حديث الغار وخبيئة العمل الصالح (1 /2)

حديث الغار وخبيئة العمل الصالح (1 /2)

islam wattan . نشرت في المدونة 371 لاتعليقات

اطلعت على شرح حديث الصخرة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد الدبيسى، الذى بين فيه الرسول o ما يرفع البلاء النازل، وكيف يتحمل الجميع مسئوليتهم فى دفع تلك الشدائد التى حَلَّت بنا- بأمر الله ولحكم يعلمها- حتى تندفع الصخرة وتنزل الرحمة.

الدكتور عبدالحليم العزمي

حديث الغار وخبيئة العمل الصالح (1 /2)

اطلعت على شرح حديث الصخرة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد الدبيسى، الذى بين فيه الرسول o ما يرفع البلاء النازل، وكيف يتحمل الجميع مسئوليتهم فى دفع تلك الشدائد التى حَلَّت بنا- بأمر الله ولحكم يعلمها- حتى تندفع الصخرة وتنزل الرحمة.

إن ما أشار إليه الحديث من عوامل البلاء مدعومة بالإخلاص والخوف والتوبة، إنما تبين ما وراءها من أعمال على نفس المنوال وتنادى على الأمة بالمسارعة بتحقيقها، وجعلها خبيئة لا يعلم بها إلا الله، يستجيب بها الدعاء ويقبل بها العمل ويفرِّج بها عن أمة سيدنا ومولانا محمد o، إذ هى الآن فى ظرف دقيق من أخطر ما مر بها من مصاعب وما أحاط بها من مصائب، تستدعى الوقوف منا جميعًا فى مواجهة تلك الأخطار.

فى الفترة الأخيرة – التى توالت وتكاثرت البلايا النازلة على المسلمين – لا ينسى المسلمون أن هذا البلاء إنما نزل بأمر الله تعالى، ونزل على عين الله جل وعلا، فالله I هو الذى قدر ذلك وقضاه؛ ليرى من المؤمنين جُهدهم وسعيهم فى رفع هذا البلاء؛ لأنه ما نزَّله عليهم إلا بما جنت أيديهم وما اقترفوا من السيئات فى حق الله تعالى، وفى حق دينهم ورسولهم، وفى حق أنفسهم، فهو يعلم I ما نزل بهم، وهو الذى خلقه ويدبره، ويسلط أولئك على هؤلاء، وهؤلاء على أولئك، حتى يتوب المؤمنون إلى ربهم.

فى غمرة الأحداث، وفى غمرة الضيق وانتظار الفرج، إذا بالمسلمين ينسون أسباب الفرج ورفع الكرب، ويحاولون أن ينظروا يمينًا وشمالاً، أو أن يستعينوا بأى شىء ليفك عنهم ذلك النازل، وكل ذلك ينبغى أن يرد إلى الله؛ يعنى: نزل عليهم البلاء من هنا ومن هنا، وفى بلدهم وخارج بلدهم، وبدأ الكفرة والظلمة فى كل مكان يضيقون الخناق على المؤمنين فى كل توجهاتهم، وبدأت الحرب تأخذ أشكالاً سافرة تبين أن المقصود بهذه الحرب هو الإسلام، والمسلمون يمتلئون ضيقًا وحزنًا وكمدًا، يريدون من الله أن يفرِّج عنهم مثلاً أو ينتظرون شيئًا خارجًا عن العادة وعن نواميس الكون يرفع الله به البلاء ويهزم لهم الأعداء ويريهم فيهم أيامًا سوداء، ولكنهم نسوا أن الله ما أنزل ذلك عليهم إلا وهو يراهم ومطلع عليهم، وأنه جل وعلا الذى أنزل ذلك بهم.

وحديث الصخرة يبين لنا طريقًا ينبغى أن نسلكه اليوم وكل يوم، لا ننساه ولا نتزحزح عنه، حتى يرفع الله تعالى البلاء ويخفف عناءه، ويمنع أعداء الدين من أن يهينوا دينه ويحاربوه هذه المحاربة التى امتلأت بها الدنيا.

