بين الانبهار بالغـرب ورفض التعامل معه 1-2

بين الانبهار بالغـرب ورفض التعامل معه 1-2

islam wattan . نشرت في المدونة 491 لاتعليقات

حين كان الشرق متهمًا بالركود والجمود في عيون الغرب، وخاصة الرحالة منهم، كان الغرب مشادًا به ممن تطلع إليه، وخاصة أولائك الذين ابتُعثوا إليه؛ فإذا كان هذا قد استفحل في العصر الحديث، فإننا نجد أن بريق تبني الفكر الغربي – بما يحمله معه من فلسفات وثنية وهيلينية – لم يسلم منه الأقدمون.

الدكتور خالد برادة

 

حين كان الشرق متهمًا بالركود والجمود في عيون الغرب، وخاصة الرحالة منهم، كان الغرب مشادًا به ممن تطلع إليه، وخاصة أولائك الذين ابتُعثوا إليه؛ فإذا كان هذا قد استفحل في العصر الحديث، فإننا نجد أن بريق تبني الفكر الغربي – بما يحمله معه من فلسفات وثنية وهيلينية – لم يسلم منه الأقدمون، حيث إنه قد استهوى نزرًا غير يسير من أعلام المسلمين، ونورد هنا لمحة مما اعترى الأمة الإسلامية إبان محاولة نفر من بني جلدتها مزج علومها بما عند غيرها، وخاصة ممن دعوا إلى الأخذ بالمنطق الأرسطي داخل البيئة الإسلامية، وشتان بين المنهج التجريبي الإسلامي، وبين المنهج الاستقرائي الأرسطي، ولذا فقد كان لكثير من العلماء موقف حاسم من الفلسفة اليونانية، ويأتي في طليعتهم ابن تيمية (728هـ) الذي بدأ معركته معها بنقض آلتها الكامنة في المنطق اليوناني، وما موقف ابن تيمية الحاد في منع المسلمين بالعمل بالفلسفة اليونانية إلا لأنها آلة للتفكير، ولا مسوّغ لها في العقلية الثقافية الإسلامية، وهذا ما وضحه ابن تيمية في سبيل تنقية البيئة الإسلامية من الثقافة الدخيلة، التي توجس خيفة من إفسادها للثقافة الإسلامية؛ وقد يُظن أن اللجوء إلى النهل مما هو خارج عن مورد ثقافة المسلمين، عمل يخدم الدين، بعملية مزج بين الأفكار المتباينة، ولكن هيهات أن يجدي ذلك نفعًا.

ولقد كان موقف ابن تيمية حاسمًا من الفلسفة اليونانية، باعتبارها تفسد الثقافة الإسلامية إن مُزجت بها، فقد بدأ معركته في محاربة تلك الفلسفة انطلاقًا من نقض آلتها، وهو المنطق اليوناني – كما سبقت الإشارة – لأنه آلة للتفكير لا مسوغ له في ثقافتنا الإسلامية، وهذا ما انبرى له ابن تيمية مبينًا إيَّاه، وقد كان نقضه للمنطق مشوبًا بحملة قوية على أنصاره، والداعين إلى مزجه بعلوم المسلمين، ولكن ذلك الخلط لا يحقق ثمارًا مرجوة، فــ “من أراد تخريج القرآن والسنة على مقتضى قواعد المنطق لم يصب غرض الشارع البتة”([i])؛ لأنه منطق خاص بأمة بعينها، ولا مكان له في عملية فهم المسلمين لدينهم، وقد كان المنطق مدخلاً إلى الفلسفة، ولذا كان لا بد من تقويض العمل بالفلسفة عن طريق هدم المنطق الأرسطي، ومن ثم اعتبر المنطق مدخلاً للشر، وما هذا الشر إلا ما يسمى بالفلسفة، وهل يكون مدخل الشر إلا شرًّا؟ إنه كذلك كما أثبت ابن الصلاح الشهرزوري (ت643هـ)([ii]).

وإذا كان الهجوم على المنطق قد أزرى بكثير من المنافحين عنه داخل البيئة الإسلامية – التي لفظت الجسم الغريب – فإنهم حاولوا أن يبرهنوا بحجج واهية على أهمية المنطق الأرسطي، كما نجده في مدافعة الفارابي (ت339هـ) عنه، وتعليل: ابن حزم (456هـ)، والغزالي (ت505هـ) لمزج المنطق بأصول الفقه، باعتبار أن المنطقيات – في رأيهما – غير متعلقة بالدين.

ولعل الإمام الغزالي قد تورع عن الإفصاح بالأسماء المنطقية إبان تأليف كتبه الفلسفية، فلم يعنون بها مؤلفاته، وقد رأى الدكتور محمد مهران أن الإمام الغزالي لما استخدم أسماء عدة بدلاً من مصطلحات المناطقة، فإنه فعل ذلك لما “رأى في استخدامهم لهذه المصطلحات تهويلاً وتضليلاً لشيء في غاية البساطة يستخدم في علومنا اللغوية فاستبدله بمعيار العلم ومحك النظر، وهناك أسباب أخرى تتمثل في مهادنته للفقهاء خوفًا من نقدهم لعدائهم للمنطق والتركيز على تحرير المنطق من الفلسفة مع محاولة ربطه بالدراسات الكلامية والفقهية”([iii]).

