القدس .. ما بعد صفعة ترامب!!

القدس .. ما بعد صفعة ترامب!!

islam wattan . نشرت في المدونة 336 لاتعليقات

القدس .. ما بعد صفعة ترامب!!

الآن وقد هدأت ردود الفعل الرسمية العربية والعالمية (في مقابل تزايد الغضب الشعبي) على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء في 6 كانون الأول / ديسمبر المتمثل بالاعتراف الأميركي الرسمي والقاطع بالقدس عاصمة لإسرائيل، بعد أن هدأت عواصف الشجب، والإدانة.

الدكتور رفعت سيد أحمد

القدس .. ما بعد صفعة ترامب!!

الآن وقد هدأت ردود الفعل الرسمية العربية والعالمية (في مقابل تزايد الغضب الشعبي) على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء في 6 كانون الأول / ديسمبر المتمثل بالاعتراف الأميركي الرسمي والقاطع بالقدس عاصمة لإسرائيل، بعد أن هدأت عواصف الشجب، والإدانة، التي يتقنها عادة حكامنا العرب ونخبتنا من الإعلاميين والساسة، الذين تسببوا – جميعًا كلٌّ بقدره – بتخاذلهم وسلامهم الوهمي واتفاقاتهم البائسة وإعلامهم المدجّن وتطبيعهم المجاني مع إسرائيل، وليس فحسب ترامب ودولته؛ في أن تصل الأمور بشأن القدس إلى هذه النهاية.

الآن نسأل وماذا بعد؟ ماذا بعد هذه الصفعة المدوّية على وجه الجميع، خاصة أنصار السلام البائس والتطبيع؟! والذين صدّعوا رؤوسنا خلال السنوات الماضية بهكذا (سلام)!!.

دعونا نسجّل الإجابة في النقاط التالية:

أولاً : رغم خطورة ما فعله ترامب على مسار الصراع العربي الصهيوني فإنه في تقديرنا لم يفعل جديدًا، من خلال اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ لأنه وبكل بساطة، قد أخرج ما كان خفيًّا تحت المنضدة، منضدة المساندة الأميركية لإسرائيل والتواطؤ الرسمي العربي التاريخي معهما – إلى ما فوقها؛ فعلى مستوى أول:

ثمة مقدّمات طويلة من التنازلات العربية في قصة الصراع، مهّدت لهذا القرار ولغيره مما هو قادم، تلك التنازلات تمثّلت في اتفاقات سلام بائسة تنتقص من الحقوق الثابتة لفلسطين؛ (أشهرها كامب ديفيد 1978م – مدريد 1991م – وادي عربة 1994م – أوسلو 1993م وغيرها) وثمة اتفاقات سياسية واقتصادية واسعة النطاق تمّت سرًّا خلال نصف القرن الماضي بين الكيان الصهيوني وأغلب الحكومات الإسلامية العربية، وبخاصة الخليجية منها (تحديدًا تركيا وقطر – الإمارات – السعودية – البحرين .. إلخ) وثمة تفاهمات سرية جرت للقبول بالتنازل عن القدس التاريخية واعتبارها عاصمة لإسرائيل مقابل قرية أبوديس في أطراف القدس عاصمة لما كان يسمّيه أصحاب خيار أوسلو (القدس الشرقية!!). إن ما فعله ترامب هو أنه أخرج كل هذه “المخلّفات” و”القذارة السياسية” من تحت المنضدة إلى ما فوقها.. فلماذا غضبوا كل هذا الغضب، إلى الحد الذي جعلته صحفهم عنوانًا للصراع والاحتجاج طيلة أسبوع كامل، واستنكرته جامعتهم العربية التى كانت بالأمس تدين المقاومة اللبنانية وتصفها بالإرهاب… هؤلاء أصلاً هم أول من باع ومهّد لبيع الباقي من فلسطين!! في ظنّي لا يحق لهم أن يغضبوا؛ لأنهم بخيانتهم طويلة المدى كانوا السبب الرئيس في قرار ترامب!

نص القرار الأميركي عام 1995م: ينبغي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل.

