حديث الغار وخبيئة العمل الصالح (2 /2)

حديث الغار وخبيئة العمل الصالح (2 /2)

islam wattan . نشرت في المدونة 608 لاتعليقات

بيَّنَّا فى اللقاء الماضى أن بر الوالدين والعفة عن المحرمات من أهم الأسباب التى يرفع الله بها البلاء عن الأمة الإسلامية، ودللنا على ذلك بحديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وسقطت على بابه صخرة لم تنفرج قليلاً قليلاً إلا بعد أن توسل كل منهم بعمل صالح خالص لوجه الله، وفى هذا المقال سوف نواصل الحديث مع باقى قصتهم والدروس المستفادة منها.

الدكتور عبدالحليم العزمي

حديث الغار وخبيئة العمل الصالح (2 /2)

بيَّنَّا فى اللقاء الماضى أن بر الوالدين والعفة عن المحرمات من أهم الأسباب التى يرفع الله بها البلاء عن الأمة الإسلامية، ودللنا على ذلك بحديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وسقطت على بابه صخرة لم تنفرج قليلاً قليلاً إلا بعد أن توسل كل منهم بعمل صالح خالص لوجه الله، وفى هذا المقال سوف نواصل الحديث مع باقى قصتهم والدروس المستفادة منها.

التوبة النصوح

فلتكن هذه القصة الحقيقية التى وقعت إذن نبراسًا للمؤمنين اليوم لأن يتوبوا إلى الله من كل المحرمات، وأن يؤكدوا هذه التوبة لله تعالى بما قدموا من أعمال صالحة، وقد علمنا التوبة وأركانها وأهميتها ومنزلتها ولزومها على تتابع الأزمان وعلى الفور.

بعد هذه التوبة يجب أن يتحقق المرء بحقيقة التوبة النصوح، فليس كل من قال: (تبت إلى الله) فقد تاب، ولكن للتوبة حقيقتها التى ينبغى أن يبادر المرء إلى إظهار آثارها لله تعالى، من الاستقامة على أمره.. من الخوف أن يراه حيث نهاه، أو أن يفتقده حيث أمره، حتى لو كان المرء فى أحلك لحظات المعصية إذا به يخاف من ربه أن يطلع عليه فى هذا الحال، فيسارع إلى أن ينصرف عنه.

كذلك من آثار هذه التقوى أن يظهر عليه الخضوع لله تعالى، كلما أمر بأمر سارع إليه، وأن يتصدق، وأن يبذل لهذه التوبة ما يكون سبب قبولها عند الله تعالى.

تُرَى هؤلاء المؤمنون المحاصرون بكل أنواع الموت فى الغار؛ لو أنهم لم يُسْتَجب لهم بدعائهم هذا، تُرى ماذا كان سيكون حالهم؟ سيضَّجِعُون ينتظرون الموت، ويكون هذا الغار الذى دخلوه هو مقبرتهم التى يحشرون منها إلى يوم القيامة.

وانظر إلينا أيضًا، لو لم يُرفع لنا عملٌ إلى الله تعالى فسنكون فى هذا الغار حتى نلقى الله تعالى، لذلك كانت مسئوليتنا عظيمة: أن يحاول المؤمنون- كلٌّ على قدر طاقته- أن يدفع هذا البلاء؛ لتنزل الرحمة، ويرتفع الخَطْب النازل، ويخفَّ الكرب وتتنفس أمة سيدنا محمد o الصعداء مما هى فيه، كما تنفس هؤلاء الصالحون الصعداء عندما انفرجت عنهم تلك الصخرة.

