الطائفيون والحكماء السبعة (6)

الطائفيون والحكماء السبعة (6)

islam wattan . نشرت في المدونة 773 لاتعليقات

قال الحكيم: ولهذا وقف الصالحون العارفون بالله مع هذه النصوص، فراحوا يتهمون أنفسهم وقصورهم..

ثم التفت للرجل، وقال: أجبني.. هل يمكن أن تصف نفسك بأنك من الخاشعين أو المقربين أو الصديقين؟

قال الرجل: لا.. وأنا عند نفسي أقل من ذلك بكثير.. ثم إني سمعت الله تعالى وهو ينهانا أن نزكي أنفسنا، فيقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32)، ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (النساء:49)

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: أولاً: العبودية

قال الحكيم: ولهذا وقف الصالحون العارفون بالله مع هذه النصوص، فراحوا يتهمون أنفسهم وقصورهم..

ثم التفت للرجل، وقال: أجبني.. هل يمكن أن تصف نفسك بأنك من الخاشعين أو المقربين أو الصديقين؟

قال الرجل: لا.. وأنا عند نفسي أقل من ذلك بكثير.. ثم إني سمعت الله تعالى وهو ينهانا أن نزكي أنفسنا، فيقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32)، ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (النساء:49)

قال الحكيم: ومثل ذلك الإيمان.. بل الإيمان هو الأساس لكل أوصاف الكمال.. فلا يكون الشخص مقربًا ولا صديقًا ولا خاشعًا بدون إيمان.. ولهذا خشي الصالحون أن يدعوا ما هم مقصرون فيه.

قال الرجل: ولكن الشك محرم.

قال الحكيم: شك الصالحين ليس شكًّا في إيمانهم، وإنما هو شك في قبول ذلك منهم، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون:60)

قال الرجل: بلى.. وقد سئل رسول الله J، عن تفسيرها، وهل هي في الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ فقال J: (لا، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل)([i]).

قال الحكيم: فهذا يدل على ذلك ويؤكده.. بل ورد هذا النص القرآني في سياق يبين الحال التي يكون عليها المؤمن من الخشية والعبودية والتواضع، فالله تعالى يصف عباده المؤمنين بالخشية المؤدية للتواضع قبل وصفهم بالإيمان، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون:56 – 57)، أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم.

قال الرجل: بورك فيك.. وقد ذكرتني بقول الحسن البصري: (إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا)

قال الحكيم: فقارن بين هذا وبين من يستعلي بإيمانه، ويتسلط به، ويقاضي الخلق على أساسه، ثم لا يرضى إلا أن يرميهم بالكفر أو البدعة أو الزندقة.

نهض رجل آخر، وقال: نحن نسلم بهذا.. وهذا قد يصح مع الأعمال لا مع أصل الإيمان.. أرأيت لو أنك أخبرت عن نفسك بأنك رأيت شيئًا قد رأيته حقيقة.. أليس ذلك شيئًا طبيعيًّا لا حرج عليك في ذكره: ولا تعتبر بأنك زكيت نفسك بذلك؟

قال الحكيم: ولكن الإيمان أخطر من ذلك بكثير.. إن الإيمان غيب.. وهو إيمان بالغيب.. بخلاف ما ذكرت من الشهادة..

قال الرجل: ولكن هذا الغيب له ما يدل عليه في الشهادة.

قال الحكيم: وهذا هو الذي يمنعك من التعالي بالإيمان.. ألم تسمع الله يقصر وصف الإيمان على أناس مخصوصين بلغوا القمم العالية من العمل الصالح؟

قال الرجل: بلى.. فالله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (لأنفال:74)

ويعبر القرآن الكريم بصيغة الحصر التي تقصر الإيمان على من اتصفوا بأوصاف معينة، فيقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال:2)، ويقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:15)

ويصف الصادقين بأوصاف كثيرة، فيقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة:177)، فشرط عشرين وصفاً كالوفاء بالعهد والصبر على الشدائد.

ومثل ذلك يقول رسول الله J: (الإيمان بضع وسبعون بابًا أدناها إماطة الأذى عن الطريق)([ii]).

قال الحكيم: فبمثل هذا تصنف درجات المؤمنين..

