دور الإشاعات في تدمير الفرد وتخريب المجتمع (2 /2)

دور الإشاعات في تدمير الفرد وتخريب المجتمع (2 /2)

islam wattan . نشرت في المدونة 1370 1 تعليق

 مراحل انتشار الإشاعات

أولاً: مرحلة الإدراك الانتقائي: أي إدراك الحدث أو الخبر من جانب شخص أو عدة أشخاص، ويرجع اهتمام هؤلاء بالحدث أو الخبر لمغزاه الاجتماعي في نفوسهم.

ثانيًا: مرحلة التنقيح بالهدف والإضافة: وذلك حتى تتلاءم العناصر المكونة للإشاعة مع بعضها البعض من جهة، ومن ثقافة المجتمع من جهة أخرى.

ثالثًا: مرحلة الاستيعاب النهائي والانتشار: وذلك بعد أن تكون مستصاغة، سهلة الاستيعاب، متوافقة مع المعتقدات والأفكار والقيم السائدة في المجتمع.

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

دور الإشاعات في تدمير الفرد وتخريب المجتمع (2 /2)

بيَّنَّا في العدد الماضي أنواع الإشاعات ودوافعها وشروطها وعوامل انتشارها، وفي هذا اللقاء نكمل حديثنا.

 مراحل انتشار الإشاعات

أولاً: مرحلة الإدراك الانتقائي: أي إدراك الحدث أو الخبر من جانب شخص أو عدة أشخاص، ويرجع اهتمام هؤلاء بالحدث أو الخبر لمغزاه الاجتماعي في نفوسهم.

ثانيًا: مرحلة التنقيح بالهدف والإضافة: وذلك حتى تتلاءم العناصر المكونة للإشاعة مع بعضها البعض من جهة، ومن ثقافة المجتمع من جهة أخرى.

ثالثًا: مرحلة الاستيعاب النهائي والانتشار: وذلك بعد أن تكون مستصاغة، سهلة الاستيعاب، متوافقة مع المعتقدات والأفكار والقيم السائدة في المجتمع.

أضرارُ الإشاعة

وللإشاعة أضرارُها، فهي بلا شكّ ظاهرةٌ ضارّةٌ ولا يقتصرُ ضررها عند الأفرادِ أو المجموعاتِ الصغيرةِ وإنّما قد يمتدُّ ليشملَ المجتمعَ بأسرِهِ، وربّما يؤثّرُ على الدّولِ خاصّة في حالِ الحربِ؛ حيثُ يكثرُ اللجوءُ إليها واستغلالها في الحربِ النفسيّةِ التي تتبعها البلدانُ المتحاربةُ نظرًا لدورَها الكبيرِ في تخذيلِ الطرفِ الآخرِ، وتشتيتِ ذهنه، وتبديدِ وحدته، وخلخلةِ جبهته الداخليةِ.
والإشاعة قد تنجحُ في تحقيقِ أهدافِ مروّجيها إذا ما وجدت الجوَّ والظروفَ المهيّأةَ لانطلاقتها، والبيئةَ المناسبةَ لنموِ بذرتها, والأجسادَ الرخوةَ التي تسمحُ لجرثومتها بالانتشارِ والاستشراءِ والفتكِ، كما أنّها تصيبُ هدفَها إذا ما وجدتِ الآذانَ المرخاةَ الصاغيةَ التي تصيخُ السمعَ لكلّ شاردة وواردة, وإذا ما وجدت العقولَ المغسولةَ أو التي لا تدركُ لبّ الأشياءَ، والأعينَ محدودةَ البصيرةِ أو التي لا تنظرُ إلى ما وراء السطورِ، لأنّه لا تعمى الأبصارُ وإنّما تعمى القلوبُ التي في الصدورِ.
ولذلك جاءَ الأمرُ الإلهيُّ التوجيهيُّ ( إنْ جاءَكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا) فلا بدّ إذن من التثبّتِ في الأمورِ، وتقليبِها على نارِ الحقيقةِ الهادئةِ, ولا بدّ من إعمالِ الفكرِ والعقلِ والبصيرةِ، حتى يدرأ الإنسانُ عن نفسه كيدَ الإشاعات وهذا ما أمرَ به اللهُ تعالى.

أثر الإشاعات على الفرد والمجتمع

أثبت علماء الاجتماع أن الإشاعات لها آثار بالغة، على سعادة الفرد وتأمينه، وهذا يتنافى مع غرض وجوده على الأرض، الذي خلقه الله من أجله، حيث أن الله خلقنا لنعمر الأرض، وتهديد أمننا يجعلنا غير قادرين على هذه المهمة، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة قريش: )فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(.

