شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (82)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (82)

islam wattan . نشرت في المدونة 929 لاتعليقات

الحكمة الثانية والثمانون

من وَجَد شُهودَه مَلَك، ومن فقد شهودَه هَلَك.

الشهود: هو دوام استحضار الأسماء الربانية، والنعوت القدسية، فى معاليم المَشاهد الكونية، بمعنى أن تنمحى عنه ظلال الآثار الحاجبة بنور الأسرار، فيشهد من كل أثر نور المؤثر، شهودًا يجعل الشاهد حاضرًا فى معية الحق، مشاهدًا لأنوار التجليات، والشهود مقام السالكين، وقد يكشف الملكوت الأعلى لأولى القرب من كُمَّل الأولياء.

(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) الحسنى: شهود الجمال العلى، والزيادة: فناؤك به عن شهودك، ومن شهد قبل العلم هلك، ومن شهد بعد العلم ساد وملك، أما مراتب الشهود فهى: شهود حقيقتك، وعلم من أنت، وسر الله الذى يخفيه عنك به..

الأستاذ سميح قنديل

الحكمة الثانية والثمانون

من وَجَد شُهودَه مَلَك، ومن فقد شهودَه هَلَك.

الشهود: هو دوام استحضار الأسماء الربانية، والنعوت القدسية، فى معاليم المَشاهد الكونية، بمعنى أن تنمحى عنه ظلال الآثار الحاجبة بنور الأسرار، فيشهد من كل أثر نور المؤثر، شهودًا يجعل الشاهد حاضرًا فى معية الحق، مشاهدًا لأنوار التجليات، والشهود مقام السالكين، وقد يكشف الملكوت الأعلى لأولى القرب من كُمَّل الأولياء.

(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) الحسنى: شهود الجمال العلى، والزيادة: فناؤك به عن شهودك، ومن شهد قبل العلم هلك، ومن شهد بعد العلم ساد وملك، أما مراتب الشهود فهى: شهود حقيقتك، وعلم من أنت، وسر الله الذى يخفيه عنك به.

شهود الملائكة: من لم يشهد إلا ما شهدته الملائكة، فقد وقف عن حدٍ وجهْلٍ، والملائكة شهدوا فينا معانى تجلياته بعد النفخة، ومن نظر فى نفسه ما نظرته الملائكة منه حجب عن الله تعالى.

الشهود فى النفس: يا عبد، كيف تشهد معانىَّ إذا فقدت معانيك، وأنا لا أشهد لك إلا فيك؟ إذا فقدت نفسك فقدتنى، وإذا وجدت نفسك وجدتنى وعرفتنى، ليس ما تشهده فيك وفى الآفاق إلا أسرار تجليات الخلاق، وهو منزه علوا عن الاتصال والانفصال، فكيف تدريه العقول فى حال من الأحوال؟.

شهود الوجود ووجود الشهود

وهناك فرق بين شهود الوجود ووجود الشهود، فمتى شهدتَ الوجود وقفت فى الحدود، وإذا وجدتَ الشهود وصلت إلى المعبود؛ لأن سلب أنِيَّتك يوجب حسْن هيئتك، وشهود وجودك هو عين صدودك، إنما يخفى عند شهودك وإثبات وجودك، ويظهر عند فقدان آنيتك وانعدام غيرتك، ولذلك يطالبك الإمام أبو العزائم أن تفر من شهود الوجود إلى وجود الشهود، لترقى إلى رتب الصعود، وإلا سُلب منك ما فيك من جمال المعبود.

والقلب له شهود: فالقلب موجه لجهات أربعة: إلى المُلك، والملكوت، والعزة، والجبروت، فبنور العقل يشهد المُلك، وبنور الإيمان يشهد الملكوت وهو الآخرة، وبنور اليقين يشهد العزة وهى الصفات، وبنور المعرفة يشهد الجبروت وهى الوحدانية.

والروح لها شهود: فالروح مشهدها الملكوت، فإذا صفت فمشهدها حضرة العزة، فإذا تجملت بنفخة القدس فمشهدها الجبروت، ولكل مشهد أنوار وأسرار وأحوال، والقلب بيت التجلى وعرش المتجلى، والنفس إذا زكت أشرفت على غيب التنزلات، وكوشفت بالمنازلات، والإنسان الكامل سره مشرق بأنوار الإطلاق، وعلنه مستنير بنور الحصون من سر: )مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ( (الفتح: 29).

