تاريخ ومعالم مدينة القدس (3)

تاريخ ومعالم مدينة القدس (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 743 لاتعليقات

مدينة القدس قديمة يرجع تاريخها لأكثر من خمسة آلاف سنة، وكانت في بداية النشأة صحراء خالية من أي أودية، وتعتبر مدينة القدس من أقدم المدن التاريخية في العالم، وهي مهد الديانات السماوية – غالبًا – ويعتبر العرب اليبوسيون هم أول من بنى مدينة القدس.

الدكتور أحمد كريمة

الفتح الإسلامي للقدس

تم فتح إيلياء سنة (15ﻫ – 636م) في عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب 0([i]). وظل الجيش الإسلامي يطوف حول المدينة ولا يدخلها في انتظار قدوم الخليفة، وكان زعماء المسيحيين في داخل المدينة ينتظرون الخليفة أيضًا ومعهم مشروع معاهدة تقضي بكل ما يريد المسلمون بشرط الإبقاء على الحرية الدينية للمسيحيين، واحترام المشاهد المسيحية المقدسة في البلد، واستمرار القرار الروماني القديم بمنع اليهود من النزول إلى المدينة، ولما قدم سيدنا عمر بن الخطاب 0 قبل شروطهم جميعًا، إلا الشرط الأخير الخاص بحرمان اليهود من دخول القدس، موضحًا بأن القرآن الكريم قد حدد ما لأهل الكتاب وما عليهم، وليس فيه شيء يسمح بهذا، ولكنه تعهد لمسيحي القدس بألا يدخل أحد من اليهود إلى مقدساتهم أو يسكن في حاراتهم. ثم صعد عمر بن الخطاب 0 إلى هضبة جبل موريا واختط مسجدًا بجانب الصخرة الشريفة التي كان النبي J قد أسري به إليها فصلى عندها، وجعل سيدنا عمر بن الخطاب 0  علقمة ابن حكيم على نصف فلسطين، وأسكنه الرملة، وجعل علقمة بن مجزر على نصفها الآخر، وأسكنه إيلياء.

القدس في عهد بني أمية

وفي عهد بني أمية ضمت القدس إلى الشام، فأقام عليها معاوية سلامة بن قيصر، ولم يجرؤ أحد من اليهود طوال أيام الخلفاء الراشدين 4 وأوائل عهد خلفاء الدولة الأموية على الاستيطان بالقدس حتى سمح لهم بذلك الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي أعاد بناء المسجد الأقصى وبنى قبة الصخرة عام (72ﻫ – 691م).

وقد بلغ من تقدير الخليفة سليمان بن عبد الملك لمدينة القدس، أنه ترك أخاه الأصغر في دمشق وحضر إلى القدس، وهو ينوي أن يجعلها عاصمة الخلافة الإسلامية، ثم عدل عن ذلك([ii]).

القدس والحملات الصليبية

ولما استولى الفاطميون على مصر وسوريا (سنة 358ﻫ – 969م) تبعت القدس للمعز لدين الله الفاطمي، وكان مشهورًا بعطفه الشديد على الأقليات من أهل الكتاب وخاصة اليهود([iii]).

واستولى السلاجقة على بيت المقدس بعد أن أخذها الملك ألب أرسلان (سنة 465ﻫ – 1072م) من الفاطميين.

وبينما النزاع قائمًا بين السلاجقة والفاطميين، كان الصليبيون يعدون العدة للزحف صوب القدس، وأخذها من المسلمين، فقد دخلوا القدس لأول مرة بقيادة (جودفري دي بويون) حاكم مقاطعة لورين السفلى أو المنخفضة بفرنسا، وذلك سنة 493ﻫ – 1099م، فأبادوا جميع المسلمين واليهود في المدينة المقدسة، وأحرقوا ديارهم ومقدساتهم وحرموا عليهم دخولها، وظلت القدس تحت الحكم الصليبي يتعاقب على حكمها ملوك الصليبيين قرابة (88 عامًا). وتكونت فيها فرقتان من الفرسان، أشهرها فرقة: فرسان الهيكل (Knights Templar) أو الجنود الفقراء، وكانت تعرف بين المسلمين باسم (فرسان الداوية).

ولم ينقطع المسلمون عن مقاومة الصليبيين منذ احتلالهم القدس سنة 493ﻫ – 1099م حتى إذا ما انتهى صلاح الدين الأيوبي من موقعة حطين 583ﻫ – 1187م، حاصر مدينة القدس مما اضطر الصليبيين إلى الاستسلام وطلب الصلح، فوافق صلاح الدين على أن يغادروا المدينة مقابل الجزية.