نرجع إلى أصحاب الغار: وجدوا الصخرة تتحرك مرة أخرى، إما أن يقولوا – وهذا أمر بعيد -: (اجلسوا فأكملوا دعاءكم لله تعالى)، وإما أن يكون قد حرَّكهم الوازعُ النفسى أن يخرجوا مما هم فيه من حبس، فانطلقوا ليدفعوا الصخرة بأيديهم، فكأنها قالت لهم: (لا، لا زال هناك عمل صالح آخر ينبغى أن تتوسلوا به إلى الله، لتتزحزح هذه الصخرة ولتخرجوا)، كأنها تقول لهم: (أنا لا أندفع إلا بالله تعالى، لن أندفع بأيديكم وبصراخكم ودفعكم، ولن يجيركم أحد من الخارج، ولن يأتيكم من يسمع صوتكم ليعلم أنكم ها هنا محبوسون فى الغار).

دفعوا الصخرة إذن فلم تندفع، قالوا: لا بد أن نستكمل الدعاء، فجلسوا يدعون الله تعالى، وبدأ الرجل الثالث يذكر قصته.

الأمانة والسماحة

وقال الثالث: (اللهم إنى استأجرت أُجراء).

كان عنده زرع أو أشغال استأجر عليها أجراء ليقوموا له بهذا العمل. (وإنى قد أعطيتُ كل واحد منهم أجره غير رجل واحد ذهب ولم يأخذ أجره، فثمَّرت له هذا الأجر)، استثمر له ذلك حتى كثرت منه الأموال من الإبل والبقر والغنم والرقيق.

(فجاءنى بعد حين فقال: يا عبد الله! أدِّ إلىَّ أجرى، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق)، وكان أجره لا يزيد عن فَرَقٍ – أو: فَرْقٍ- من طعام كما ذكرت إحدى روايات الحديث، يعنى ستة عشر رطلاً مثلاً، فقال: (كل ما ترى أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق) كل ذلك لك.

يقول فى رواية أخرى: (فقلت له)، أى: قلت له مخلصًا: (يا عبد الله كل ما ترى من مال هو لك)، بدليل أن الرجل الأجير قال: (يا عبد الله لا تستهزىء بى)، يعنى: أَكُلُّ ذلك آخذه؟! أنا ليس لى عندك إلا شىء قليل، ثلاثة آصع من أرز، أي: حوالي 6 كيلو جرام من الأرز، (لا تستهزئ بى! قال: لا استهزىء بك، فقلت له) يعنى: من غير استهزاء، و(قلت له) أى: من غير تطاول، و(قلت له) يعنى: بطيب نفس: (كُلُّ ذلك لك).

لم يصدق هذا الرجل، فقال: (لا تستهزىء بى)، قال: (لا أستهزىء بك، فاستاقه كله)، يعنى: أخذ كل الإبل والبقر والرقيق والغنم، ولم يترك منه شيئًا.

انظر كيف طابت نفس هذا الرجل وسمحت له أن يعطيه ذلك كله، لو قال له مثلاً: (خذ ستة عشر رطلاً حقَّك، لا أزيد عن ذلك.. )، لم يكن له فى الشرع الحكيم أن يأخذ أزيد من ذلك عند الرجل، وما كان له أن يطالبه بشىء آخر، وما كان الرجل مخطئًا فى حق هذا الأجير ولا فى حق الشرع، ولو قال له: (لقد نمَّيتُ لك مالك وكثَّرته لك، فخذ نصفه، واترك النصف نظير ما قمت لك به من مجهود فى استثماره) لم يكن أيضًا مخطئًا، لذلك لما قال الحديث هنا: (فاستاقه كله، ولم يترك منه شيئًا)، كأنه يقول: (ولم أعقب ولم أستهزىء به، ولم أقل له: استثمرت لك مالك، اترك منه شيئًا منه بما قد فعلت لك!).

لذلك لما كانت له عند الله تلك المعرفة الخاصة السابقة فى الرخاء- أى ذلك العمل الصالح الذى فعله مخلصًا لله تعالى- وكانت نفسه سمحة طيبة به؛ فرَّج الله تعالى عنه الكرب بمجرد أن دعا: (اللهم إن كنت فعلت ذلك من خشيتك وابتغاء وجهك- وفى رواية: من مخافة عذابك- فَافْرُجْ عنا ما نحن فيه). فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.

