شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (79)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (79)

islam wattan . نشرت في المدونة 170 لاتعليقات

 الحكمة التاسعة والسبعون

إذا لمعت عليك أنوار قدسه، فقد اختصك بأنسه، وإذا جملك بجمال الربوبية، فطهر ثياب العبودية.

نتعرف أولاً على معنى القدس لغة، فقد جاء فى القاموس:

الأستاذ سميح قنديل

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (79)

 الحكمة التاسعة والسبعون

إذا لمعت عليك أنوار قدسه، فقد اختصك بأنسه، وإذا جملك بجمال الربوبية، فطهر ثياب العبودية.

نتعرف أولاً على معنى القدس لغة، فقد جاء فى القاموس:

القدْس: الطُّهْر والبركة – والتقديس تنزيه الله U – وقدَّس الله: عظمه وبجَّله عما لا يليق بألوهيته، ويقال قدَّس الله: طهَّر نفسه لله تعالى – قَدُس الشيء أو الشخص: طهُر وصار مباركًا –  قدَّسه الله: طهَّره وبارك عليه – قدَّس اللهُ سره أو روحه: دعاء للميت بالرحمة – قدُس العابد: طهُر – قدس الشيخ: صار قديسًا – روح القدس: جبريل A – حظيرة القدس: الجنة – قدَّس الرجل: زار بيت المقدس.

فالقدس كلمة تدل على الطهر والبركة، والنزاهة والتقديس والخير، وهى تجليات اسمه القدوس سبحانه وتعالى، وللقدس أنوار وتجليات وفيوضات.

فما هى أنوار القدس؟

إن مراتب النور خمسة، إذا لمعت على العبد فقد اختصه الله بأنسه، وقد جاء بيانها فى شروح السيرة النبوية للإمام أبى العزائم، للدكتور عبد الحليم العزمي، نقدمها باختصار وهى:

1- النور القديم المقدس: مصدر الأنوار كلها وسبب إيجادها، إنه صفة من صفات الحق جل جلاله، واسم من أسمائه الحسنى، فمن أسمائه سبحانه: (النور) ومن صفاته قوله تعالى: )اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ( (النور: 35)، ففى هذه الآية الكريمة وصف الله تعالى نفسه بالنور، وهى الصفة التى بها الكشف والظهور والعيان، إذ بتجليه سبحانه بصفة النور، تم ظهور الكائنات من ظلمة العدم إلى نور الوجود، فكان أول مخلوق يظهر للوجود من أثر التجلى لهذا النور القديم المقدس هو النور المحمدى.

2- النور المعنوى الحادث: بدايته النور المحمدى، وهو الأثر الأول للنور القديم، والمظهر الأعظم له، ومنه ظهرت جميع الأنوار المعنوية الحادثة، والمادية فى شتى صورها، فكل هذه الأنوار بالنسبة للنور المحمدى مظاهره وهو أساسها، وفى نفس الوقت لا هى هو ولا هى غيره، وهذا سر حيَّر الأفهام ، وتخبطت فيه العقول التى لا تدرك إلا المشاهَد المحسوس، ومن الآثار المعنوية الحادثة الملائكة الكرام، ونور الإيمان ونور القرآن، ونور الهداية ونور العلم ونور المعرفة، وغير ذلك.

3- نور المعانى المخلوقة: لما خلق الله الإنسان الأول، خلق جسده من الطين ثم نفخ فيه الروح، فأصبح بشرًا سويًّا من روح وجسد آخر غير الجسد الأول، بسبب مباشرة الروح له وهى من النور المعنوى، الذى نحيا به ولا نراه ولا نحسه، وقوانين الروح غير قوانين الجسد المادية، وإن كان كلاهما يجمعهما النور إلا أن الروح نور معنوى حادث، أما الجسد فنور مادى مكثف، وأنوار المعانى متفاوتة، وبعضها أقوى من بعض، فمثلاً نجد أن نور العقل محدود؛ لأنه لا يظهر إلا فى المشاهدَات، ولا يدرك إلا الماديات، أما نور القلب فهو أوسع؛ لأن القلب محل نور الإيمان، لذلك فهو خاص بمعرفة من لا تحيط به العقول، ولا يدخل تحت القياس، فهو خاص بمعرفة الله تعالى، فقد ورد فى الحديث القدسى: (ضعفت السموات والأرض أن تسعنى ووسعنى قلب عبدى المؤمن) أى وسع معرفة.