حديث الصخرة متفق عليه: أخرجه البخارى فى صحيحه فى عدة مواضع منها: كتاب البيوع 2215، والإجارة 2272، والمزارعة 2333، وأحاديث الأنبياء 3465، والأدب 5974، وأخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الرقاق 7125 و7126.

وسوف نحاول أن نذكِّر بشىء تنفرج به هذه الصخرة التى حلَّت بنا ونزلت علينا، وأصبح المحبوسون فى الغار ينتظرون الموت أو الموت! لا ينتظرون شيئًا ثالثًا، قد انقطعوا فى جبل من الجبال، ونزلت عليهم الصخرة، وسدت الغار.. لا يسمع بهم أحدٌ إلا الله تعالى، ولا يجيب لهم أحد صوتًا إلا الله سبحانه وتعالى.. لا ينصرهم أحد إلا الله.. لا يفتح لهم هذه الصخرة إلا الله. وكأنها تمثل الحالة التى نحن فيها: لا يسمع أحد للمسلمين صوتًا ولا يجاب لهم طلب، ولا ينظر لهم بعين الاعتبار ولا غيره، كلما زادوا استسلامًا زاد البلاء وزاد الكرب، كلما ازدادوا بعدًا عن الله تعالى ازدادت نقمته وازداد بلاؤه عليهم، حتى يفهموا ثم يعملوا بهذه المعانى التى ذكرها النبى o فى الحديث، وذلك هو المهم الذى نود أن نشير إليه فيما ذكر النبى o من ألفاظ منيرة؛ ليتحمل كل مسئوليته قبل أن تَسُدَّ عليه الصخرة هو الآخر ولا يستطيع أن يخرج منها، فليس لهم فى الأول وفى الآخر إلا الله.

أصحاب الغار والصخرة

يقول النبى o: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم).

وهى حكاية يحكيها النبى oعلى سبيل العبرة لأهل الإيمان، يذكرهم بما ينبغى أن يتعلموه فى دينهم، ويبين لهم أنه يمكن أن ينزل بهم مثل ذلك، ويوضح لهم o كيف يستعدون قبل أن ينزل البلاء، فإذا نزل البلاء ارتفع الدعاء والعمل الصالح إلى الله فيخفف المولى به؛ لأن أصحابه – أصحاب ذلك العمل الصالح – كان لهم صوت مسموع عند الله تعالى قبل ذلك، يعنى: قدَّموا لله فى عهد رخائهم ذلك العمل الصالح الذى لو نزل بهم البلاء ودعوا ربهم لشفع لهم ذلك العمل عند الله تعالى، وكانت تلك الأعمال الصالحة هى المنقذة والمُنْجِيَةَ التى ينجيهم بها المولى تعالى بفضله.

العبرة الأولى: هؤلاء الثلاثة لا شك أنهم كانوا مؤمنين وكانوا متقين صالحين، بدليل ما فعلوا من أعمال صالحة واستجاب الله لهم بها، وبالتالى لما كانوا – وهى العبرة الأولى فى هذا الحديث – منطلقين، لا شك أنهم كانوا منطلقين ليعملوا عملاً صالحًا لله تعالى.. منطلقين لما فيه رضا الله تعالى، يطلبون لأهلهم مكانًا فيه المرعى والمنزل الطيب، فجاءهم الامتحان من الله تعالى الذى يكون عبرة لهم ولمن بعدهم، فإذا بهؤلاء الصالحين قد بعدت بهم المسافات، وانقطعوا عن طريق بلادهم، وهطلت الأمطار وانقطعت السبل، فدخلوا يستخفون فى غار حتى يقف المطر ثم يخرجون بعد ذلك ليستكملوا سيرهم أو رجوعهم إلى أهلهم، فنزلت صخرة فانطبقت على باب الغار فأغلقته! لماذا؟؛ لأن الله تعالى هو الذى فعل ذلك ورتبه، هم خارجون لله تعالى، هم ساروا ليقوموا بأى أمر من أمور الدين أو الدنيا اللازمة، فإذا بالصخرة تنزل عليهم.

