بين الانبهار بالغـرب ورفض التعامل معه 2-2

بين الانبهار بالغـرب ورفض التعامل معه 2-2

islam wattan . نشرت في المدونة 706 لاتعليقات

لعل ما يجعل رجال الفكر الإسلامي غير موافقين على التبشير بفكر الآخر وفلسفته – خاصة الفلسفة اليونانية – داخل الثقافة الإسلامية هو وجود تعارض حقيقي بينهما، ومرد ذلك إلى صميم قوام الإسلام ومرتكزاته، وهو: التوحيد، والنبوة، وأخلاقية المجتمع الإسلامي ومقوماته، وتكمن خطورة التمازج بين الأفكار (الإسلامية وغيرها)، وما يحويه اختلاف الثقافات، هو أن النتيجة الحتمية ستكون بدهية، وهو إعاقة التأصيل الثقافي للأمة الإسلامية من مرجعيتها الموحدة، وإنَّ توحيد مرجعيتها رهين بدوام وحدة عقيدتها.

الدكتور خالد برادة

التعارض بين الفكرين

لعل ما يجعل رجال الفكر الإسلامي غير موافقين على التبشير بفكر الآخر وفلسفته – خاصة الفلسفة اليونانية – داخل الثقافة الإسلامية هو وجود تعارض حقيقي بينهما، ومرد ذلك إلى صميم قوام الإسلام ومرتكزاته، وهو: التوحيد، والنبوة، وأخلاقية المجتمع الإسلامي ومقوماته، وتكمن خطورة التمازج بين الأفكار (الإسلامية وغيرها)، وما يحويه اختلاف الثقافات، هو أن النتيجة الحتمية ستكون بدهية، وهو إعاقة التأصيل الثقافي للأمة الإسلامية من مرجعيتها الموحدة، وإنَّ توحيد مرجعيتها رهين بدوام وحدة عقيدتها.

وإذا تقرر هذا فإنه يتجلى لنا أن المفاهيم التي يصدر من خلفيتهما فهم المسلمين للأشياء يختلف عن مرجعية الآخر، ولا سبيل إلى التوفيق أو التلفيق بينهما.

ومن هنا نكون واعين بتعليل حقيقة الصراع الذي احتدم بين الداعين إلى الفلسفة المشائية في التربة الإسلامية، وبين الرافضين لها، الناقدين لأصحابها نقدًا جذريًّا مدينًا، المعتبرين أولائك الفلاسفة أنهم لا يمثلون المسلمين في شيء، وإنما هم مجرد امتداد للروح الهيلينية في العالم الإسلامي.

وقد جانبت الصواب بعض التفسيرات الغربية، التي زعمت أن ازدهار الفلسفة كان في عصر التسامح الديني، باعتبار أن الفلسفة لا تنبت إلا في ذاك المناخ، بينما إذا كان هناك اضطهاد ديني، فإنه سرعان ما تُقصى الفلسفة ويضطهد الداعين لها([i])، فضلاً عن أن بعض الحداثيين رأوا في منطق أرسطو – الذي يعتبر آلة الفلسفة اليونانية – المنقذ المبين للفكر المستنير.

ونجلي هنا حقيقة مفادها أن الفكر الإسلامي كان قد تشكل وتكامل قبل ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية، التي بدأت منذ خلافة أبي جعفر المنصور حتى وفاة هارون الرشيد وكانت إذاك مقتصرة على الكتب الطبيعية، ولكنها في عصر المأمون (ت 218هـ) أخذت لونًا آخر ينبئ بالخطر وذلك بترجمة الإلهيات اليونانية والعقائد الفارسية، بل وصل الأمر إلى غاية الخطورة لما تبنى المأمون في آخر أيامه فتنة خلق القرآن، وجدير بنا أن نثني على موقف الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) الذي صمد في تلك الفتنة صمودًا منقطع النظير، فلله درُّه.

شبهات حول الثقافة الإسلامية

وها هو العصر الحديث يشهد فئة من المثقفين، كان غرضهم هو تنزيل النموذج الغربي ليحل محل النموذج الخاص بفكر المسلمين، زاعمين أن الثقافة العربية قد تأثرت بالفكر اليوناني؛ وقد حاول بعض أولائك الذين أرادوا أن يلبسوا الثقافة الإسلامية ثوب التبعية، أن يثيروا شبهات خطيرة، ولكن سرعان ما تبين زيفها، فمن ذلك أن الدكتور محمد عابد الجابري زعم أن تقدم الثقافة الإسلامية رهين باتباع نهج أرسطو.. ولا يساورنا أدنى ريب أن هذه دعوة مغرضة، وصفها الدكتور أحمد محمد سالم بأنها “تفوق دعوات المستشرقين”([ii])؛ والجابري فيما ذهب إليه، لم يكن بدعًا من رجال التغريب، فلقد سار سيرهم، خاصة إذا علمنا بما قدمه الدكتور طه حسين – قمة أطروحة التغريب -، الذي يعتبر أن العرب ينبغي أن يتبعوا الأوربيين في كل شيء حتى يتسنى لهم السير في ركاب الحضارة، فيصبح العربي صورة طبق الأصل للرجل الغربي في نمط تفكيره، فيتعلم كما يتعلم ذاك الأوربي، ويشعر ويحكم ويعمل مثله([iii])، لتصير حياة العربي وفق النموذج الغربي.