قصد الإسلام سلامة الشخص، وسعادته في تلك الحياة الدنيا وفي الآخرة أيضًا، وحرص على أن يكون الإنسان نافعًا، لنفسه وللآخرين، على عكس ما تفعله تلك الأمور، وبذلك فلها تأثير كبير على الإنسان، حيث إنها تؤثر على الإنسان في كثير من الأوقات بالحزن الشديد، بل والإحباط والإخفاق، وذلك اعتمادًا على ما حدث أيام رسول الله J مع السيدة عائشة أم المؤمنين، حين سمعت إحدى الاتهامات الكاذبة  في حادثة الإفك الشهيرة، وقد مرضت أثر سماعها بهذا الاتهام، وظلت تبكي حتى برأها الله تعالى.

ولقد وجدنا في حياتنا اليومية الكثير من الأسر قد تفككت، من فعل الإشاعات كم كبير من البيوت قد هدمت، بل وأموال ضاعت وأطفال تم تشريدها، كل هذا من جراء فعل شخص منافق أو كاذب، وهذا بالطبع له كبير الأثر على المجتمع بأثره، لذا حثنا ديننا الإسلامي الحنيف، ألا نتبع الإشاعات ونتحرى الصدق، في كافة ما نسمع .

الفرد والأسرة هم لبنة تعمل على بناء المجتمع كله، وتأثر هذه اللبنة يضعف من الأسس والمعايير، التي يقوم عليها المجتمع وذلك اعتمادًا على الحديث الشريف، عن النعمان بن بشير 0 قال قال رسول الله o: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) رواه مسلم.

كيفَ عالجَ الإسلامُ الإشاعة؟

سنأخذُ من دينِنا الإسلاميِّ الحنيف ومن كتابِ اللهِ الكريمِ نموذجًا واحدًا على محاربةِ الإسلامِ للإشاعة، وهو نموذجٌ إعلاميٌّ وتربويٌّ في آنٍ واحدٍ.
وَلْنَتْلُ قولَه تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ, لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ, لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ, وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ, إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ, وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ, يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ( (النورِ: 11 – 17).

إنّ هذهِ الآياتِ الكريمةَ إضافةً إلى وضعها التشريعَ الخاصَّ بالزنا فإنّها عالجتِ الإشاعة، خاصّةً تلك التي تتعرضُ إلى السمعةِ الشخصيّةِ، والتي يمكنُ أن يؤدّي وجودُها ونشرُها إلى خرابٍ وفسادٍ وتدميرٍ للشخصيةِ قد لا تقف آثارها عند جيلٍ واحدٍ، بل تتجاوزه إلى جيلِ الأبناءِ والأحفادِ، وتلك هي إشاعات الإفكِ التي ليسَ لها دليلٌ، سوى الألسنِ تلوكُها والإعلامِ يتداولها, بينما لا برهان مبينًا يؤكِّدها، ولقد قطعَ الوحيُ الإلهيُّ دابرَ إشاعة الإفكِ التي شاعت عن أمِّ المؤمنين السيدةِ عائشة بنتِ أبي بكرٍ- رضي الله عنها-.

وهذا الحادثُ وتلك الإشاعات الحاقدةُ المغرضةُ كانَ لهما أثرٌ كبيرٌ, وبلا شكّ أنّ نزولَ الوحيُ جاء إعلامًا ببراءةِ الصدّيقةِ بنتِ الصدّيقِ، وإعلامًا بالتشريعِ الإلهي في ما يتعلّقُ بإثباتِ الزنا.
إنّ الإعلامَ الحقَّ هو الذي يتصدّى بالكلمةِ الطاهرةِ لكلِّ الإشاعات المغرضةِ وبالقولِ الفصلِ، وباللسانِ البيّنِ, ومن هنا يتبيّن لنا أنّ الإعلامَ الأفضلَ والأقوى وما يقصدُه من التّهذيبِ والتّقويمِ والتّعليمِ هو ذاك الذي يتّصلُ بالوقائعِ اليوميّةِ والطارئةِ ويتصدّى لكلِّ طارئ وحادثٍ من محدثاتِ الأيامِ بكلِّ الوضوحِ والبيانِ والمنطقِ والحجّةِ.

