الطائفيون والحكماء السبعة (8)

الطائفيون والحكماء السبعة (8)

islam wattan . نشرت في المدونة 1496 لاتعليقات

قال الحكيم: لقد قال رسول الله J في الحديث الذي تصححونه، وتتفقون على تصحيحه: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته)..

الدكتور نور الدين أبو لحية

 

بقية: ثانيًا: الإسلام

قال الحكيم: لقد قال رسول الله J في الحديث الذي تصححونه، وتتفقون على تصحيحه: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته)([i]).

وفي حديث آخر أن رجلاً جاء إلى رسول الله  J من أهل نجد، ثائر الرَّأس، يُسمع دويُّ صوتِه، ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يَسألُ عن الإسلام، فقال رسول الله J: (خمسُ صلواتٍ في اليوم واللَّيلة)، فقال هل عليَّ غيرها؟ قال: (لا، إلاَّ أن تَطوَّع)، قال رسول الله J: (وصيام رمضان)، قال هل عليَّ غيرُه؟ قال: (لا، إلاَّ أن تَطوَّع)، قال: وذَكَر رسول الله J الزكاة، قال هل عليَّ غيرها؟ قال: (لا، إلاَّ أن تَطوَّع)، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أَزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله J: (أَفْلحَ إنْ صَدَق)([ii]).

وفي حديث آخر قال J: (خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد، مَن أتى بهنَّ لم يُضيِّع منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقهنَّ، كان له عند الله – تبارك وتعالى – عهد أن يُدخلَه الجنة، ومَن لم يأتِ بهن، فليس له عندَ الله عهد، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له)([iii]).

قال الرجل: لكن هذا الحديث كما نص مشايخنا مخصص عمومه، ومقيد مطلقه.. ولذلك يمكن أن يقع في الكفر والبدعة والشرك من فعل كل هذه الأمور.. وقد كتب بعض مشايخنا في ذلك رسائل كثيرة تبين أن تلك الطائفة التي نحاربها قد وقعت في الشرك.. ولا ينفع مع الشرك طاعة.

قال الحكيم: لكني سمعتهم يشهدون أن لا إله إلا الله.. فكيف يكون مشركًا من يقولها؟

قال الرجل: من وقع في نواقضها وقع في الشرك، وأصبح مرتدًا .. وحل دمه بذلك.

قال الحكيم: لكنه إن تأول ذلك .. أو اعتقد أن ما هو فيه ليس شركا.. وكان له برهان على ذلك.. وكان له من العلماء من يسانده .. ألا ينفعه كل ذلك لتعذروه؟

قال الرجل: لا .. لا ينفعه كل ذلك.. بل هو مشرك .. بل هو أشد كفرًا من اليهود والنصارى كما نص على ذلك علماؤنا.

قال الحكيم: فهل تعرف حديث الذي طلب من أهله أن يحرقوه إن هو مات؟

قال الرجل: أجل .. وكيف لا أحفظه وهو في صحيح البخاري ومسلم اللذين أجمعت الأمة على صحتهما.. ولا يرد أحاديثهما إلا زنديق.

قال الحكيم: فهلا رويته لي.

قال الرجل: أجل.. ولدي سند طويل به، وأجازني في روايته مشايخي الكبار.. ونصه هو قوله J: (كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا متّ، فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك. فغفر له)([iv]).

قال الحكيم: بورك فيك وفي حفظك.. أخبرني وكن صادقًا.. لو أن هذا الرجل وقع بين أيديكم، فبم تحكمون عليه؟

سكت الرجل، فقال الحكيم: لا شك أنكم ستحكمون عليه بالكفر؛ لأنه أنكر قدرة الله، أو تصور الله عاجزًا عن أن يجمع ذراته.

قال الرجل: أجل.. ولكن لجهله عذره الله سبحانه وتعالى.

قال الحكيم: فلم لا تعذرون خلق الله.. فالله هو الذي يعلمهم وهو الذي يربيهم.. وهو الذي ينقلهم من حال إلى حال إلى أن يرتقوا في سلم الكمال الذي كتبه الله لهم.

قال الرجل: إذا فعلنا ذلك.. فستغرق هذه الأمة في متاهات الضلالة، ولن تبقى فيها أي فرقة ناجية.

قال الحكيم: ألم يعطنا الله تعالى صفات الفرقة الناجية، بل الفالحة، بل الفائزة بعز الأبد؟

سكت الرجل، فقال الحكيم: بلى .. وقد نص على ذلك في مواضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( (المؤمنون: 1 – 11).

انظر كيف أخبر الله تعالى أن أولئك الذين اتصفوا بتلك السعادة لم ينجوا فقط، وإنما نالوا الفردوس الأعلى.

قال الرجل: ذلك صحيح.. والآيات الكريمة صريحة في ذلك.

