الطائفيون والحكماء السبعة (3)

الطائفيون والحكماء السبعة (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 158 لاتعليقات

تقدم الحكيم الأول بين الصفين، وقال: أول كلمة تجعل قلوبكم على قلب رجل واحد هي العبودية لله.. فأساس كل خلاف تقعون فيه هو عبوديتكم لأهوائكم ونفوسكم وجذوركم..

الدكتور نور الدين أبو لحية

أولاً: العبودية

تقدم الحكيم الأول بين الصفين، وقال: أول كلمة تجعل قلوبكم على قلب رجل واحد هي العبودية لله.. فأساس كل خلاف تقعون فيه هو عبوديتكم لأهوائكم ونفوسكم وجذوركم..

قالوا: أين الدليل على هذا.. فقد قرأنا الوحيين جميعًا فلم نجد فيه ما ذكرت؟

قال: لقد قال الله تعالى مشيرًا إلى هذا الأصل العظيم الذي يقوم عليه بنيان التوحيد: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)

قام أحدهم، وقال: هذه الآية تخبر عن أمرين، أما أولهما، فهو الدلالة على وحدة هذه الأمة، والثاني إخبار من الله تعالى لعباده بربوبيته، وأمر لهم بمراعاتها بعبادته.. فأين وجه استدلالك؟

قال الحكيم: من اقتران كلا المعنيين يتولد أصل ابتناء الوحدة على العبودية.. فكأن الله تعالى يذكر لنا وصفة لتحقيق الوحدة والحفاظ عليها.. وهي عبادة الله، والاستغراق في عبادته.

قال الرجل: ولكن القرآن الكريم لم يذكر هذا الارتباط الذي تتوهمه.

قال الحكيم: من تتبع القرآن الكريم وعرف أسرار الارتباط فيه استنبط منه من أنواع العلاج ما لا يستطيع العقل المجرد التعرف عليه..

قام رجل مشهرًا سيفه، وهو يقول: لا نريد ان نناقشك في وجه استدلالك.. ولكنا لا نراه في الواقع.. فنحن نقوم الليل، ونصوم النهار ونقرأ القرآن، وأولئك الذين نشهر سيوفنا في وجوههم لا يقلون عنا نشاطًا وعبادة.. ثم نحن بعد ذلك – كما ترانا – لا ننتهي من حرب حتى ندخل في غيرها.. فكيف تزعم أن العبودية هي أصل الوحدة؟

قال الحكيم: هذا من العبودية.. وليس هو العبودية.. لقد أخبر J عن أقوام ذوي صلاة وصيام وقراءة.. وأخبر أنهم لا يجاوزون بقراءته حناجرهم، فقال: (يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)([i]) وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل)، وفي رواية: (شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه).

اشرأب أحدهم بسيفه وصاح: أراك تدعونا لما تنهانا عنه، فهذا رسول الله J يأمر بقتلهم.. فكيف تنهانا عنه؟

التفت إليه الحكيم بهدوء، وقال: فأنت تضع نفسك موضع رسول الله J.. فتزعم بأن غيرك من الفئة المارقة، وأنك أنت من الفئة المنصورة.

قال: فكيف تريدني أن أرى نفسي؟.. أتريدني أن أراها مارقة، فأقتلها؟

قال الحكيم: إذا رأيتها مارقة، فاقتلها بأسياف الرياضة لتعود إلى عبودية ربها.. فإن طغيانها هو الذي صور لها أحقيتها وضلال غيرها..

قال الرجل: ولكني أعين خصومي بذلك على نفسي.. فهم يعتبرونني من المارقين، ويسلون سيوفهم علي لأجل ذلك.. أفأعين على نفسي؟

قال الحكيم: بئس من لم يعن غيره على نفسه.. واسمع مني.. واسمعوا مني كلكم.. لو أن كل واحد منكم نظر إلى نفسه بهذا المنظار، فراح يصحح عبوديته لله.. وراح يتهم نفسه بتجاوزها لحدها وتدخلها فيما لا يعنيها.. ثم راح يسل سيفه على نفسه التي سولت له مزاحمة الربوبية ليعيدها إلى عبوديتها.. حينذاك فقط تتوحد قلوبكم على عبودية الله.

نادى رجل من بعيد: أتريدنا أن نفعل ما أمر به بنو إسرائيل من قتل أنفسهم، كما قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( (البقرة: 54) .. ألا تعلم أنا من أمة محمد J لا من بني إسرائيل؟

قال الحكيم: وهل لأمة محمد J إلهها الخاص بها.. ولبني إسرائيل إلههم الخاص بهم.. أليس الرب واحدًا؟

قال الرجل: ولكنهم أمروا بقتل أنفسهم، ولم نؤمر بذلك.