ثانيًا: وعلى مستوى ثان:

إن ترامب بصفعته وإجرامه الجديد، نفّذ ما سبق ووعد به أسلافه من حكام أميركا قبل 22 تمامًا (عام 1995م) حين صدر القرار الأميركي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب (وهي أيضًا أرض عربية ولا ندري لماذا لم تغضب لها أيضًا من قبل) إلى القدس. وللتذكر فإن هذا القرار تؤكد نصوصه الصادرة عام 1995م على أن لكل بلد الحق في تحديد العاصمة التي يختارها، وأن إسرائيل حدّدت القدس.

ويشير القانون القرار الأميركي إلى أن مدينة القدس هي مقر رئيس إسرائيل والبرلمان والمحكمة العليا وموقع العديد من الوزارات الحكومية والمؤسّسات الاجتماعية والثقافية. كما نص القرار والذي اتخذ وقتها – عام 1995م – رقم 1322 على أنه ينبغي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، وينبغي إنشاء سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل في موعد أقصاه 31 مايو 1999م، ويهدف القانون إلى تخصيص ما لا يزيد على 50% من ميزانية وزارة الخارجية الأميركية المخصّصة لـ “اقتناء وصيانة المباني في الخارج” للسنة المالية 1999م للسفارة الأميركية في القدس.

هذا والقانون القرار الأميركي المعروف باسم “سفارة القدس”، والذي أقرّه الكونجرس في 23 أكتوبر 1995م؛ يقضي بالشروع فورًا في تمويل عملية نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس في موعد أقصاه 31 أيار/ مايو 1999م، ولكنه تضمّن أيضًا بندًا يسمح للرئيس الأميركي بتأجيل تنفيذ هذا القانون لمدة 6 أشهر، مادام أن الرئيس يبلغ الكونجرس بشكل مسبق أن تأجيل هذه الخطوة ضرورة لحماية الأمن القومي والمصالح الأميركية، وهي الثغرة التي استغلّها الرؤساء الأميركيون الواحد تلو الآخر على مدى العقود تجنّبًا للتصعيد المحتمل لأزمة الشرق الأوسط، وهو ما لم يفعله ترامب!!.

هذا وتؤكّد مجلة “التايم” الأميركية، في تقرير لها صدر الشهر الماضي، أن الأسباب وراء عدم دخول هذا القانون حيّز التنفيذ الآن لا تختلف كثيرًا عما كانت عليه في 1995م، حيث أكّدت إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون أنه على الرغم من توافقها مع الحكومة الإسرائيلية على نقل السفارة الأميركية إلى القدس من حيث المبدأ، فإنهم يفضلون استقرار عملية السلام قبل تفجير الأزمة وتعقيدها بقرار نقل السفارة.

لقد استمر الحديث عن هذا القانون القرار سنوات تجاوزت العشرين، فلماذا لم يفعل حكام العرب وخاصة حكام الخليج، الذين هم الأكثر تبعية وصداقة وتحالفًا مع واشنطن؛ شيئًا لإلغائه وهم إن أرادوا ذلك لفعلوا على الأقل حين كان بإمكانهم اقتراح مقايضته بصفقات السلاح والاقتصاد ورشاوى بقاء العروش، وآخرها صفقة أمير الفوضى محمّد بن سلمان كما أسماه توماس فريدمان، وفي مقال قادم سنتحدّث عن ضرورة الإشراف الإسلامي علي مقدّسات مكّة والمدينة؛ لأن مصيرهما إذا استمر متسعودًا هكذا.. سيصبح مع عهد هذا الأمير المنفلت والمتاجر بكل شيء شبيهًا بحال القدس مع الصهاينة والأمريكان اليوم … تمامًا)، ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا؛ لأن القدس أصلاً غير واردة على أجندتهم وعقولهم وعقائدهم الدينية (الفاسدة)!!

ثالثًا: ما العمل إذن؟..