ليسَ واجبُ الإعلامِ أن تستفزَّه الأحداثُ، فتأتي معالجته للإشاعات قراءةً لها حرفًا حرفًا، أو الردّ عليها وتفنيدها بالكلامِ المصنوعِ المدبّجِ، وإنما مقارعةُ الحجّةِ بالحجّةِ وإعلانُ الحقيقةِ الناصعةِ، والخبرِ اليقينِ الذي لا يعرفُ الاختلافَ، ولا التأتأةَ، أو لا بهرجةَ الألفاظِ.
إنّ الإسلامَ عالجَ الإشاعة بإبانةِ الحقيقةِ كما حدثَ في قصّةِ الإفكِ، وحاربَ الإشاعة بطلب التثبّت والتبيّن ) إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا( ولم يأخذْ الإسلامُ الناسَ بالشبهاتِ، وإنّما طلبَ أربعةَ شهودٍ لإثباتِ الزنا، وهذا حامٍ وحاجزٌ، وسدٌّ منيعٌ أمامَ الإشاعة التي يمكنُ أن تدمّرَ سمعةَ الإنسانِ رجلاً كان أو امرأةً، ويمكنُ أن تدمّرَ الأسرةَ ويمكنُ أن تدمّرَ المجتمعَ، ويمكنُ أن تمزّقَ أواصرَ العلاقاتِ الإنسانيةِ والصلاتِ الأسريّةِ التي تقوم على الثّقةِ والاحترامِ والسمعةِ الحسنةِ، وكما في الحديثِ: (إذا أتاكم من ترضون دينه فزوجوه) وهذا الرضى نتاجُ السمعةِ الحسنةِ التي يمكنُ للإشاعة أن تعصفَ بها وتجعلَها سمعةً سيئةً منفّرةً.

واجب المسلم تجاه الإشاعات

1- وجوب التثبت من الأخبار والإشاعات عند انتشارها في المجتمع: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ( (الحجرات: 6) جاء في التفسير المنير للزحيلي: أي يا أيها الذين صدقوا باللَّه تعالى ورسوله J، إن أتاكم فاجر لا يبالي بالكذب بخبر فيه إضرار بأحد، فتبينوا الحقيقة، وتثبتوا من الأمر، ولا تتعجلوا بالحكم حتى تتبصروا في الأمر والخبر لتتضح الحقيقة وتظهر، خشية أن تصيبوا قومًا بالأذى، وتلحقوا بهم ضررًا لا يستحقونه، وأنتم جاهلون حالهم، فتصيروا على ما حكمتم عليهم بالخطأ نادمين على ذلك، مغتمين له، متمنين عدم وقوعه. وفي تنكير كلمتي (فاسِقٌ) و(بِنَبَأٍ) دلالة على العموم في الفساق والأنباء، كأنه قال: أيّ فاسق جاءكم بأي نبأ، فتوقفوا وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق؛ لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.

يقول ابن كثير في تفسيره: يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليُحتَاطَ له، لئلا يحكم بقوله فيكون – في نفس الأمر – كاذبًا أو مخطئًا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال.

2- عدم ترديد الإشاعة وعدم الخوض مع الخائضين: وذلك لأن ترديدها هو انتشار لها ومساهمة في ترويحها من حيث ندري أو لا ندري، وفي ذلك مساعدة المغرضين بقصد أو بغير قصد، وإن ترديد الإشاعة هو أشد إفكًا وإثمًا من الكذب، والمعلوم أن الكلام السيئ كالنار فإنه يزداد بالانتقال والانتشار، فإن الإشاعة تروج وتكبر إذا وُجِدَتْ ألسنة وشفاه ترددها، وآذان تصغي إليها، ونفوس مريضة حاقدة تتقبلها وتصدقها!!
هذا وقد نهى ديننا الإسلامي العظيم عن نقل الكلام من غير بينة ولا دليل، فإذا لم تتمكن من معرفة صحة الخبر أو كذبه فإنه يتوجب علينا طرحه جانبًا، ولا نعيره أي اهتمام ولا نتحدث به قال تعالى: )وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( (الأنعام: 68)، )إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ( (النور:15) ويقول رسولنا الأكرم o: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم، وفي حديث نبوي شريف آخر: (وكفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع)، رواه مسلم. وفي رواية (كذبًا) بدلاً من (إثمًا)، ولا تضارب في المعنى، فإذا كان التحدث بكل ما يسمعه الإنسان نوعًا من أنواع الكذب يعاقب عليه الإنسان عقوبة شديدة في الآخرة، فكيف بمن يتحدث بما لم يره أو يسمعه؟. وفي حديث نبوي شريف ثالث: (.. وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، وإن القاعدة الفقهية تقول: (ما يحرم قوله يحرم سماعه).