والقصة الثالثة تبين لنا هذا الأمر: لقد تحلَّى ذلك الرجل الصالح بثلاث صفات، الأولى: حُسْنُ العهد، والثانية: الأمانة، والثالثة: السَّماحة.

دروس مستفادة من الحديث

أولاً: عبرات من الحديث

العبرة الأولى: لا يرفع البلاء عن المسلمين حتى يتحمل كُلٌّ مِنَّا مسئوليته

دخل هؤلاء الثلاثة الغار ثم وقعت الصخرة على فتحة باب الغار فسدَّته، لا شك- كما أشرنا- أن المنطق يقول إنهم حاولوا أن يدفعوها بقوتهم فلم يفلحوا فى ذلك، دعا الأول فانساحت الصخرة قليلاً على أنهم لم يستطيعوا الخروج، ثم دعا الثانى كذلك فانساحت أيضًا ولكن لم يستطيعوا الخروج كذلك، ثم دعا الثالث فانساحت ونجحوا فى الخروج من ذلك الغار.

انظر! لم تندفع الصخرة إلا باستكمال دعاء الثلاثة، لم تندفع الصخرة بدعاء واحد منهم أو بدعاء اثنين، وإنما كأن الله أراد للمؤمنين أن يعلموا أنه طالما اشتركوا فى هذه المصائب التى نزلت وأحاطت بهم فإن كل أحد عليه مسئولية فى دفع هذه الصخرة، وأنها لن تندفع حتى يقوم كل أحد بمسئوليته. قال تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا( (آل عمران: 103)، وقال سبحانه: )وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (النور: 31)

وهذه هى العظة التى ينبغى أن يعلمها المؤمنون: أنه لا يندفع ما نحن فيه اليوم إلا بأن يجتمع المؤمنون للقيام كل بمسئوليته، وأن كلَّ مُقَصِّر فى هذه المسؤلية يُؤَخَّر بسببه رفعُ البلاء، وزحزحةُ الصخرة، وخروجُ الناس مما نزل بهم من الخطب، قد نزلت البلايا بنا يمينًا وشمالاً، وإذا نحن على حال هو أسوأ ما يكون! حال لا تندفع به الصخرة، بل تزداد الصخرة إحكامًا، فصارت تلك الصخرة الواحدة صخرات كثيرة تنزل لتحكم السَّدَّ على أهل الإيمان، ولتزيد مما هم فيه من البلاء.

لا شك أن هذا البلاء والاختبار الذى نزل بالمؤمنين كان إما من الله تعالى ليرفع درجاتهم إليه، أو نزل عليهم بسبب شىء من ذنوبهم ومعاصيهم، والأخير هو اللائق بحالنا اليوم، وهو مصداق قوله تعالى: )مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ( (النساء: 123).

العبرة الثانية: التوسل بأفضل الأعمال

والسؤال الذى ينبغى أن يسأل المرء نفسه: تُرى هؤلاء المؤمنون المتقون قد توسَّل كلُّ واحد منهم إلى الله تعالى بأى عمل قد عمله ليرتفع البلاء؟ أو أنه قد اختار أعظم عمل يمكن أن يرفع الله به البلاء من أعماله التى أتاها؟ تُراه قد كان له عمل أفضل من ذلك ولم يتوسَّل به؟ أو أن ذلك كان خط دفاعه الأخير إذا لم يُستجب له به كان هذا الغار قبرهم إلى يوم يبعثون؟.

لذلك وجدناهم يتوسَّلون إلى الله تعالى بصالح أعمالهم كما قالوا: (لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم)، ولا شك أن كل واحد منهم يعلم ذلك العمل الصالح ورفعه إلى الله تعالى يومًا ما، كان يودُّ بهذا العمل أن يُخرجه الله تعالى مما هو فيه أو يجعله عند الله تعالى ذُخرًا له إن نزل به نازلٌ أو حلَّت به واقعةٌ، لذلك رأينا منهم هذا الحال الطيب.