وطبيعة النفس البشرية عندما يغلق الباب على الناس فى الحافلة مثلاً، فإنهم لا بد أن يحاولوا أن يفتحوا الباب وأن يدفعوا بأيديهم وأرجلهم وجنوبهم وظهورهم، لا شك أن أصحاب الغار فعلوا ذلك، لم يذكره النبى  o ليفهمه السامعون وليحصلوه بأنفسهم، فهل عندما نزلت الصخرة جلسوا فى جانب الغار وقالوا: (ادعوا الله تعالى لا ينجيكم إلا صالح أعمالكم)؟! لا.. لا يمكن أن يكون ذلك لأنه خلاف مقتضى النفس البشرية، وإنما قاموا يحاولون أن يدفعوا هذه الصخرة، لكنها لا تندفع، فقد جاءت بأمر الله لتسد عليهم ذلك، لينظر تعالى كيف يعملون، أخذوا يصيحون ويدفعون ويصرخون، أخذوا يستغيثون، ولكن لا مغيث ولا منجى، ولا صخرة تندفع ولا شىء، عندها انتهت قواهم وبدءوا فى الاستسلام إلى ما هم فيه من أمر، وانتحوا جانبًا فى الغار ينتظرون إما أن تأتى معجزة السماء وإما أن يكون هذا الغار قبرَهم إلى يوم يبعثون، وهى حالة صعبة يرى المرء فيها أن الموت أقرب إليه من أى شىء، وهو جالس لا ينتظر شيئًا، لا شرابًا ولا طعامًا، ولا يجد من يغسِّله ويكفِّنه ويصلى عليه، لقد أتت نهايته على هذه الحالة العجيبة، وبعد أن أعيتهم الحيل، وبدا عجزهم إذا بالله تعالى وقد ألهمهم- وهو الذى رتَّب لهم هذه الوقعة التى وقعوا فيها، ومع ذلك هو لا يترك عباده- ألهمهم حينئذ طريقًا من طرق النجاة: ألهمهم أن يفعلوا آخر ما فى وُسعهم؛ وهو أن يستغيثوا بربهم، ولكن بم يستغيث المؤمنون اليوم؟ إنهم لم يقدموا شيئًا يستغيث المرء به، إلا من رحم الله تعالى!.

هذه مصيبة المؤمنين اليوم، وهو أنه عندما يأتى الآتى ليقول: (ها قد وقعت الصخرة وانسد الغار، هيا استغيثوا بصالح أعمالكم)، من منا الذى له أعمال صالحة يمكن أن تنفرج بها الصخرة ولو قليلاً؟! من منا الذى يستطيع أن يدَّعى أعمالاً فيها إخلاص- كما ذكر هؤلاء من أعمالهم- تكون بفضل الله تعالى منجاة لنا مما وقعنا فيه، ورحمة بنا يندفع بها البلاء؟! الله الموفق.

قال أحدهم لما جلسوا ينتظرون الموت: (لن ينجيكم إلا أن تدعوا الله تعالى)، يعنى: لن ينجيكم من هذه البلاء – أيها المؤمنون الذين وقعتم في البلاء.. ونحن الآن جميعًا واقعون فيه – لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، فإن قلنا: ليس هناك أعمال صالحة هى أوثق أعمالنا قد عملناها يمكن أن يدعوا المرء بها ربه بقلب مطمئن فتكون سببًا لأن يستجاب له، فلا أقل من أن نتشبه بهؤلاء الأولياء الثلاثة، فإذا أحاطت بنا الصخرة الإحاطة الكاملة جاء هذا العمل الصالح يدفعها، ولعل البعض قد نوى أن يجهز شيئًا يرفع به البلاء، وأن يشارك بعمل يجعله من الأعمال الخالصة لوجهه الكريم I يدفع به هذا البلاء النازل لئلا يقع هو فيه، فأنت لا زلت فى سعة، والله تعالى قد أرسل لك الموعظة قبل أن توضع وتحبس هذا الحبس الأليم فى ذلك الغار، وإن كنا جميعًا اليوم فى ذلك الغار المعنوى نستغيث بالله تعالى منه.

