شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (80)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (80)

islam wattan . نشرت في المدونة 355 لاتعليقات

 الحكمة الثمانون

ليس بينك وبين الله بيْن، حتى تقع العين على العين، إنما المسألة طريق الأدبِ فى الوصول إليه.

الأدب فى اللغة من مادة: أدب، التى تشير إلى جمع الناس على الطعام، وهذا مستحسن فى أخلاق الناس وأعرافهم.

الأستاذ سميح قنديل

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (80)

 الحكمة الثمانون

ليس بينك وبين الله بيْن، حتى تقع العين على العين، إنما المسألة طريق الأدبِ فى الوصول إليه.

الأدب فى اللغة من مادة: أدب، التى تشير إلى جمع الناس على الطعام، وهذا مستحسن فى أخلاق الناس وأعرافهم، ثم تدرج الأمر حتى صار الأدب دعوة إلى المحامد ومحاسن الأخلاق، ولما كان القرآن جامعًا للخير ودالاًّ عليه، قال ابن مسعود 0: إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته، وقد عرفوا الأدب بأنه: استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وبتعبير آخر: الأخذ بمكارم الأخلاق، فهو اجتماع خصال الخير فى العبد، ومن هذا السبيل يكون الأدب محاولة الإنسان رياضة نفسه، على استخراج ما هو كامن فى النفس من الكمالات، قال تعالى: )فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا( (الشمس: 8).

وقد اتفق أهل الله قاطبة على أن من لا أدب له لا سير له، ومن لا سير له لا وصول له، قال أبو حفص النيسابوري رحمه الله: التصوف كله آداب، لكل وقت آداب، ولكل حال آداب، ولكل مقام آداب، فمن لزم الأدب بلغ مبلغ الرجال، ومن حرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب، مردود من حيث يظن القبول.

ومن لَمْ يعرف مَا لِلَّهِ U عَلَيْهِ فِي نَفْسه، وَلَمْ يتأدب بأمره ونهيه، كَانَ من الأدب فِي عزلة، وروي عَنِ النَّبِيِّ J أَنَّهُ قَالَ: (إِن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أدبني فأحسن أدبي)، وهناك أدب واجب مع الله U، وأدب مع المصطفى J، أدَّب الله به عباده مع حبيبه عليه الصلاة والسلام، وهناك أدب ثالث مع أهل البيت والصحابة ومع خلق الله جميعًا، والأمر يحتاج إلى تفصيل وبيان.

خذ الأدب من أهل الأدب

يَقُول أبو عَلِي الدقاق 0: العبد يصل بطاعته إِلَى الْجَنَّة، وبأدبه فِي طاعته إِلَى اللَّه تَعَالَى، ويَقُول بعضهم: التوحيد موجب يوجب الإيمان، فمن لا إيمان لَهُ فلا توحيد لَهُ، والإيمان موجب يوجب الشريعة، فمن لا شريعة لَهُ فلا إيمان لَهُ ولا توحيد، والشريعة موجب يوجب الأدب، فمن لا أدب لَهُ لا شريعة لَهُ ولا إيمان ولا توحيد، قَالَ عَبْد اللَّهِ الرازي: سمعت عَبْد اللَّهِ الجريري يَقُول: منذ عشرين سنة مَا مددت رجلي وقت جلوسي فِي الخلوة، فَإِن حسن الأدب مَعَ اللَّه تَعَالَى أولى.

ويقول الدقاق 0: ترك الأدب موجب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب عَلَى البساط رد إِلَى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رد إِلَى سياسة الدواب، وقيل للحسن البصري 0: قَدْ أَكْثَر النَّاس فِي علم الآداب، فَمَا أنفعها عاجلاً وأوصلها آجلاً؟ فَقَالَ: التفقه فِي الدين، والزهد فِي الدنيا، والمعرفة مِمَّا لِلَّهِ U عليك، وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ 0: من تأدب بأدب اللَّه تَعَالَى صار من أهل محبة اللَّه تَعَالَى، وَقَالَ سهل 0: الْقَوْم استعانوا بالله تَعَالَى عَلَى أمر اللَّه تَعَالَى، وصبروا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى آداب اللَّه تَعَالَى، وَرَوَى عَنِ ابْن مبارك 0 أَنَّهُ قَالَ: نحن إِلَى قليل من الأدب أحوج منا إِلَى كثير من العلم.

يَقُول أبو النصر الطوسي السراج 0: النَّاس فِي الأدب عَلَى ثَلاث طبقات، أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم فِي الفصاحة والبلاغة, وحفظ العلوم وأسماء الملوك, وأشعار العرب, وَأَمَّا أهل الدين فأكثر آدابهم فِي رياضة النفوس وتأديب الجوارح, وحفظ الحدود وترك الشهوات, وَأَمَّا أهل الخصوصية فأكثر آدابهم فِي طهارة القلوب ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إِلَى الخواطر، وحسن الأدب فِي مواقف الطلب، وأوقات الحضور ومقامات القرب.

وحكى عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ 0: من قهر نَفْسه بالأدب فهُوَ يعبد اللَّه تَعَالَى بالإخلاص، وسئل الدقاق رحمه الله تعالى: بماذا يقوِّم الرجل اعوجاجه؟ فقال: بالتأديب بإمام، فإن لم يتأدب بإمام بقي بطّالاً، فعلى من أراد الاقتداء بهم أن يلزم الأدب في كل شيء، فمن لزم الأدب معهم أخذ قلوبهم بأجمعها، وذلك عندهم مقياس على المريد، إذا بالأدب يأخذون الإذن للدخول على الله، وكل من سقط من رتبته ما سقط إلا بسبب إساءة أدبه.