قال الحكيم: فما دمتم لم تؤمروا بذلك فلم تفعلونه؟

قال الرجل: وهل ترانا نفعل ذلك؟

قال الحكيم: لا أراكم تفعلون إلا ذلك.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (الحجرات: 11)؟

قال الرجل: بلى.. وهي في سورة الحجرات.. وهي تنهى عن اللمز.

قال الحكيم: فهل رأيت رجلاً يلمز نفسه؟

قال الرجل: الناس يلمز بعضهم بعضًا، ولا يلمزون أنفسهم.

قال الحكيم: ولكن الله تعالى ذكر لمز النفس، ولم يذكر لمز الغير.

قال الرجل: لقد قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل بن حَيَّان في تفسيرها:(لا يطعن بعضكم على بعض)، فالنفس هنا يراد بها الغير.

قال الحكيم: فقتلكم لبعضكم بعضًا إذن قتل لأنفسكم؟

سكت الجميع، فقال: لقد ذكر القرآن الكريم ذلك صراحة، فقال: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا( (النساء: 29)، فقتل النفس هنا ـ كما يشير إلى قتل النفس ـ يشير إلى قتل الغير.

بل إنه J اعتبر حب الغير، واعتبارهم كالنفس من علامات الإيمان، فقال:(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره شره)([ii]).

قال رجل منهم: نحن نسلم لما تقول.. بل نسلم لما قال رسول الله J.. فلا يحل لامرئ أن يقدم رأيه على كلام الله أو كلام رسوله.. ولكنا مع ذلك نرى رأيًا لا نشك في موافقتك لنا عليه.

قال الحكيم: وما ترون؟

قال الرجل: أرأيت لو أن عضوًا من أعضائك – لا قدر الله – لم يعد صالحًا إلا للبتر، أكنت تتركه ليملأ نفسك ألمًا، وجسمك سقمًا.

قال الحكيم: معاذ الله أن أتركه.. ومعاذ الله أن أتسرع في قطعه.

قال الرجل: ولم لا تتسرع بإزالة الداء؟

قال الحكيم: أرأيت لو أصاب الألم رأسك أكنت تذهب للجزار ليقطعه لك؟

قال الرجل: لا.. بل أسرع إلى المسكنات والمهدئات.. ولعلي أظفر بالترياق الذي يسد منافذ الخلل، ويعيد الصحة، وينفي العلل.

قال الحكيم: فافعلوا ذلك مع إخوانكم..

قال الرجل: للرأس حكمه الخاص.. وللرجل أحكامها الخاصة.. فالرجل يمكن أن أتسرع فيها، بخلاف الرأس.

قال الحكيم: ولماذا تعتبر إخوانك أقدامًا يمكنك أن تبترها، ولا تراها رؤوسًا محترمة يعز عليك قطعها.

سكت الجميع، فقال: هذا يعود بنا إلى العبودية.. فالعبودية تجعلك تنظر إلى الخلق، وأنت عبد بسيط متواضع لا تملك إلا ما أعطاك الله، فلا تتكبر على أحد من خلق الله، ولا تفخر عليه لأنه أعطاك ما لم يعطه.

قالوا: أنحن نفعل هذا؟

قال: أجل.. وتتشبهون بالشيطان في فعله.. ألم يتكبر إبليس على آدم، بل على أمر الله؛ لأنه ظن نفسه أعز وأكرم من أن ينحني بهامته لذلك الطين.

قال أحدهم: ما أبعد البون بيننا وبين إبليس، هو تكبر بنفسه وبناره..

قاطعه الحكيم قائلاً: وأنتم تتكبرون بآرائكم وطوائفكم ومذاهبكم.. كل يزعم لنفسه احتكار الحق.. بل كل يزعم أنه الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وأنه يوم القيامة سيكون الفائز الوحيد بالشرب من يد رسول الله J.. أما سائر الناس، فيساقون إلى جهنم ليسقيهم إبليس من شرابه.

قال رجل منهم: ولكن الحق معنا.. ولنا من الروايات ما يعضده.

قال الحكيم: ولغيركم من الروايات ما يعضد الحق الذي يؤمن به.

قال الرجل: ولكن الحق لا يخفى.. ونور حقنا يطغى على ظلمة باطلهم.

قال الحكيم: فلماذا استعنتم بالسيوف إذن؟.. هل ترون الشمس تبسط أشعتها تحت أسنة الرماح.. دعوا أنوار الحقائق تشهر نفسها بنفسها.. ودعوا ظلمات الباطل تنكمش بنور الحق.

البقية العدد القادم

([i]) رواه البخاري ومسلم.

([ii]) رواه ابن عساكر.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.