا: )وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ( الحجر (28 – 33).

إذًا لقد أدرك إبليس أن آدم فاز بالنبُوة لما سمع قول الله U عن هذا المخلوق الجديد (… ونفختُ فيه من روحي….).

([i]) المستدرك للحاكم حديث رقم 4576.

([ii]) رواه الطبراني عن جابر ، والخطيب عن ابن عباس عن كنز العمال رقم (32892).

([iii]) هو مولاي وسيدي وشيخي الإمام محمد ماضي أبو العزائم t وأرضاه وقدَّس سره. توفَّى عام 1937م.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.