وبالأدب الظاهر يحصل الأدب الباطن أعني التعظيم، إذ سوء الأدب ينشأ عن عدم التعظيم، وعدم التعظيم من ضعف المحبة، وضعف المحبة من التفات القلب إلى الغير، فلو حصلت المحبة لحصل التعظيم، ولو حصل الأدب لحصل التحقيق.

والأدب عند الإمام أبى العزائم 0 هو أساس التزكية والترقية والتخلية والتحلية، وهو فى منهجه يؤدب تلاميذه فى كل حال من أحوالهم، فيقول: حضرة الأدب ثلاثة: على المريد ألا يرى نفسه إلا فى ثلاثة: يرى نفسه فى حضرة المرشد جاهلاً مذنبًا، ويرى نفسه فى حضرة رسول الله J كافرًا، وفى الله عدمًا، ويؤكد أن اللذة فى الطلب مع الأدب خير من القرب، ومن حرم اللذة فى الطلب، وحرم الأدب كانت أعماله كلها تعب.

ويرى الإمام أن سوء الأدب يوقع فى الغضب، ولو فاز المريد بالطلب قبل أن يتعلم الأدب حصل له العطب، ومن سوء الأدب أن يتعدى أهل مقام الإيمان حدود الأدب، فيطمعون فيما تفضل الله به على أهل الإحسان، فإذا لم ينالوا أوَّلوا وأنكروا، إنما يصح الوصال بالأدب ولو مع قليل الطلب، وإنما تعمر القلوب بالعرفان، والمعرفة فوق العلم، وعمارة الجيوب تعلم الأحكام، وشتان بين مع علم حكمة حكم واحد فتفقهه، وبين من علم جميع الأحكام وحاله لم يصدقها.

العين وما أدراك ما العين؟

يقول الإمام 0 فى الحكمة: ليس بينك وبين الله بيْن حتى تقع العين على العين، فمعلوم أنه ليس بين المريد وبين ربه بيْن أى مسافة، يحتاج إلى قطعها بالأسباب الظاهرة حتى تقع العين على العين، فما هى العين لغة واصطلاحًا صوفيًّا روحانيًّا؟:

العين لغة: عضو الإبصار – ينبوع الماء – جاسوس – النفيس من كل شيء – عين الشيء: ذاته – نفسه – الحاضر من كل شيء، ولقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم إحدى وستون مرة بهذه المعاني على اختلاف مشتقاتها، منها قوله تعالى: )واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حينَ تَقومُ( وقوله تعالى: )ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقينِ(.

أما في الاصطلاح الصوفي فيقول الشيخ السراج الطوسي 0: العين: إشارة إلى ذات الشيء الذي تبدو منه الأشياء، ويقول الشيخ أحمد بن علوان 0: العين: هي اليقين، ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي 0: العين: كناية عن السيف لقطعها آثار جميع الأغيار، ويقول: العين: أي الحقيقة، ويقول الشيخ ولي الله الدهلوي 0: العين: هي أمر قدسي بحت، ويقول: العين: هي قانون كليّ مجرد نشأ من الإرادة، على حسبه يكون الوجود الخارجي وآثاره الخارجية الذاتية والإضافية، ويقول الشيخ أحمد بن عجيبة 0: العيون إشارة إلى أسرار الحقيقة … هي الأذواق.

يقول الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني 0: المؤمن له ثلاثة أعين: عين الرأس ينظر بها إلى الدنيا، وعين القلب ينظر بها إلى الآخرة، وعين السر تبقى مع الحق U في الدنيا والآخرة؛ لأنها ناظرة إليه دنيا وآخرة، وفي تأويل قوله تعالى: )فانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً( يقول الإمام جعفر الصادق A: انبجست من المعرفة اثنتا عشرة عينًا يشرب كل أهل مرتبة في مقام من عين من تلك العيون على قدرها، فالأول: عين منها عين التوحيد، والثاني: عين العبودية والسرور بها، والثالث: عين الإخلاص، والرابع: عين الصدق، والخامس: عين التواضع، والسادس: عين الرضا والتفويض، والسابع: عين السكينة والوقار، والثامن: عين السخاء والثقة بالله، والتاسع: عين اليقين، والعاشر: عين العقل، والحادى عشر: عين المحبة، والثاني عشر: عين الأنس والخلوة.

وهي عين المعرفة بنفسها، ومنها تتفجر هذه العيون، فمن شرب من عين منها يجد حلاوتها، ويطمع في العين التي هي أرفع منها، فلم يزل يشرب من عين إلى عين حتى يصل إلى الأصل، فإذا وصل إلى الأصل تحقق بالحق، وفي تأويل قوله تعالى: )أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ( يقول الشيخ ابن عطاء الأدمي 0: العينين: عينًا في رأسه يبصر بها آثار الصنع، وعينًا في قلبه يرى بها مواقع الغيب، ويقول سيدى إبراهيم الدسوقي 0:

بكل العين رأتك العين عيني

عيون ناظرات لكل عينـى

فلا عين ولا نظــر بعين

بصائر اختفت عن كل عين

والعين عند الصوفية ضدها والمقابل لها: الغين، والغين أغيار تغان على القلب، وهى حجب وأستار، تختلف بحسب منزلة السالك والواصل والمتمكن، فكل له أغيار تناسب مقامه، فإذا انجلت سحابة الغين عن الروح الملكية، ظهرت أنوار العين القدسية، هنالك تبدو الأسرار من حضرة الواحدية، وتلوح الأنوار مشرقة من غيب تجليات الأسماء العلية، والله أعلم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.