حكم الصلاة على الرسول بعد الأذان (2/2)

حكم الصلاة على الرسول بعد الأذان (2/2)

islam wattan . نشرت في المدونة 2765 لاتعليقات

لقد اجتمعت ببعض من يحبذ آراء ابن تيمية ويدعو إلى اتباعه فقلت له: أنا لا أتبع ابن تيمية مطلقًا لأنى إن كنت قد بلغت درجة الاجتهاد فلا أتبع غيرى، وإن لم أبلغ درجة الاجتهاد كنت مع الجمهور لا مع من شذ عنهم، فذلك أحوط فى الدين وأقرب إلى العقل والنقل.

المرحوم الشيخ يوسف الدجوي

حكم الصلاة على الرسول بعد الأذان (2/2)

لقد اجتمعت ببعض من يحبذ آراء ابن تيمية ويدعو إلى اتباعه فقلت له: أنا لا أتبع ابن تيمية مطلقًا لأنى إن كنت قد بلغت درجة الاجتهاد فلا أتبع غيرى، وإن لم أبلغ درجة الاجتهاد كنت مع الجمهور لا مع من شذ عنهم، فذلك أحوط فى الدين وأقرب إلى العقل والنقل.

بل نقول: إننا إذا وازنَّا بين أولئك المتشدقين وبين إمام واحد من الأئمة كالشافعى أو مالك مثلاً، لم نجد نسبة بينهم وبين أتباع أئمة الهدى بل كبار علماء العصر وجدنا البون شاسعًا والفرق عظيمًا.

فكيف يحل للمقلد أن يترك أولئك العظماء المشهود لهم بالدين والفضل ويتبع أولئك المتشدقين الذين شذُّوا عن السواد الأعظم، وأوقعوا الفرقة بين المسلمين، وتحكموا فى دين الله فأرادوا أن يلزموا الناس بمذهبهم الخاص، مع أننا لا نعترف لهم بإمامة ولا اجتهاد، بل لا نعترف لهم بنظر دقيق ولا فهم صحيح؟، فأين هم من درجة الاجتهاد وبينهم وبينها أبعد مما بين السماء والأرض.

… ومن لى بأن تدرى بأنك لا تدرى؟…

على أنهم لو كانوا مجتهدين حقًّا ما صح أن يلزموا الناس مذهبهم، فإن مسائل الفروع يكفى فيها الظن، وقد جاء فى الحديث: (أن من اجتهد فأخطأ كان له أجر، ومن اجتهد فأصاب كان له أجران).

فالمدار على أن يكون الحامل له على العمل امتثال أمر الشارع حتى لا يكون خارجًا على الله ورسوله.

وقد كان أئمة الهدى يقلد بعضهم بعضًا ويثنى بعضهم على بعض ولا يرون بأسًا باتباع غيرهم، وها هو ذا الإمام مالك لم يرض من الخليفة العباسى أن يحمل الناس قسرًا على موطئه – وهو هو عند مالك – احترامًا لرأى غيره من العلماء واتهامًا لنفسه التى يجوز عليها الخطأ، وعلمًا بأن مسائل الفقه ظنية يكفى فيها الظن، بل بعض أئمة الهدى قلد غيره فى بعض المسائل كأبى يوسف الذى قال: (نقلد إخواننا الحجازيين)، عندما أخبروه بأن البئر التى توضأ منها وقعت فيها فأرة، إلى آخر ما لا يسعه هذا المقال.

فالخلاصة: أن المقلد لبعض الأئمة كالشافعى مثلاً يلزمه ألا يخوض مع أولئك المتحذلقين فى الأدلة، وإنما يقول لهم: إن إمامى أعظم فى نفسى منكم، ولا يحل لى أن أترك الفاضل وأتبع المفضول، ولا أدع العالم وأتبع الجاهل. هذه هى النصيحة التى أردنا أن نسديها للعامة.

ولنقل كلمة فى الموضوع تناسب الخاصة:

لا شك أن الصلاة على النبى J من أعظم القرب، وقد طلبها منا القرآن العزيز والسنة الشريفة، ولا داعى للإطالة فى هذا.

وقد جاء فى خصوص الصلاة بعد الأذان أحاديث صحيحة: منها ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص 0 أنه سمع النبى J يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلُّوا علىَّ، فإنه من صلى علىَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لى الوسيلة حلَّت له الشفاعة). رواه مسلم فى صحيحه.