فضل بر الوالدين وأهميته

قال الأول: (اللهم كان لى أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أَغْبِقُ قبلهما أهلاً ولا مالاً).

وكأن الاهتمام ببر الوالدين قد قدمه وبدأ به النبى o لكونه من أهم الأمور التى يدفع الله تعالى بها البلاء.

وكان الرجل الصالح لا يغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، و”الغبوق” هو حلب العَشاء، فكان يجلب لهما فى الصباح ما يفطران به، ويجلب لهما فى العَشاء ما يتعشيان به، فكان لا يقدم عليهما أحدًا لا أهلاً ولا مالاً يعنى: لا صغيرًا ولا كبيرًا، لا حقيرًا ولا ذا شأن.

و”أهلاً” يعنى: زوجته وأولاده، و”لا مالاً” يعنى: ولا عبيده ورقيقه، فالعبيد والرقيق يسمون بالمال، فلا يقدم عليهما أحدًا فضلاً عن نفسه؛ لأن المرء يقدم أولاده على نفسه، فإن كان يقدم أبويه على أولاده فمن باب أولى يقدم أبويه على نفسه.

ثم إنه أخذ مواشيه ونأى به الطلب- أى: طلب الشجر- يعنى: أخذ المواشى ليرعى بها فنأى به طلب الشجر وطلب المرعى حتى ناما، يعنى: لم يستطع أن يرجع إليهما ليحلب لهما غبوقهما لعيشيهما ويبيتا راضيين عنه.

يقول ذلك المسكين الصالح بعد ذلك فى إحدى روايات الحديث: (فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما ولم أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً).

انظر إلى هذه الأحوال الثلاثة لترى هذا المعنى:

الحالة الأولى: (فكرهت أن أوقظهما). أى: كره أن يوقظ والديه.

الحالة الثانية: التى وصل إليها ذلك الصالح من البر: (فلبثت والقدح على يدى أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر)، أى: وقف والقدح على يديه ينتظر أن يستيقظا، وكان يمكن لهذا المسكين أن يجلس مثلاً، ومن الذى كان سيلومه إذا حلب لهما غبوقهما وجلس ينتظر أن يستيقظا فيشربا، ليس فيها شىء أن يجلس! أو يضع اللبن بجوارهما وينام، أو يوقظهما ليشربا اللبن! ولن يلومه أحد كذلك لو جمع أولاده وأهله وعشَّاهم وقدم لهم عشاءهم ليناموا، وانتظر أباه وأمه حتى يستيقظا ليشربا أو ليأكلا.. كلا لم يفعل شيئًا من ذلك، وما كان ليلومه أحد لو فعل، لذلك كان ذلك العمل له قيمته عند الله تعالى ودرجته: أنه وقف والقدح على يده ينتظر أن يستيقظا، والصبية يتصايحون يريدون أن يشربوا، لم يغبق قبلهما أحدًا، ولم يجلس ويضع طعامهما وينم قليلاً ليستريح من طول يومه الذى قضاه فى العمل وهو يسرح وراء الماشية إلى أن أظلم الليل، ولم يُرح، أى: يرجع، عليهما كما يقول فى إحدى الروايات.

الحالة الثالثة: أنه لم يفعل شيئًا من ذلك وهو متألم مثلاً، أو فعله وقد فرضه عليه أحد، أو فعله رياءً وسمعة ليقال البار بوالديه، أو فعله طمعًا في ميراث، وإنما فعله رجاء الرحمة.. رجاء أن يبارك الله له.. رجاء أن يدفع الله عنه.. فعله بعظيم ابتغاء وجه الله.