ويأتى السؤال اليوم الذى نسأله أنفسنا: من الذى قد وصل إلى عمل صالح لا صلاح فيه بعده يدعو الله به لتنفرج الصخرة؟ من الذى رأى فى أعماله عملاً قد قدَّمه لله تعالى وتحققت فيه تلك الشروط التى انفرجت بها الصخرة؟ فى كل مرة يدعو واحد منهم الله U فلم تنفرج الصخرة كلها، حتى إذا اجتمعت الأعمال على أحسن عمل صالح توشك أن تنفرج، فكان هذا الأمر الثانى أنهم دعوا الله بصالح أعمالهم، وليس عملاً صالحًا فحسب، بل دَعَوُا الله تعالى بالعمل الذى ليس عندهم بعده عمل صالح يمكن أن يتوسلوا به إلى الله تعالى.

والناظر فى مجموع أحوالنا اليوم لا يجد ما يصلح من مجموع أعمالهم لأن يرتفع إلى الله ليفرج الله تعالى به الصخرة، وإلا لانفرجت الصخرة منذ زمن، فلما لم تنفرج الصخرة بل زاد إحكامها دل ذلك على أن هذه الأعمال التى نأتيها لم تَرْقَ بعدُ إلى المستوى المطلوب، وحتى لو ارتقت من بعض الناس فغيرهم يُضْعِفُ هذه الأعمال بالمعاصى السيئات، ولا يكون لها الأثر الذى لو اجتمعت تلك الأعمال الصالحة لتنزلت بها رحمة الله تعالى، يعنى: لو عملت جماعة قليلة أعمالاً صالحة يمكن أن تُفَكَّ بها الصخرة لكانت الأعمال السيئة للباقى سببًا فى عدم انفراج الصخرة؛ لأن ما يصعد إلى الله تعالى من ذلك الجمع المكرم أقل بكثير مما يصعد إليه من العمل السىء للباقى، فيغلب هذا العمل السىء العمل الصالح فلا تندفع الصخرة.

لذلك فإنه من المهم أن يفتش كل أحد منا فى عمله الصالح لينقِّيه مما علق فيه من الشوائب، وكذلك أن ينشىء عملاً صالحًا جديدًا تتوفر فيه صفات القبول.

العبرة الثالثة: اجتماع الصالحين وتعارفهم وتآلفهم وكونهم يدًا واحدة

فإذا اجتمع المرء اجتمع مع الصالحين، انظر لقد اجتمعوا فى الرَّعى، حتى فى أمور طلب المعاش يذكِّر بعضهم بعضًا، يُعين بعضُهم بعضًا على العمل الصالح، يحذِّرون بعضهم إذا انحرف أحدهم إلى الدنيا ونسى الآخرة وغفل قلبه عنها.

فكانت الصحبة الصالحة سببًا فى رفع البلاء؛ لأنه لو كان بينهم عاصٍ أو مُقصِّر لا عمل له، تُرى هل كانوا سيخرجون من الغار؟!. فكانت الإشارة إلى هذه المصاحبة، قال J: (لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا كل تقي)([i]).

ثانيًا: صفات قبول العمل الصالح

الصفة الأولى: كانت أعمالهم أحسن الأعمال.

