الطائفيون والحكماء السبعة (4)

الطائفيون والحكماء السبعة (4)

islam wattan . نشرت في المدونة 306 لاتعليقات

قال رجل منهم: أنت تريد أن تصدنا عن غضبة غضبناها لله.. نصرة لدين الله.. وحفاظًا على صفائه.

قال الحكيم: فهل معكم توكيل من الله لتنصروه بهذا الأسلوب؟

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: أولاً: العبودية

قال رجل منهم: أنت تريد أن تصدنا عن غضبة غضبناها لله.. نصرة لدين الله.. وحفاظًا على صفائه.

قال الحكيم: فهل معكم توكيل من الله لتنصروه بهذا الأسلوب؟

قال الرجل: لا نحتاج إلى هذا التوكيل، فما بثه الحق فينا من قوة جعلنا نستشعر الفرق بين أهل الجنة وأهل النار.. المغفور لهم من أهل الإيمان، والذين حبطت أعمالهم من أهل البدع والزندقة.

قال الحكيم: فأنت لا تختلف عن ذلك الذي أخبر عنه J بأنه اعتقد نفسه موكلاً بخزائن الرحمة والمغفرة يصرفها لمن يشاء، ويحرم منها من يشاء.

لقد أخبر J (أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك)([i]).

وفي حديث آخر، قال J: (ألا أحدثكم حديث رجلين من بني إسرائيل؟ كان أحدهما يسرف على نفسه، وكان الآخر يراه بنو إسرائيل أنه أفضلهم في الدين والعلم والخلق، فذكر عنده صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال الله لملائكته: (ألم يعلم أني أرحم الراحمين؟ ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ فإني أوجبت لهذا الرحمة، وأوجبت على هذا العذاب، فلا تتألوا على الله)([ii]).

وفي حديث آخر قال J: (قال رجل لا يغفر الله لفلان، فأوحى الله إلى نبي من الأنبياء أنها خطيئة، فليستقبل العمل)([iii]).

وفي حديث آخر ورد ما هو أعظم من ذلك، فقد قال J: (كان رجل يصلي، فلما سجد أتاه رجل فوطئ على رقبته، فقال الذي تحته: والله لا يغفر لك الله أبدًا، فقال الله U: تألى عبدي أن لا أغفر لعبدي، فإني قد غفرت له)([iv]).

وقد سمى J هؤلاء الذين زعموا لأنفسهم امتلاك خزائن الجنان (المتألين)([v])، فقال:(ويل للمتألين من أمتي، الذين يقولون: فلان في الجنة، وفلان في النار)([vi]).

بل أخبر J عن هلاك هذا النوع من الناس، فقال:(إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم)([vii])، وقال J: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم)([viii]).

قال الرجل: ولكنا لا نقول ذلك.

قال الحكيم: بل تقولونه، وتصرون عليه.. أليس كل منكم يزعم أنه الفرقة الناجية.

سكت الجميع، فقال: وذلك لا يفهم إلا على معنى واحد، وهو أن غيره هالك.. لقد قيل لكم لا تقولوا لغيركم: (هالك)، فتلاعبتم كما تلاعب أهل السبت، فقلتم: (ليس ناج)، وأنتم تعلمون أن عدم نجاته لا يعني إلا هلاكه.

قال الرجل: ولكن الرسول J أخبر عن نجاة الواحدة.. أفتلغي كلام رسول الله J؟

قال الحكيم: وهل عندك صك بأنك منها.

قال الرجل: لقد أخبر J عن أوصافها، فذكر أنها ما عليه J وأصحابه.