وانظر إلى أحوالنا اليوم: من الذى وقف بطعامه وعشائه لوالديه طوال ليله واقفًا ينتظر استيقاظهما ليطعمهما؟.

بر الوالدين سبيل لنيل دعوة الوالدين المستجابة لولدهما

وانظر إلى بركة الصلاح: هذان الأبوان كانا صالحين لا شك؛ وقد هيَّأ الله تعالى لهما هذا الولد الصالح كذلك، لما شربا غبوقهما فإن أول كلمة متوقعة يمكن أن يقولاها له وقد رأيا ولدهما واقفًا طوال الليل وعلى يده القدح والصبية يتضاغون وكذا وكذا: (يا بنى لِمَ لَمْ تجلس؟ لِمَ لَمْ تنم؟ لماذا تفعل ذلك فى نفسك؟ عندما وجدتنا نائمين فلن يحدث شىء أن تنام ونشربه عند الصباح!..).

لا يعقل أنهما أخذا منه القدح وشربا وانتهى الأمر، لا.. وإنما لا شك أنهما لما شربا غبوقهما- هذان الأبوان الصالحان- ورأياه على هذه الحال الحسنة كان المتصور أن يدعوَا له دعاء شديدًا من قلبيهما إلى الله تعالى أن يفرِّج عنه، وألا يوقعه فى الكربات، وأن يدفع عنه البلاء، وأن يسدد خطاه، وأن يحبب فيه خلقه.. إلى آخر هذه الأدعية التى تصدر حال رضاهما، ووجد هذا الولد الصالح أثر هذه الأدعية ما يكون زاده إلى الله تعالى، ويكون كذلك رفعًا لدرجته، ودفعًا عنه لأى بلاء، قال J: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم)([i]).

أهمية الإخلاص

فى العمل الصالح

يقول هذا الولد الصالح البار بوالديه: (اللهم إن كنت فعلت ذلك)، وهى المسألة التى ينبغى أن يتعلمها المؤمنون اليوم: (ابتغاء وجهك)، وفى رواية: (رجاء رحمتك ومخافة عذابك فرِّج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئًا). لكن لا يستطيعون أن يخرجوا منه.

فى حين أن المسلمين اليوم لا يجيدون أن يخرجوا من فم الغار، لذلك يتوسلون إلى الله تعالى بالشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، يتوسلون إليه بالتقصير والتفريط، يتوسلون إليه حتى يزيد عليهم إحكام الصخرة وحتى تزداد عليهم ثباتًا لا يتمكنون من الخروج من الغار ويبقون فيه إلى يوم يأتي بقوم يحبهم ويحبونه.

دفع البلاء بالله تعالى

بعد ما انفرجت الصخرة قليلاً بعد دعاء الرجل الأول، فإن المنطق يقول: إنه لا ريب أنهم حاولوا أن يستكملوا انفراج الصخرة بأن يدفعوا الصخرة بأيديهم، وها هم يدفعون الصخرة فلا تندفع! هى مأمورة بأمر الله تعالى، وهذا البلاء النازل هو نازل بأمر الله تعالى، ليستكملوا ما يدفعون به هذا البلاء، فإن لم يستكملوا هذا الدفع لن يرتفع البلاء، هذا هو المعنى إذن، لذلك بعد أن دفعوا الصخرة لم تندفع، علموا أن الله تعالى ما زال ينتظر أن يسمع دعاءهم، وأن يرى إخلاصهم بما قدموا من عمل صالح قد قبله الله تعالى مخلصين له فيه، وليكون كذلك تعليمًا للمؤمنين، فرجعوا كما كانوا مساكين ليستكملوا الدعاء، وهو ساعتها الذى ليس بأيديهم غيره.

إن الذن ينبغى أن يتعلمه المرء، هو أن دفع الصخرة لم يكن بقوتهم وإنما بالله تعالى، وأننا مطالبون اليوم بأن ندفع بالله تعالى.. أن ندفع بالعمل الصالح.