وانتهت الدولة الأيوبية والملك الصالح نجم الدين يدافع عن بيت المقدس ضد الحملة الصليبية السابعة (646ﻫ – 1248م) بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، وقد استطاعت دولة المماليك التي خلفت دولة بني أيوب من رد الصليبيين والاحتفاظ بالقدس وأقامت الكثير من المنشآت والمباني، وفي عهد دولة المماليك خرج الصليبيون من بيت المقدس وبلاد الشام كلها إلى غير رجعة، فقد عقدت بين السلطان الأشرف خليل بن قلاوون والفرنج في عكا سنة 682ﻫ – 1283م معاهدة مدتها عشر سنين تقريبًا، على أن يكون للسلطان جميع الديار المصرية والحجازية ومعظم بلاد الشام والأردن وفلسطين بما في ذلك القدس، وظلت القدس موضع التقدير طوال عصر المماليك البحرية والمماليك الجراكسة.

المؤامرة الصهيونية الكبرى

وكانت القدس في العصر العثماني مركزًا لوحدة إدارية كبيرة تعرف باسم (سنجق القدس)، ولما خسرت الدولة العثمانية الحرب سنة 1914م، انتقلت القدس من أيديهم إلى أيدي الإنجليز سنة 1917م([iv])، الذين خططوا بخبث ودهاء ومكر وأعوانهم لتسليمها لليهود وفق مخططات دبرت بليل([v]).

والمؤامرة الإسرائيلية الكبرى لانتزاع القدس بالكامل بدأت مع قيام إسرائيل، ويتضح ذلك من خلال مضاعفتها مساحة القدس لتصبح مائة كيلومتر مربع بدلاً من أربعة كيلومترات كما كانت قبل 1948م؛ لضمان وجود غالبية يهودية كبيرة ضمن حدود بلدية القدس مع تغير الطبيعة (الديمجرافية) للمدينة من خلال وضع العقبات أمام سكان القدس الأصليين الذين يتناقصون يومًا بعد يوم، مما يؤكد أن تمسك إسرائيل بالقدس يرجع لأطماع سياسية لا دينية أو عقائدية؛ لأن أماكن أخرى كصفد وطبريا كانت عند أحبارهم أكثر قداسة من القدس التي لم يكتشفوا قدسيتها إلا عام 1897م، بعد تأسيس الحركة الصهيونية، حتى الحائط الوحيد الذي يسيطر عليه اليهود ويتشبثون به اليوم ويسمونه (حائط المبكى) الذي يحمل اسمًا إسلاميًّا منذ فجر الإسلام وهو (حائط البراق)، الذي هبط عنده رسول الله J في رحلة الإسراء والمعراج، وأنها كانت أولى القبلتين.

وتتصاعد مؤامرة تهويد القدس، فقد قالت موسوعة ويكيبيديا الشهيرة على الإنترنت عند تعريف مدينة القدس: أن إسرائيل تعتبر المدينة عاصمة لها، في حين أن المجتمع الدولي يرفض ذلك، كما أن الوضع النهائي للمدينة لم يتحدد بعد في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، حيث فضلت هذه الموسوعة العالمية أن تعطي القدس وضعين مختلفين، في حل ذكي ولكن غير عادل لهذه المشكلة، ففي الجزء الخاص بالقدس في النسخة العربية من ويكيبيديا، تعرف الموسوعة مدينة القدس بأنها أكبر مدن إسرائيل سواء من حيث المساحة أو عدد السكان، وأنها عاصمة لإسرائيل غير معترف بها دوليًّا.

أما في النسخة الإنجليزية فيتم تعريفها على أنها عاصمة إسرائيل وهو ما يعني أن كافة متصفحي الموسوعة باللغة الإنجليزية على الإنترنت سيفهمون أن هذا الوضع الطبيعي والحقيقي للعاصمة، وذلك خلافًا لما تنص عليه القرارات الدولية، بينما يتم تقديم فكرة أن الفلسطينيين يريدون القدس عاصمة لهم بأنها مزاعم فلسطينية (Palestinian Claims).

ويقول النص الإنجليزي عن المدينة: إن الجزء الغربي فقط من المدينة هو الذي يقطنه اليهود والذين يشكلون أغلبية سكان المدينة بصفة عامة، وأنه الأكثر تمدنًا وتحضرًا.. الخ. بينما تشكل الأغلبية العربية أو المسلمة الجزء الأكبر من شرق القدس القديمة وجنوبها وشمالها، وأن أكبر وجود عربي حقيقي في المدينة هو بيت الشرق!.

([i]) فتوح الشام للواقدي ص51.

([ii]) التنبيه والإشراف للمسعودي ص329.

([iii]) تاريخ القدس، عارف العارف.

([iv]) مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي ص233، سيد مير علي ترجمة رياض رأفت.

([v]) تاريخ فلسطين ص387.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.