قال الحكيم: فهل تراكم أنتم وهؤلاء الذين تحاربونهم تختلفون في تلك المعاني التي وردت بها تلك الآيات؟

سكت الرجل، فقال الحكيم: أنا أعرفكم جميعًا، وقد خالطتكم جميعًا، ولا أحد منكم ولا منهم ينكر معنى من تلك المعاني.. فكلهم يؤمنون بالصلاة والزكاة والأمانة..

رمى رجل من القوم سيفه، وقال: صدقت.. لقد تذكرت الآن الكثير من الأحاديث التي كان يجتهد مشايخ السوء الذين ملأوا قلوبنا بالأحقاد كي ننساها، حيث كانوا يؤولونها تأويلاً عجيبًا، فلا نخرج منها بشيء..

ومن تلك الأحاديث قوله J: (صلُّوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وصلُّوا على من قال: لا إله إلا الله)([v]) وأتذكر ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لبعض مشايخي، وحدثته بهذا الحديث، وأنا في غاية السرور، لكنه انتهرني.. ثم أخذ يسرد علي فتاوى العلماء التي تحرم الصلاة وراء جميع المخالفين لنا، بل تجعل صلاتنا خلفهم باطلة([vi]).

ومن تلك الفتاوى ما أفتى به بعضهم، قال: (الصلاة خلف المبتدع فيها تفصيل، فإذا كان مبتدعًا بدعة مكفرة كالجهمية؛ فهذا لا يُصلى خلفه، والمعتزلي الذي يؤول صفات الله والخوارج لا يُصلى خلفهم، أمَّا إذا كانت بدعته خفيفة لا تفضي إلى الشرك فالأمر في هذا سهل، ولكن إذا تيسر إزالته والتماس إمام من أهل السنة؛ فهذا أمر واجب، ولكن إذا دعت الضرورة أن يُصلى خلفه، كالتي بدعته لا تكفره كالعاصي فهذا يصلى خلفه ما دام مسلمًا)([vii]).

ثم بين لي أن هذه الفتوى تستدعي ألا أصلي خلف أحد من الناس سوى أصحابنا؛ لأن الأمة جميعًا أصبحت جهمية.. لأنها جميعًا لا تقول بإثبات اليدين والعينين والرجلين والحقو والضرس لله..

رمى آخر بسيفه، وقال: بورك فيكما .. لقد ذكرتماني بحديث أنستنيه الأيام ومشايخ السوء، وهو قوله J: (رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه)([viii])، وفي رواية أخرى: (كفُّوا عن أهل لا إله إلا الله، لا تكفروهم بذنب فمن أكفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب)([ix]).

فقد وضع رسول الله J ضابطًا واحدًا لإدخال المؤمن في الدين، وحماية عرضه من التكفير، وهو قول لا إله إلا الله.. أو هو التوجه للقبلة في الصلاة.. وهي محل اتفاق بين المسملين جميعًا.

رمى آخر بسيفه، وقال: بورك فيكم .. لقد ذكرتموني بحديث خطير لكأنه يحكي واقعنا تمامًا.. كان مشايخ السوء يكتمونه بكل ما أوتوا من صنوف الحيل.. فإذا ما عجزوا راحوا يحرفونه عن معناه.. وهو ما رواه  حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله J: ( إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت بهجته عليه ، وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك)، قال حذيفة: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟، قال: (بل الرامي)([x]).

رمى آخر بسيفه، وقال: بورك فيكم .. لقد ذكرتموني بأحاديث كثيرة للسلف الذين ندعي انتسابنا إليهم.. منها أن رجلاً سأل جابرًا: هل كنتم تدعون أحدًا من أهل القبلة مشركًا؟ قال: معاذ الله، ففزع لذلك، قال: هل كنتم تدعون أحدًا منهم كافرا؟ قال: لا([xi]).

وعن يزيد الرقاشي أنه قال لأنس بن مالك: يا أبا حمزة ! إن أناسا يشهدون علينا بالكفر والشرك، قال: أولئك شر الخلق والخليقة([xii]).

البقية العدد القادم

([i]) رواه البخاري ومسلم.

([ii]) رواه البخاري.

([iii]) رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.

([iv]) رواه البخاري ومسلم.

([v]) تاريخ بغداد: 6/403.

([vi]) انظر تلك الفتاوى في كتابنا [التراث السلفي تحت المجهر] من هذه السلسلة.

([vii]) الفتوى للشيخ ابن باز، انظر: نور على الدرب 364 ب د25.

([viii]) ابن أبي الدنيا في الصمت.

([ix]) رواه الطبراني.

([x]) رواه ابن حبان في صحيحه: 1/ 282. ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2907) ، والبزار (2793)، قال ابن كثير: إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، وحسنه الألباني في الصحيحة (3201).

([xi]) رواه أبو يعلى والطبراني في (الكبير).

([xii]) رواه أبو يعلى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.