الطائفيون والحكماء السبعة (10)

الطائفيون والحكماء السبعة (10)

islam wattan . نشرت في المدونة 1891 لاتعليقات

قام الحكيم الثالث بين الصفين، وقال: أجيبوني يا من لا تزالون تحملون سيوفكم.. هل يمكن أن تقوم العبودية.. وكل القيم الإيمانية والروحانية والإنسانية من غير اتباع رسول الله..

الدكتور نور الدين أبو لحية

ثالثًا: التسليم

قام الحكيم الثالث بين الصفين، وقال: أجيبوني يا من لا تزالون تحملون سيوفكم.. هل يمكن أن تقوم العبودية.. وكل القيم الإيمانية والروحانية والإنسانية من غير اتباع رسول الله J؟.

قالوا جميعًا بصوت واحد: ذاك مستحيل..

قال أحدهم: يستحيل أن يخطو أحد خطوة واحدة في الطريق المستقيم، وهو يخالف رسول الله J.

قال آخر: لقد ذكر لله تعالى ذلك، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31).

قال آخر: وذكر تعالى ذلك في الآية التي تليها، فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 32)، فقد قرن طاعة لله بطاعة الرسول J.. واعتبر التولي عنهما كفرًا.

قال آخر: وذكر تعالى ذلك، فقال: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)، فالله تعالى يقسم في هذه الآية على أن أولئك الذين رغبوا عن التحاكم إلى الرسول، ومن ماثلهم من المنافقين، لا يؤمنون إيمانًا حقًّا إلا إذا كملت لهم ثلاث خصال: أن يحكموا الرسول في القضايا التي يختصمون فيها، ولا يبين لهم فيها وجه الحق.. وألا يجدوا ضيقًا وحرجًا مما يحكم به، وأن تذعن نفوسهم لقضائه إذعانًا تامًّا دون امتعاض من قبوله والعمل به؛ لأنه الحق وفيه الخير.. وأن ينقادوا ويسلموا لذلك الحكم، موقنين بصدق الرسول في حكمه، وبعصمته عن الخطأ.

قال الحكيم: شكرًا لكم.. فأنتم معي إذن في أنه لا يمكن لأحد أن يشرب من نهر الحقيقة إلا إذا سقاه منها رسول الله J..

قالوا: أجل..

قال الحكيم: أجيبوني بعد هذا.. ما وجه علاقة المؤمن مع رسول الله J.. هل هي علاقة ند بند.. أم علاقة تابع بمتبوع؟

قال رجل من الحاضرين: بل هي علاقة تابع بمتبوع.. فمن ذا يمكنه أن يصل إلى ذلك المقام المحمود والدرجة الرفيعة التي أعطاها الله لنبيه J؟

قال آخر: إن الرسول J هو (خاتم الأنبياء.. وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لفصل القضاء، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكون هو المخصوص به)([i]).

قال آخر: لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: 81)، فالله تعالى يخبر في هذه الآية (أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، عليه السلام، إلى عيسى، عليه السلام، لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته)([ii]).

قال آخر: وقد ورد في الحديث ما يؤكد ذلك، فقد روي أن بعض الصحابة جاء إلى النبي J، فقال: يا رسول الله إنى مررت بأخ لى من بنى قريظة، فكتب لى جوامع من التوراة. ألا أعرضها عليك؟ فقال: فتغير وجه رسول الله J، قال عبد الله: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله J؟ فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً. قال: فسرى عن النبى J، ثم قال: (والذى نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم، أنتم حظى من الأمم، وأنا حظكم من النبيين)([iii]).

قال آخر: وورد في حديث آخر: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله، لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبعني)([iv]).

قال الحكيم: فأنتم متفقون على هذا إذن؟

سكتوا جميعًا، فقال: أجيبوني بعد هذا.. ما تقولون في شخص يقر بأن محمدًا J رسوله ونبيه.. ولكنه في نفس الوقت يزعم أن الله تعالى أعطاه من الصلاحيات ما لم يعط رسوله؟

نهض أحدهم، وشهر سيفه، وقال: دلني عليه.. فوالله لأطعننه بسيفي هذا؟

قال الحكيم: هل توافقونه على هذا؟

قالوا جميعًا: أجل.. فليس لمثل هذا إلا القتل.

قال الحكيم: ألا يدعوكم هذا إلى البحث في صلاحيات ووظائف رسول الله J حتى لا تتجاوزونها؟

قالوا جميعًا: بلى.. ونحن نفعل ذلك.

قال الحكيم: أرجو أن تكون الدعاوى مطابقة للأفعال.. هلم بنا نبحث فيما نص عليه القرآن الكريم من وظائف رسول الله J لنرى هل أنتم ونحن نتبعه فيها.. أم أننا نضيف لأنفسنا من الوظائف ما لم يضفه لله لنبيه J؟.

قال أحدهم: كلامك صحيح.. ولكن هناك شيء ربما غاب عنك.. أو تعمدت إخفاءه.. وهو أن ذكر بعض الوظائف لا يعني التحديد أو التقييد.. فإذا وصفت شخصًا ما بكونه معلمًا لا يعني هذا كونه معلمًا فقط.

قال الحكيم: صدقت.. ولهذا أحتاج إلى دليلين:

الأول: هو بيان وظائف رسول لله J التي نص عليها القرآن الكريم.

والثاني: بيان الوظائف التي لم يكلف بها رسول لله.. فهل ترون هذا كافيًا؟

قالوا: بلى..

قال الحكيم: إذن.. هيا ضعوا سيوفكم.. وافتحوا مصاحفكم، وانظروا فيما أقرؤه عليكم من القرآن لتروا وظائف رسول الله J، وتستنوا به في اتباعها.

قال رجل منهم: مصاحفنا في صدورنا.. أما سيوفنا فلن نضعها حتى نغمدها في صدور أعداء الله ورسوله.

قال الحكيم: ما دمتم تحفظون القرآن، فأجيبوني.. هل هناك آيات من القرآن الكريم تحدد وظائف رسول الله J وإخوانه من الرسل؟

قال رجل منهم: الآيات في ذلك كثيرة، ولي بحث مفصل فيها، ومنها قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151)، وقد أكد ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).

قال الحكيم: فما الوظائف الني تنص عليها هاتين الآيتين الكريمتين؟.

قال الرجل: خمسة، منها: التزكية.. وهي تطهير نفوس الناس من كل الانحرافات العقدية والسلوكية.. وتطهير المجتمع من كل الموبقات والرذائل..

قال آخر: ومنها تعليم الكتاب والحكمة، ليدركوا حقائق الأمور.. ويسيروا وفق ما تقتضيه..

قال الحكيم: فهل مارس رسول الله J هذه الوظائف؟

قال رجل من القوم: أجل.. وكيف لم يمارسها، وقد سخر حياته كلها لتحقيقها.. وقد ورد في الحديث عن جعفر بن أبي طالب لما سأله نجاشي الحبشة عن دعوته J: (أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا رسولاً نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كان يعبده آباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة وأن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام)([v]).

البقية العدد القادم

([i]) تفسير ابن كثير (2/ 68).

([ii]) تفسير ابن كثير (2/ 67).

([iii]) رواه أحمد: 4/265.

([iv]) أحمد 3/338.

([v]) أحمد 1/201 (1740).

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.