هذا السؤال على بساطته صعب الإجابة عليه، إلا أننا من الممكن إعطاء بعض الإشارات العامة للإجابة والتي تأتي في مقدّمتها، أن ترامب، ومن معه، لا يفهمون أو لنقل لا يخشون  تلك اللغة الاحتجاجية التي صدرت خلال الأيام الماضية سواء في الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية أو من الساسة والإعلام العربي، الرجل، قلنا عندما جاء إلى الحكم، وفي مقال سابق؛ بأنه بمثابة “بلطجي البيت الأبيض”، والبلطجي عادة لا يفهم سوى لغة القوّة، أما “التنديد” و”الشجب” وغيرهما من وسائل التعبير، التي لا يتقن الإعلام والساسة العرب، سواها؛ فإنها تزيده عنادًا، وتصلّبًا خاصة مع وجود “لوبي يهودي” قوي يغذّي “مدرسة المسيحية الصهيونية” التي أتى منها الرجل، والتي تؤمن بأن القدس، وفلسطين كلها ينبغي أن تكون ملكًا لإسرائيل حتى يأتي المسيح ليحكم العالم ألفي عام سعيدة!!، هكذا يؤمن ترامب وفريق المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة؛ وهكذا تتم ترجمة إيمانه إلى سياسات وقرارات صادمة.

الرجل – كبلطجي – أتى من مدرسة المسيحية الصهيونية الأميركية تلك (وربما نكتب عنها لاحقًا دراسة موسّعة للنشر في هذا المكان)؛ لن يردعه، في قراره هذا الذي أجهض به أحلام فريق أوسلو وكامب ديفيد، وما بنوه من أوهام خلال الربع قرن الأخير؛ إلا القوة، والتي نعني بها وبوضوح تام؛ ضرب المصالح الاقتصادية والعسكرية الأميركية في المنطقة (ولمن لا يعلم لأميركا 9 قواعد عسكرية في المنطقة العربية وليس قاعدة واحدة في قطر كما يشاع!)؛ والقوة أيضًا تعني إعادة الاعتبار لسلاح الانتفاضة الثالثة المطلوبة الآن وفورًا ولسلاح المقاومة في الجنوب اللبناني والسوري، وعبر سيناء! مع حصار بشري خانق – إن أمكن – لسفارات واشنطن في العواصم المركزية في المنطقة ودفع الثمن من أرواح وتضحيات مقابل هذا الحصار، في مواجهة آلة القمع البوليسية للحكومات العربية المتواطئة بالفطرة مع واشنطن، والمتحالفة مع الكيان الصهيوني… ذلك هو الرد الوحيد القادر على ألا يحوّل وعد ترامب إلى وعد بلفور جديد، يبني عليه سياسات ومواقف دولية، تضيع ما بقي من الأرض، والمقدّسات والحقوق في فلسطين… وهو رد برسم محور المقاومة وليس محور الخليج الأميركي والجامعة العربية وأصحاب مذهب التسوية والسلام الزائف واتفاقات البؤس من كامب ديفيد إلى أوسلو، هؤلاء لا ينبغي مخاطبتهم أصلاً؛ لأنه لا ينتظر منهم شيئًا بل العكس هو الصحيح، حيث سيكونون هم أول من يطبّع ويبرّر الخيانة وبيع القدس وربما بيع أو “تأجير” الحرمين الشريفين في الحجاز، فالأمير محمّد بن سلمان لا يجد حرجًا في ذلك ويعتبرهما مشروعًا تجاريًّا… إذن الرهان لا يصح أن يكون على هؤلاء الرهان ينبغي أن يكون على محور المقاومة (وهو معلوم ومنتصر لمن يريد أن يسأل عنه، ولعلّ الخطاب التاريخي للسيّد حسن نصر الله مساء الاثنين الماضي في 11 كانون الأول/ ديسمبر هو العنوان والاستراتيجية الأبرز له) ومع هذا المحور يقف الشعب العربي والفلسطيني وفق استراتيجية واضحة، وما دون هذا المحور … هباء في هباء!!!.

ترى هل نقدر على ذلك الرد؟! وهل نمتلك إستراتيجية حقيقية للمقاومة طويلة النفس، متعدّدة الوسائل؛ ترى فلسطين كلها (قدسًا).. وليس مجرّد مدينة أو عاصمة لوطن محتل؟ هل نمتلك تلك الإستراتيجية – ولا زلت أتحدّث هنا عن محور المقاومة وشعوبه – وليس عن غيره – أم إننا سنتحوّل بعد عدّة أيام ومع مرور الوقت إلى مجرّد ردّات فعل متناثرة قصيرة النفس والفعل كما جرى من حكامنا وإعلامنا المدجّن إثر صفعة ترامب على وجوههم؟!..

ذلك هو التحدّي!!.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.