3- أن يرد الأمر إلى أهل الاختصاص وهذه قاعدة عامة في كل الأخبار التي لها أثرها الواقعي، كما قال تعالى: )وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً( (النساء: 83). جاء في التفسير المنير للزحيلي: قد يبلغ الخبر عن أحوال الأمن (السلم) والخوف (الحرب) من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلى إذاعته ونشره وترويجه بين الناس، وهذا أمر منكر يضر بالمصلحة العامة. لذا يجب أن يترك الحديث في الشؤون العامة إلى الرسول J، أو إلى أولي الأمر وهم أهل الرأي والحل والعقد ورجال الشورى في الأمة، فهم أولى الناس وأدراهم بالكلام فيها، فهم الذين يتمكنون من استنباط الأخبار الصحيحة، واستخراج ما يلزم تدبيره وقوله بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.

4- التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع، هذا التماسك الذي يقوم على الإيمان والتقوى وغرس الثقة المتبادلة وحسن الظن فيما بين الجماهير لقوله عز وجل: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( (الحجرات: 10) ويقول عليه الصلاة والسلام: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ثم شبك أصابعه) متفق عليه.

فحينما يكون المجتمع متماسكًا فلا مجال لتسريب الإشاعات بين الناس؛ لأنها لا تنتشر، كما هو ملاحظ إلا في المجتمعات المتفككة والمتنازعة والمتخلفة.

كلمة أخيرة

كيفية السيطرة على الإشاعات؟

النقاط والقواعد التالية التي تقوم في الواقع على ملاحظات فنية يمكن الاسترشاد بها في السيطرة على الإشاعات، وسيجد الذين يحاولون محاربة الإشاعات فائدة كبيرة في اتباعها:

1- الإيمان والثقة بالبلاغات الرسمية، إذ إنه لو فقدت الجماهير الثقة في هذه البلاغات فإن الإشاعات تأخذ في الانتشار.

2- عرض الحقائق على أوسع مدى، ويجب أن تستغل الصحافة، والإذاعة والتليفزيون في تقديم أكثر ما يمكن من الأنباء، مع حذف التفاصيل التي قد ينتفع منها العدو. إن الناس تريد الحقائق فإذا لم يستطيعوا الحصول عليها فإنهم يتقبلون الإشاعات.

3- الثقة في القادة والزعماء أمر جوهري في مقاومة الإشاعات، فقد يتحمل الناس الرقابة على النشر أو نقص المعلومات، بل قد يحسون أن ما يسمعونه ليس إلا أكاذيب غير صحيحة إذا ما كانت لديهم ثقة بقادتهم. وفي مثل هذه الأحوال يكون لدى الناس الوعي الكافي لإدراك أسباب نقص المعلومات التي لو نشرت قد تفيد العدو.

4- إن الملل والخمول ميدان خصب لخلق الإشاعات وترويجها، فالعقول الفارغة يمكن أن تمتلئ بالأكاذيب، والأيدي المتعطلة تخلق ألسنة لاذعة. لذا فإن العمل والإنتاج وشغل الناس بما يعود عليهم بالنفع يساعد إلى حد كبير في مقاومة الإشاعات.

5- غالبًا ما تكون الإشاعات الهجومية المسمومة نتيجة دعاية العدو، أما من يقوم بترويجها فهم أولئك الذين يُعتبرون أعداء للوطن. ولذا فإن النجاح في كشف دعاية العدو بطريقة سهلة واضحة ومحاربة مروج الإشاعات بكل وسيلة لهما دعامتان أساسيتان يرتكز عليها تخطيط مقاومة الإشاعات.

خاتمة

لندرك جميعًا أن أعداءنا قد اتخذوا من حروب الجيل الرابع والجيل الخامس ومن حرب الإشاعات وتشويه الإنجازات والرموز الوطنية، ومحاولات النيل من كل ما هو وطني سبيلاً لإفشال دولنا، أو إسقاطها، أو تفتيتها؛ لتحقيق أغراضهم ومآربهم، فعلينا أن ندرك أننا أمام حرب ضروس تحاك لنا، والإشاعات وقودها، فيجب أن نتحقق ونتثبت حتى لا نسقط في مكائد أعدائنا، ويجب أن نثق في أنفسنا وفي قيادتنا وفي جيشنا وشرطتنا، وألا نعطي أسماعنا لأعداء الوطن، ومن يعملون على النيل منا، أو من معنوياتنا، أو يفكرون في إحباطنا وبث روح اليأس بيننا، مؤكدين أن ثقتنا في الله U وفي أنفسنا كفيلة برد كيد أعدائنا في نحورهم بإذن الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الرَّبَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

 

 

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.