قال الرجل: وهل ترانا نصنف الناس بغير ذلك؟

قال الحكيم: أجل.. أنتم تصنفون المؤمنين بحسب مواقفهم من بعض فروع العقائد.. فترفعون الفاسق غليظ القلب الذي يعتقد ما تعتقدونه إلى أعلى درجات الإيمان.. بل وتفضلونه على الصائم القائم الخاشع القانت إذا كان يخالفكم في تلك الفروع التي قسمتم الخلق على أساسها.

قال الرجل: ولكن البدعة أخطر من الفسق.. ألم تسمع قول ابن تيمية يحكي حكاية حصلت له مع بعض المبتدعة، فقال: (كان قد قال بعضهم: نحن نتوب الناس، فقلت: مماذا تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك، فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم، فإنهم كانوا فساقاً يعتقدون تحريم ما هم عليه ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه أو ينوون التوبة، فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله، ونثبت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي)([iii]).

قال الحكيم: كلا من البدعة والفسوق انحراف عن الطريق الصحيح الذي يقتضيه الإيمان.. ولكن هناك فرقًا بينهما لم تلاحظوه.

قال الرجل: وما هو؟

قال الحكيم: إن الفسق لا شك فيه من ناحية تحريم الشرع له، وتأثيره على الذات والمجتمع.. ولكن البدعة محل شك.. لأن كل فرقة تعتقد بدعية من خالفها.. وهي تتوهم أفضليتها بحسب ذلك.

بل ليس الأمر قاصرًا على ذلك، فبعضهم يرمي بالبدعة أبسط التصرفات مع أن الشرع وسع فيها.. وستسمعون من إخواني من الحكماء من يوضح لكم هذا.

نهض رجل آخر، وقال: فنحن بحمد الله قد جمعنا من أوصاف المؤمنين ما ورد في النصوص.. ونحن لا نتحدث عن ذلك تزكية.. وإنما تحدثًا بنعمة الله.. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى:11)

قال الحكيم: فرق بين أن تتحدث بنعمة الله عليك، وبين أن تتباهى بها، وتلعن مخالفيك لأجلها.. ثم من يضمن لك بأن هذه النعمة ستسمر لك.. أين الأمن من مكر الله؟

قال الرجل: وأين حسن الظن بالله؟

قال الحكيم: حسن الظن بالله يدعوك للتواضع لله ولعباد الله، فلا تحكم على أحدهم بالشقاء ما دامت فيه عين تطرف، فقد يتوب الله عليه في أي لحظة، ولا تحكم لنفسك بالسعادة، فقد يأتيك الشقاء من حيث لا تعلم.. ألم تسمع الصالحين، وهم يتخوفون من سوء الخاتمة؟

قال الرجل: بلى.. وقد كان أبو الدرداء يحلف بالله ما من أحد يأمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه.. وقد قال بعض العارفين: (لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار والموت على التوحيد عند باب الحجرة لاخترت الموت على التوحيد عند باب الحجرة لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار؟)

قال الحكيم: أتدري ما مثل ذلك؟

قال الرجل: ما مثله؟

قال الحكيم: مثله مثل رجل صائم.. فإن صومه متعلق باستمراره على صومه إلى أن تغرب الشمس، فلو لم يبق بينه وبين المغرب غير لقمة واحدة، فأكلها بطل صومه جميعًا.

فلذلك انشغل الأذكياء بمراعاة خواطرهم حتى لا تفسدها الوساوس والأوهام، وانشغل المغفلون بالبحث في سرائر الناس لا ليصلحوهم، وإنما ليتيهوا عليهم.. ويلمزوهم، وينبزوهم، ويقاتلوهم، ويقتلوهم.

ما وصل الحكيم من حديثه إلى هذه الموضع حتى انحنت كثير من السيوف، وسقط بعضها.. وهرع رجال يقبلون إخوانهم ممن كانوا يهمون بقتالهم، ويعانقوهم، ويذرفون الدمعات بين ذلك.

البقية العدد القادم

([i]) رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم.

([ii]) رواه البخاري ومسلم.

([iii]) جامع الرسائل: 1/72.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.