قد بيَّن الحديث صفات القبول فى هذا العمل ورفع البلاء به؛ يقول الأول: (اللهم إن كنت قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك)، أى: مخلصًا فيه لله تعالى، (فانفرجت الصخرة شيئًا لا يخرجون منه)، والرواية الأخرى: (إن كنت فعلت ذلك خوفًا منك ورجاء فيك- أو: خوفًا من عذابك ورجاء فى رحمتك- ففرِّج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة)، كانت الصفة الأولى- كما ذكرنا- أن تلك الأعمال كانت أصلح وأحسن أعمالهم على الإطلاق، يعنى: أعدوا ما لا صالح بعده يمكن أن تنحلَّ به العقد وأن تنفرج به الكُرَبُ، لذلك كان الأمر الأول هو هذا الصلاح الذى لا صلاح بعده فى مثل هذا العمل، وما ذكره الحديث يبين أن هذا العمل قد تميز بالإخلاص لله تعالى رجاء الرحمة وخوف العقوبة.

الصفة الثانية: كانت أعمالهم خبيئة بينهم وبين ربهم.

والصفة الثانية فى تصوير هذا العمل أن هذا العمل كان خبيئة بينهم وبين ربهم، أى: سِرًّا لم يطلع عليه أحد غيرهم، فالذى كانت له ابنة عمِّ لم يذهب ليقول: (تركت المال لابنة عمى بعد أن راودتها عن نفسها ثم اتقيتُ الله)، وإنما فعل ما فعل بينه وبين ربه I، وتعفَّف عن المحرمات خوفًا من الله تعالى، لما قيل له: (اتق الله) انصرف، ثم بيَّن توبته هذه فى هذا العمل بما ترك من ذَهَبٍ لهذه المرأة المسكينة، فكان هذا الحال مما ينبغى أن يكون فى أعمال المؤمنين اليوم، بأن يكون بينهم وبين ربهم I هذا العمل الذى قد اتسم بالإخلاص، والخوف من الله، والرجاء فى رحمته، وأن يكون أعلى ما يمكن أن يعملوا من عمل صالح، وفى نفس الوقت يكون خبيئة بينهم وبين ربهم، فإذا دعوا ربهم به I أجابهم، وإذا سألوه أعطاهم وفرَّج عنهم، ومن ثم كان هذا الحال الأخير هى مهمتنا اليوم؛ وهو كيف يعمل المرء عملاً صالحًا بينه وبين ربه ليدَّخره له جل وعلا ليوم شدَّته، كما قال النبى o: (تعرف إليه فى الرخاء يعرفك فى الشدة)([ii]) .

الصفة الثالثة: المعاملة الحسنة والأخلاق الفاضلة يرفع الله بها البلاء.

كانت الأعمال الثلاثة التى رُفِع بها البلاء فى الحديث فى جانب المعاملات والأخلاق، وليس منها فى جانب العبادات شىء – رغم الأهمية الكبرى والمنزلة العظمى للعبادة فى الإسلام – فبرُّ الوالدين والعفَّة عن الحرام والأمانة والسماحة وحسن العهد هى الأعمال التى فرَّج الله بها الكرب عن المحبوسين فى الغار، ولم يتوسل واحد منهم بصلاته كذا وكذا سنة، أو بحجه وعمرته مرات ومرات؛ مما يؤكد أن المعاملة الحسنة والأخلاق الفاضلة إنما هما ثمرة للعبادة الخالصة، وإذا صحت النتائج كان دليلاً على صحة المقدمات، فكأن الحديث يشير إشارة خفيَّة إلى عبادتهم الخالصة التى ظهرت فى الثمرة وهى المعاملة والأخلاق.

ثالثًا: التوسل إلى الله تعالى وأنواعه

وهذا يجرنا إلى ما نودُّ أن نشير إليه، وهو أن الدعاء والتوسل إلى الله تعالى الذى ذكره العلماء اتفاقًا هو:

1- أن يتوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح.

2- أن يتوسل إلى الله تعالى بدعاء الصالحين الأحياء فى الدنيا والبرزخ.

3- أن يتوسل المرء إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.

وهذه الثلاثة محل اتفاق بين معظم العلماء.