قال الحكيم: وهل تطيق أن تنسب لنفسك هذا.. إن الذين كانوا معه J كانوا أعظم تواضعًا من أن ينسبوا لأنفسهم ما تنسبونه لأنفسكم.. بل كانوا يتخوفون على أنفسهم من النفاق.. ألم تسمع ما ورد عن سلفكم في ذلك؟

قال أحدهم: بلى.. وأروي من ذلك الكثير، ومن ذلك قول ابن أبي مليكة:(أدركت ثلاثين ومائة – وفي رواية خمسين ومائة – من أصحاب النبي J كلهم يخافون النفاق)

وقيل للحسن: إن قومًا ما يقولون إنا لا نخاف النفاق، فقال:(والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من تلاع الأرض ذهبًا)، وكان يقول:(إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب، والسر والعلانية، والمدخل والمخرج)

قال آخر: وقد كانوا يستدلون بالخوف من النفاق على الإيمان، وقد روي أن رجلاً قال لحذيفة: (إني أخاف أن أكون منافقًا)، فقال: (لو كنت منافقًا ما خفت النفاق إن المنافق من أمن النفاق).

قال آخر: وكانوا يرون كل المظاهر التي حادت بالمسلمين عن الجادة من النفاق، حتى قال حذيفة: المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي J فكانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه).. وقيل للحسن البصري: (يقولون: أن لا نفاق اليوم)، فقال: (يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق).. وقال هو أو غيره: (لو نبتت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض بأقدامنا).

قال الحكيم: فهل منكم من يرى نفسه بهذه الرؤية؟.. أم أنكم تكتفون بأن تجعلوا من أنفسكم قضاة محصنين بالصكوك التي تحميكم، ولا تحمي سواكم.

سقط سيف أحدهم، وقال: صدقت – سيدنا الحكيم -.. لقد أنطقك الله بالحكمة.. لقد كنت إلى هذه اللحظة أعتبر نفسي على الحق الذي لا يخالفني فيه إلا مبطل..

لقد كتبت رسالة في العقيدة، قلت في خاتمتها بكل كبرياء: (فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إمامًا ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفًا منه فهو صاحب سنة وجماعة كامل قد كملت فيه الجماعة، ومن جحد حرفًا مما في هذا الكتاب أو شك في حرف منه أو شك فيه أو وقف فهو صاحب هوى)([ix]).

ناداه صاحبه: ويلك يا هذا أتترك دينك لهوى نطق به من زعم لنفسه الحكمة؟

رد عليه: ابتعد عني.. فوالله ما شجعني على تلك المقولة وغيرها غيركم.. أنتم الذين نفختم فيَّ أهواء الكبرياء.. فرحت أتكبر على طوائف الأمة ومذاهبها أوزع الضلال.. وأرمي بالبدعة.. كل من لم يبلغ عقلي مبلغ علمه.

أذكر مرات كثيرة أني كنت أطلب من يخالفني أو من يريد أن يحاورني بالمباهلة..

وإذا ذهبت إليها صببت عليه اللعنات والدعوات، وأنا أستشعر بأني إله يطرد من يشاء، ويقبل من يشاء.

وأذكر مرة أن بعضهم أجلسني بجانب بعض هؤلاء، فامتلأت نفسي غيظًا أن أجلس بجانبه..

لقد نسيت كل ما ورد في النصوص الكثيرة من الكبر الذي سماه الشيطان ليَّ عزة بالحق.. نسيت ما روي في الحديث أن النبي J كان جالسًا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلاً فأكثروا من الثناء عليه – كما يثني عليَّ أصحابي – فبينما هم كذلك إذ طلع رجل عليهم ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء، وقد علق نعله بين يديه وبين عينيه أثر السجود فقالوا: يا رسول الله هو هذا الرجل الذي وصفناه، فقال J: (أرى على وجهه سفعة من الشيطان) فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم، فقال النبي J: (نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك؟) فقال: (اللهم نعم)([x]).

البقية العدد القادم

([i]) رواه مسلم.

([ii]) رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر.

([iii]) رواه الطبراني في الكبير.

([iv]) رواه الطبراني في الكبير.

([v]) معنى يتألى: يحلف، والألية اليمين.

([vi]) رواه البخاري في التاريخ.

([vii]) رواه مالك وأحمد ومسلم وأبو داود.

([viii]) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

([ix]) شرح السنة : 58.

([x]) رواه أحمد والبزار والدارقطني.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.