كما حاول دعاة التغريب أن يوهموا القراء بتأثير الفلسفة اليونانية على رواد أصحاب المؤلفات العلمية، ومن ذلك ما ادعاه الدكتور طه حسين من أن عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) “قد تم على يديه التوفيق بين البيانين: العربي واليوناني”([iv])، ويتابعه في ذلك أمين الخولي في بحثه: البلاغة العربية وأثر الفلسفة فيها([v])؛ حيث يجزم بأن الفلسفة قد أثرت بمنطقها في نشأة البلاغة([vi])؛ وهؤلاء يحاولون أن يثبتوا للأجيال مغالطة فكرية زائفة، ومفادها أنه “ليس بإمكان العقلية الإسلامية أن تصنع لها متنًا، وأن علومها قامت على شرح علوم اليونان، وأن أرسطو لم يكن معلمًا للعرب في الفلسفة والأخلاق فحسب، وإنما كان معلمهم في البيان أيضًا”([vii])؛ ولا يتوانى أمين الخولي عن طريق المقابلة بين صفحتين، إحداهما من الفكر الإسلامي، والأخرى من الفكر الغربي، فتجده يغض من قدر الصفحة الأولى، بينما يعلي من قدر الأخرى، فيقول في أسفل الصفحة المأخوذة من كلام علمائنا: “انظر لترى وجهًا شاحبًا معروقًا، وفي أسفل الصفحة المأخوذة من الآخر: انظر لترى وجهًا حيًّا وحيويًّا”([viii])، وهذا بعيد عن روح العلم وتقدير علماء المسلمين.

صفوة القول

وصفوة القول أن الفكر الإسلامي لم يكن تابعًا لأي فكر وإنما كانت له ذاتيته الخاصة، وقد استطاع أن يتخطى منطق أرسطو ويتجاوزه، وإن ما يفصح عن أصالة فكرنا الإسلامي هو المنهج الاستقرائي العلمي والتجريبي.

([i]) وجدنا جولد زيهر في كتابه: (موقف أهل السنة القدماء إزاء علوم الأوائل) يشير إلى أن البيئة المتشددة تُعبر عن رأيها من الفلسفة باضطهاد أصحابها، وهذا رأي مروق يفضي إلى القول بأن الموقف الرافض للفلسفة ما هو إلا تعبير عن  التشدد الديني، فليت شعري: ما هي البيئة غير المتشددة التي تصفق للفلسفة الغربية؟ وهذا الرأي الاستشراقي يرمي إلى خلق انشطارية بين العهود الإسلامية، وتصنيفها إلى متشدد ومتسامح، ويمكن القول بأن عهد المأمون (ت218هـ) – مثلاً – الذي ازدهرت فيه ترجمة كتب الفلسفة لم يكن عهد تسامح، بل كان عهدًا شاذًّا، إذ إن ما أقدم عليه المأمون لهو بحق نكسة أخلاقية، وزلّة فكرية، تحمَّل جريرتها المأمون.

([ii]) قراءة الجابري للعقل العربي: أثر الاستشراق فيها، د.أحمد محمد سالم، المجلة العربية، العدد 423، السنة 36، ربيع الثاني 1433 هـ / 2012 م، ص 51، 52.

([iii]) انظر: مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م، ص 41. (بتصرف).

([iv]) تمهيد في البيان العربي: مقدمة في نقد النثر، بدون تاريخ الطبعة، ص 28، 29.

([v]) بحث لأمين الخولي، ألقاه في الجمعية الجغرافية الملكية، بتاريخ: 19 مارس 1931م، وقد نشره ضمن كتابه: مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995م، ص 109- 133.

([vi]) انظر: مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، أمين الخولي، ص 119.

([vii]) انظر: علماؤنا وتراث الأمم، د. محمد محمد أبو موسى، إصدارات مجلة الوعي الإسلامي، رقم (96)، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، 1436هـ/ 2015م، ص 24. (بتصرف يسير).

([viii]) فن القول، أمين الخولي، نقلاً عن كتاب: علماؤنا وتراث الأمم، المرجع السابق، ص 26.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.