وهناك من علل هذا الموقف بأبعد من ذلك، وأرمي بذلك إلى المستشرق جولد زيهر، فقد عزا تسمية كتب الغزالي بألفاظ يألفها الفقهاء، ويعتادها علماء زمانه إلى الخوف من أن يسومه ما سام الكندي (ت252هـ) – مثلاً – الذي برر العمل بالفلسفة، أو كابن رشد الذي امتحن بسبب العمل بها، وحاول هذا الأخير جاهدًا أن يضفي عليها طابع الشرعية، ولكن سرعان ما قوبلت جهوده وأضرابه من الفلاسفة المروجين للعمل بالفلسفة داخل البيئة الإسلامية بالرفض الشديد “وهو ما يكشف عن أن الزمن العربي جامد وثابت إزاء رفضه للفلسفة، وأن هناك عدم قبول للفلسفة وفقًا للنموذج المشائي اليوناني في التربة الدينية الإسلامية، وأن هناك غربة لمن يروجون لها في الثقافة الإسلامية”([iv]).

وينبغي أن نعتبر الإمام الغزالي قد نظر بعين منصفة إلى المنطق، غافلاً عن عواقبه التي سيجنيها على تفكير المسلمين، زاعمًا أن علوم المسلمين لا تقوم إلا به، وهذا غلط عظيم في نظر ابن تيمية، ولذا كان له وقفة مع الغزالي في مناقشة ما حمله من جريرة إدخال المنطق في علوم المسلمين، ولذا رأيناه غير راض على ما أقدم عليه الغزالي؛ وللحق فقد آب الإمام الغزالي إلى الحق، لما أعلن انصرافه عن دنيا الناس بزهد كان فيه حقيقيًّا بالباطن والظاهر، وخلوة مع الله تعالى دامت زهاء عشر سنين([v])، وقد ختم حياته بذلك، وما لبث أن سطَّر ابن تيمية شهادته عن الغزالي بأنه “مات وهو يشتغل بالبخاري ومسلم”([vi])، وهو هنا يُظهر عودته إلى موئل الصفاء الفكري، وتجدر الإشارة إلى أنه يعتبر رائدًا في الرد على الفلاسفة، وقد استفاد ابن تيمية منه في ذلك.

والسؤال الذي يلح علينا أن نطرحه، هو: ما مسوغ دفاع كثير من العرب الأوائل – المنسوبين إلى العلم والفكر- عن الفلسفة اليونانية المشائية، ومحبتهم الترويج لها، والدفاع عنها، دونك مثلاً: الكندي الذي طالب بضرورة الانفتاح على الأمم المباينة لنا، من أجل تعلم الفلسفة منها، أو كالفارابي الذي حاول عبر نظرية النبوة أن يصل حبل المودة بين الدين والفلسفة، أو كابن طفيل (ت581هـ) في رسالته الخيالية (حي ابن يقظان) وهي محاولة منه للتوفيق بين الدين والفلسفة، وكذلك ابن رشد (ت595هـ) الذي قامت بينه وبين الغزالي معارك فكرية حول هذا الموضوع.

إن الإجابة عن هذا السؤال، ليست هيِّنةً كما قد يُتوقع، نظرًا لأنها قضية لها أبعادها التاريخية، ومداها الفكرية، مما يجعلنا نحجم عن إيجاد تبرير لِما عمدوا إليه من إعجاب بالفلسفة اليونانية إلى حد الهيام، وقد يكون التطلع إلى ما عند الآخر سببًا من أسباب الاحتواء داخل مفاهيمه، والعمل على التبشير بفكره المباين لثقافة المسلمين، وفقدان التأصيل الثقافي الشرعي الذي هو المأمن من المفاسد الثقافية.

ومن هنا فقد اعتبر أن فلاسفة المسلمين لا يمثلون المسلمين في فكرهم، نظرًا لأنهم لم ينطلقوا من الفكر المستمد من الوحيين، ولقد قيض الله عز وجل رجالاً وقفوا في وجوه الداعين إلى خلط الدين بالفلسفة، وقد كانت مواجهة عنيفة لأولئك المنبهرين بالفلسفة الذين حملوا رايتها في سماء المسلمين، حتى وجدنا من يعتبرها ماء الحياة، الذي بدونه تتوقف الحياة.

([i]) صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، جلال الدين السيوطي، تحقيق د. علي سامي النشار، القاهرة، ص 57.

([ii]) انظر: فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه، أبو عمرو ابن الصلاح الشهرزوري، رقم (55)، تحقيق: سعيد بن محمد السناري، دار الحديث، القاهرة، 2007م، ص 95، 96.

([iii]) المنطق والموازين القرآنية: قراءة لكتاب القسطاس المستقيم، د. محمد مهران، سلسلة أبحاث علمية (13)، إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

([iv]) محاكمة الفلسفة في فكر ابن تيمية، د. أحمد محمد سالم، كتاب المجلة العربية، العدد (444)، محرم 1435هـ/ نوفمبر 2013م، ص 20.

([v]) انظر ما جاء من إيثار الإمام الغزالي للعزلة حرصًا على الخلوة وتصفية القلب للذكر، في كتابه: المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، ص 29.

([vi]) الرسالة الصفدية: قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة، ابن تيمية، تحقيق محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، ط 1، 2000م، ص 137.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.