كلمة أخيرة

المؤمنون مطالبون الآن بهذا التفتيش والعمل والائتلاف، وبأن يبذلوا جهدًا ووقتًا ليُظهروا صدقهم وإخلاصهم لله تعالى، بأن يجتمع الصالحون ليتحمل كل واحد منهم مسئوليته، فإن المقصِّر مقصرٌ فى انفراج الصخرة عنه وعن إخوته من المؤمنين فى مشارق الأرض ومغاربها، وبقدر ما حمل من مسئولية بقدر ما فرَّج عليهم الصخرة، فإن تحمل مسئوليته تلك وقام بها انفرجت الصخرة على قدر هذه المسئولية، وصخرتُنا هذه الأيام صخرة عظيمة، قد ملئت بالمصائب والآفات والمحن، فى الداخل (خوارج آخر الزمان) وفى الخارج (الصهيونية والصليبية)، ولا ملجأ من الله إلا إليه، وأن الله تعالى- كما ذكرنا- فى حديث الصخرة قد علم من حال أوليائه ذلك، وأنه هو الذى يُنزل ذلك I، ويَنزل ذلك البلاء على عينه جل وعلا، وينتظر I من المؤمنين أن يتوجهوا إليه بأن يرفع عنهم ما أنزل بهم I.

تُرى هل يحدث فى كون الله تعالى ما لا يريده هو جل وعلا؟ لا.

تُرى هل الذى يحدث فى كون الله تعالى هو ما قدر وقضى؟ نعم.

وهل ذلك الذى قدَّر وقضى قد جعل له أسبابًا لينفرج؟ نعم. هو I يفعل بهم ذلك ليرى تلك الأسباب وذلك التضرع وتلك المواصلة لهذه الأعمال حتى يرتفع ذلك.

قال الإمام أبو العزائم 0:

الدِّينُ إِيمَانٌ وَصِــدْقُ طَوِيَّةِ

وَعُلُوُّ نَفْسٍ عَـنْ هَوًى وَدَنِيَّةِ

وَيَقِينُ حَــقٍّ صَادِقٌ وَتَحَقُّقٌ

بِالْحَقِّ فِـي حَالٍ صَفَا أَوْ شِدَّةِ

ثِقَةٌ بِرَبِّكَ عَنْ شُهُـودٍ خَالِصٍ

وَعَزِيمَةٌ فِي مَحْوِ كُلِّ ضَلاَلَةِ

وَتَــوَجُّهٌ لِلَّهِ مِنْهُ بِــهِ لَهُ

فِي نُصْرَةٍ وَتَوَكُّلٍ بِعَــزِيمَةِ

الدِّينُ إِقْدَامٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي

مَرْضَاتِهِ بِظَوَاهِرٍ وَسَـرِيرَةِ

حَتَّىٰ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ وَهَـوَاهُ بَلْ

وَيُجَاهِدَ الأَعْدَاءَ بَعْـدَ طَهَارَةِ

وَيَبِيعَ لِلَّهِ النُّفُــوسَ وَغَيْرَهَا

مَحْوًا لِكُلِّ غَــوَايَةٍ وَضَلاَلَةِ

فَإِذَا تَطَهّـــَرَ كُلُّ فَرْدٍ مُسْلِمٍ

جُمِعَتْ قُلُوبُ الْمُسْلِمِِينَ بِحِكْمَةِ

وَتَأَلَّفـَتْ وَبِجَمْعِهَا يَبْدُو الْهُدَىٰ

وَيَلُوحُ نُـورُ الشَّرْعِ يَهْدِي لِلَّتِي

وَيَسُودُ جَمْعُ الْمُسْلِمِِينَ وَفَرْدُهُمْ

وَيُذَلُّ أَهْــلُ الْكُفْرِ بَعْدَ مَعَزَّةِ

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

([i]) الإمام أحمد في مسنده 17/437 ح11337، والحاكم في المستدرك، كتاب الأطعمة، ح7273.

([ii]) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده 1/307.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.