4- النور الحسى: لهذا النور مظاهر مختلفة منها نور القمر وضوء الشمس والنجوم وضوء النهار، قال تعالى: )هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا( (يونس: 5)، فالشمس والنور أنوراها ذاتية، ولذا سمى نورها ضياء، أما القمر فنوره انعكاس لضوء الشمس الساقط عليه، ومن العجيب أن هذا النور الحسى، وإن كان مصدره المادة كما يبدو، إلا أنه أرقى منها، إذ هو أصلها، وأما هى فنور مكثف.

والفرق بين النور المعنوى والنور الحسى، أن الأول يكشف للعقل معانى الأشياء، أما الثانى فيكشف للبصر عن ذات الأشياء، وشتان بينهما.

5- النور المكثف: هو مظهر من مظاهر النور تكثف، أى تحوَّل، وظهر فى صور الماديات كثيفها ولطيفها، والمتمثلة فى الجماد والنبات والحيوان والإنسان وغيرها من الماديات، ولولا ظهور هذا النور المكثف ما عرفت مراتب النور السابقة، ومن العجائب أن مرتبة النور المكثف تظهر للأبصار بما فوقها من النور الحسى، وتدركها العقول بما فوق النور الحسى من النور المعنوى، الذى هو أثر من آثار النور القديم المقدس، الذى لا يمكن إدراكه إلا بآثار آثاره كما ذكرنا.

أنوار القدس وأسرار الأنس

يقول الإمام فى المضنون: إذا أشرق القلب بما يجعله الله فيه من النور، اتصل نور القلب بنور مقلب القلوب، فأشهده الغيوب: ففكت له رموز تلك الكنوز، فاطمأن القلب بذكر الله، وفر إليه سبحانه مما سواه، قال تعالى: )وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ( (النور: 40).

النور المشرق على القلوب إما نور بيان للحقائق بلسان العارف، أو نور تبيان للآيات فى المكونات، مما يعجز عنه الواصف، أو نور عيان للغيب المصون، مما يجذب الأرواح إلى حضرة الفتاح، حتى يكون العبد كله نورًا: )قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ( (المائدة: 15)، ومتى صار العبد نورًا – والنور إنما يقصد منه البيان – كان العبد كله بيانًا، قوله وحاله وعمله، وإنما تشهد هذه الأنوار عيون النفوس إذا زكت، وأبصار العقول إذا سلمت من الحظ والهوى، وأحداق الحس إذا تطهرت الجوارح.

وإذا لمعت على العبد أنوار القدس اختصه الله بالأنس، والأنس حال من القرب عن مكاشفة الحضور بلطائف القدرة، حيث يكون السرور والاستبشار، والتملق والمناجاة ومعنى من البسط، وهناك فرق بين أنس العارف وأنس غير العارف، فأنس العارف فى فصلِه، ووحشته فى وصلِه، وأنس غير العارف فى وصلِه، ووحشته فى فصلِه، والأنس إما أنس استغراق أو أنس إطلاق، فالآنس المستغرق محمول، والآنس فى مقام الإطلاق مسئول، وشتان بين محمول على نجب العناية، ومسئول فى مقام الولاية.

جمال الربوبية وثياب العبودية

وإذا ظهرت على العبد جمالات الربوبية بظهور تجليات أسماء الجمال السبعين على حقائقه الظاهرة والباطنة، ورأى الجمال بعين السر هتف لسانه:

جمال لا يشابـهه جمــال

وحُسْن ليس يُحصيـه جَنانى

وقد كلِّفت كتم السـرِّ حتـى

شربت فباح عن سرى لسانى

إلى أن يصبح العبد الكامل بكله مظهرًا لجمال الحق فيقول بلسان الصدق كما قال الإمام:

أنا الجمالُ الذى عنه الورى عجزوا

والروضُ أدهشَ من قد شمَّ نسماتى

أنا الكمالُ وبى كل الوجودِ بـــدا

مُزيَّنا فتدبر سر كلماتــــــى

أنا الصفاتُ أنا الأسماءُ مظهرُهـا

وجوهرُ الكنزِ فى سَلبى لإثباتــى

فإذا ظهرت جمالات الربوبية وجب على العبد أن يطهر لله ثياب العبودية.