ونقول: على فرض أن ذلك الحديث لم يرد وصلينا عليه J بعد الأذان لم يكن هناك بأس، وحصل لنا الثواب العظيم بذلك، فإن النبى J أمرنا بالصلاة عليه ولم يلزمنا بوقت مخصوص ولا كيفية مخصوصة، فلنا أن نصلى عليه فى أى وقت شئنا وبأى كيفية أردنا حيث إنه لم يرد نهى عن شىء خاص ولا أمر بشىء خاص بل وكل ذلك إلى اختيارنا، وليس هذا إلا استعمالاً للمطلق فى بعض جزئياته – وهو بالضرورة لا بد أن يستعمل فى بعض جزئياته وهى كلها فيه على السواء -.

وقد قال البيانيون: إن استعمال الكلى فى بعض جزئياته من حيث تحققه فيه ليس مجازًا بل حقيقة.

فإذا صلينا على الرسول – عليه الصلاة والسلام –  بعد الأذان بمقتضى ذلك الإطلاق بأى كيفية من الكيفيات، كان طاعة يثاب عليها فاعلها الذى أتى بها على أنها من أفراد ذلك المطلق غير معتقد سنية تخصيصها بذلك الحال أو تلك الكيفية خلافًا للمشددين أو المتشدقين. وليس يخفى عليك الفرق بين من يأتى بها بمقتضى الأمر العام ومن يأتى بها لأجل كون تلك الكيفية الخاصة سنة أو لكون ذلك الوقت مطلوبًا من حيث خصوصه، فكيف وقد ورد الحديث الصحيح بالصلاة عقب الأذان؟ وقد ترك تلك الكيفيات الخاصة إلينا J نختار منها ما شئنا.

فيجوز لسامع الأذان المطلوب منه ذلك أن يصلى سرًّا أو جهرًا كما يشاء، فأصل الصلاة مطلوبة وكيفيتها مباحة، فكذلك المؤذن يطلب منه الصلاة بعد الأذان ويباح له أن يصلى سرًّا أو جهرًا كما يشاء؛ لأننا لم نلزم فيها بكيفية خاصة، ولا نعتقد أن الكيفية المخصوصة سنة من حيث خصوصيتها، بل نقول إنها من تلك الحيثية مباحة.

ولهذا كله قال العلماء المحققون غير الجامدين: إنها بدعة مستحسنة ولم يروا بأسًا برفع الصوت بها بعد الأذان. على أن فى الجهر بها فائدة جليلة وهى تذكير السامعين بها، فيكون وسيلة لإتيانهم بما ورد فى ذلك الحديث المتقدم متى سمعوا ذكر الرسول J، وبدون ذلك قلما يأتون بها، بل كثير منهم لا يعرف ذلك الحديث الذى طلبها منا بعد الأذان.

وليت شعرى هل يقول أولئك الجامدون: أنه لا بد من تحرى الكيفية التى كان عليها الناس زمن الرسول J عندما كانوا يصلُّون عقب الأذان، فلا يجوز أن نرفع صوتنا أكثر مما كانوا يرفعون، أو نخفضه أكثر مما كانوا يخفضون، وإذا كانوا قد أتوا بها فى (ثانية)، مثلاً أو ثانيتين أن نخالفهم فى ذلك فنجعلها فى ثلاث أو أربع مثلاً، وإذا أتوا بها قائمين لم نأت بها قاعدين إلى غير ذلك، أم هو الجمود الذى يبرأ منه الإسلام خصوصًا إذا أحدث فتنة قد توقع فى الكبائر من أجل مسألة غاية أمرها أن تكون خلاف الأولى لو تنزلنا وسلمنا لهم وجهة نظرهم، مع أن الأمر فيها على خلاف ما ظنوا؟.

وليعلم أن البدعة المنهى عنها التى لا ترجع إلى دليل من أدلة الشرع فلا يقبلها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، أما ما يكون داخلاً فى عمومات الكتاب أو السنة أو يمكن استنباطه بوجه من الوجوه، فليس من البدعة المنهى عنها، وإن لم يكن فى زمنه J ولا زمن أصحابه.

ويكفى هذا الإيجاز، والمنصف يكفيه القليل، والمتعسف لا ينفعه الكثير.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.