قال الثانى فى إحدى روايات الحديث: (اللهم إنِّى كانت لى ابنة عم، كانت أحبَّ الناس إلىَّ- أو كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء – وأننى راودتها عن نفسها فامتنعت منى، ثم إنها ألمَّت بها سنة من السنين)، يعنى: جاءتها سنوات الفقر الجداب.. جاءها ونزل عليها البلاء والشدة امتحانًا من الله لهذه المسكينة، (فجاءتنى فأعطيتها مائة وعشرين دينارًا، أي: حوالي نصف كيلو جرام من الذهب، على أن تخلِّى بينى وبين نفسها ففعلت)، وصل بها الحال- هذه المرأة الصالحة المسكينة – إلى ذلك، (فلما قدرت عليها قالت: يا عبد الله اتق الله، ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهى أحبُّ الناس إلىَّ، وتركت لها المال الذى أعطيتُها)، أى: تركت لها الذهب الذى أعطيتها، (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافْرُج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئًا لا يستطيعون أن يخرجوا منه)، انفرجت الصخرة إلى ثلثيها كما فى الرواية الأخرى.

العِفَّةُ والخوفُ من الله تعالى

(اللهم إنى كانت لى ابنة عم، كانت أحبَّ الناس إليَّ).

يقول: (فلما قدرت عليها قالت: يا عبد الله اتق الله)، أى: خف الله، (ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه)، وحقه الزواج، وليس حقه الزنى، أى: لا تفضه إلا بما يرضى الله تعالى من زواج.

قال: (فانصرفت عنها وهى أحبُّ الناس إلىَّ)، لا شك أن الحب الأول الذى ادَّعى لم يكن لله تعالى، وإنما كان حب الشهوة، حب أن يقضى منها وطره، وهو ما يحدث عندما تطغى الشهوات على الناس اليوم أو كل يوم، والحب الثانى هو أنه قد أحبها لعفتها ولكرامتها ولخوفها من الله، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية: لعله أحبها بما كانت السبب فيه أن يتوب إلى الله، وأن يرجع إليه، ومن ناحية ثالثة: ذكرته بقدرة الله عليه، وجعلته يستحي منه، ومن ناحية رابعة: أنها خافت الله في وقت الشدة، وهو لم يخف الله في وقت الرخاء!!، تغيرت إذن فى قلبه هذه العواطف التى حركته إلى المحرَّم، فإذا نفس العاطفة – أى عاطفة المحبة – هى التى حركته إلى الخير، فكانت العاطفة الأولى عاطفة سيئة شيطانية، وكانت العاطفة الثانية نتيجة للخوف من الله تعالى الذى تولد فى قلبه من موعظة المرأة المسكينة.

يقول: (فانصرفت عنها وهى أحبُّ الناس إلىَّ، وتركت الذهب الذى أعطيتها)، أى: الدنانير التى أعطاها إياها.

ترك ذلك كله ليكون أهلاً أن تكون توبته هذه مقبولة، أو أن يكون هو مقبولاً بهذه التوبة عند الله تعالى.

(اللهم! إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك)، انظر: فى اللحظة التى تغير حاله من الشهوة المحرمة إلى الانصراف عنها، لم يكن هناك ما يمنعه من إكمال شهوته ودفعها إلا خوف الله تعالى.. إلا استحياؤه من ربه، إلا تأثير هذه الموعظة فى قلبه، ثم زاد على ذلك: المجاهدةُ لنفسه، والخروجُ عما كان فيه من ظلم بأن ترك المال كله لله تعالى، (إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه) أو (فافرُج عنا ما نحن فيه) كما فى الرواية الثانية، (فانفرجت الصخرة شيئًا، لكن لا يستطيعون أن يخرجوا منه).

وللحديث بقية،،،

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

([i]) رواه الحاكم في المستدرك، كتاب البر والصلة، ح7368، والطبراني في الأوسط، 2/13 ح1014.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.