والعبودية في اللغة: هي التذلل والخضوع، وأصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل، يقال طريق معبد أي مذلل، والتعبيد أيضًا الاستعباد، وهو اتخاذ الشخص عبدًا، يعنى مملوكًا له.

والعبودية اصطلاحًا: هي الخضوع والانقياد للمولى سبحانه وتعالى، وهي النسبة بين العبد وربه؛ لأنه ليس بين العبد وربه نسبة إلا العبودية، والعبودية تكون في مقابل الربوبية فهي عبودية على وجه الاضطرار، فمن انتفت عنه الربوبية لا بد أن يكون عبدًا لمولاه.

وهناك فرق بين العبودية والعبادة: فالعبادة هى ما أمر الله به عباده من الطاعات وتجنب المحرمات، أو هي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة، أما العبودية:  فهي تتجه للأشخاص، فالناس كلهم عباد لله، لكن منهم من عبوديته لله طوْعية اختيارية وهم المؤمنون، ومنهم من عبوديته لله قهرية، بمعنى أنه خاضع لأقدار الله وأحكامه وما يجري عليه، فهو عبد لله عبودية عامة، قال تعالى: )إِنْ كُلّ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالأَرْض إِلاَّ آتِي الرَّحْمَن عَبْدًا( (مريم: 93).

ومن ثَم فإن المؤمن تجتمع فيه العبودية العامة، وهي الخضوع لقدَر الله وحكمه، وتجتمع فيه العبودية الخاصة، بالإستجابة لأوامر الله فهو من العباد، والكافر: تتوفر فيه العبودية العامة فقط، بالخضوع لقدَره وحُكمه الكوني فهو من العبيد، ومما سبق يتضح أن العبودية أشمل وأوسع من العبادة.

ويرى البعض أن رحَى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة، من كمَّلها كمَّل مراتب العبودية، وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح، وهي لكل واحد من الثلاثة: القلب واللسان والجوارح، فتكون قواعد العبودية ومراتبها خمسة عشر قاعدة ومرتبة، وتطهير ثياب العبودية يكون بأداء حقوقها لله U، التزامًا بأمره سبحانه، وطاعة لرسوله، وعملاً بقرآنه وشريعته، يقول الإمام:

عَبْدٌ أَنَا وَٱلْعُبُودَةُ تَاجُ إِحْسَــانِ

قَدْ تَوَّجَتْنِي بِـهِ أَلْطَـافُ حَنَّـانِ

تَاجُ ٱلْعُبُودَةِ غَالٍ لَيْسَ يُمْنَحُــهُ

إِلاَّ ٱلَّذِي فَـرَّ مِـنْ حَظٍّ وَأَكْوَانِ

أُولِيتُهُ مِنَّـةً مِـنْ مُنْعِـمٍ مُعْـطٍ

لَـٰكِنَّنِي جَاهِلٌ فِي صُورَةِ ٱلْفَانِي

جَمَالُهُ بِي مُحِيطٌ فِي ٱلشُّئُونِ أَرَىٰ

مَا لاَ يُلاَئِمُنِي رَوْحِي وَرَيْـحَانِ

وَمَا يُلاَئِمُنِي حَجْـبٌ وَمَعْصِيَـةٌ

يُظَلِّلُ ٱلرُّوحَ مِنْ سَهْوٍ وَنِسْيَــانِ

تَحْلُو ٱلْعُبُودَةُ فِي سُقْمِي فَأَشْهَدُ مَا

يَلُوحُ فِي رُتْبَتِي فِي ٱلْمَشْهَدِ ٱلثَّانِي

وَيْ وَٱلْعُبُودَةُِ سِـرٌّ لاَ يَفُـوزُ بِهِ

إِلاَّ ٱلْفَتَى ٱلْمُجْتَبَىٰ يُسْقَىٰ مِنَ ٱلْحَانِ

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.