أما الشاهد: فهو أول مرتبة من المراتب الأولية الأربع: شاهد، وعارف، ومتحقق ومُطِّلع، والشاهد إن كان علم فشاهد حس وعقل، وإن كان رؤية فشاهد يقين عن واحدية هوية المظاهر، وهو مقام نسب إلى أعلى مقام تصديق ما بلغه.

والمشاهدة ثلاث:

1- مشاهدة بالحق: وهى رؤية الأشياء بدلائل التوحيد.

2- مشاهدة للحق: وهى رؤية بالأشياء.

3- مشاهدة الحق: وهى حقيقة اليقين بلا ارتياب.

وهناك بوْنٌ شاسع بين المشاهدة والمجاهدة: فلا مجاهدة إلا بعلم، ولا مشاهدة إلا بمجاهدة، ومتى حصلت المشاهدة، تلذَّذ (المشاهدُ) بالآلام، وأنس بالمَلام، وسهلت عظائم الأمور وجلائل الأعمال، قال السحرة لفرعون بعد أن شاهدوا نور الإيمان: )فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى( (طه: 72 – 73) ونفََس فى المشاهدة خير من سَنة فى المجاهدة.

وأهل الشهود: يثبتون الكون به سبحانه، ويوحدونه فيه، احذر أن تشهد نفسك فى الكون، ولكن اشهد نفسك مع الله واسع الإحسان، كيف يشهد ربه من الجنة سكنت قلبه؟، إذا رأيت من غاب عن حسه بمشاهدة نفسه الملَكية، فلم يشعر بوجوده لاستغراقه فى شهوده، لا تقتد به ولا تنكر عليه.

ويبين الإمام أن أنوار المشاهدات تمحو الكائنات، الوجود فى الشهود صعود، والشهود فى الوجود سعود، فالوجود فى الشهود: انمحاق ما سوى الحق وبقاء المعانى الخفية بلا خلق فى الإنسان، وهذا صعود يترقى به لمقام الدنو، والشهود فى الوجود: تمييز بين مرتبة العبد وربه، حتى تتجلى مكانة العبودية الكاملة، فيكون العبد فى سعود دائم.

يقول الإمام 0 وأرضاه:

الروحُ فى نورِ اتحـاد شهودى

والعقل فى بحث وفـى تحديـد

نورُ الشهود يلوحُ لى فى وِجْهتى

فيسَتَّر الآثار بالتجريـــــد

يُجلى لى الوجه الجميل بلا خفا

أفنى به عنى لدى تفريـــدى

لا عقل يحجبنى إذا الوجه انجلى

لى مشرقًا بحقيقتـى ووجـودى

نورُ المكوِّن ستَّر الأكـوان بـل

أخفى وجودى بالضيا التوحيـد

الصوفية والشهود

ويكشف الإمام أبو حامد الغزالي 0 عن حالة من جاوز الأحوال والمقامات، فعزب عن فهم ما سوى الله تعالى، حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها، وكان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود، الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، في مشاهدة جمال يوسف A، حتى دُهشن وسقط إحساسهن, وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه, ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفْنى، فكأنه فنى عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود, وفنى أيضًا عن الشهود، فإن القلب أيضًا إذا التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مُشاهد، فقد غفل عن المشهود.

يقول الإمام محمد بن عجيبة 0: إن الفناء هو أن تبدو لك العظمة،  أو تقول:  هو شهود حق بلا خلق، كما أن البقاء هو شهود خلق بحق… فمن عرف الحق شهده في كل شيء، ولم يرَ معه شيئاً، لنفوذ بصيرته من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح، ومن شهود عالم المُلك إلى شهود فضاء الملكوت، ومن فني به وانجذب إلى حضرته غاب في شهود نوره عن كل شيء، ولم يثبت مع الله شيئاً، وإن الصوفية يطلقون البقاء على وحدة الشهود، والفناء على وحدة الإيجاد، ويرى بعض منهم أنهما متلازمتان.

وإذا قال الصوفي: “لا أرى شيئًا غير الله”، فهو في حال وحدة شهود،

وإذا قال: “لا أرى شيئًا إلا وأرى الله فيه”، فهو في حال وحدة وجود،

يقول أبو العلا عفيفي في وصف حالة الشهود وصفًا دقيقًا: هو التوحيد الناشئ عن إدراك مباشر لما يتجلَّى في قلب الصوفي من معاني الوحدة الإلهية، في حالٍ تَجِلُّ عن الوصف.

ويقول الإمام 0: إن القلوب التى يحبها الله تعالى منحها عيونًا تشهد جماله، وتلك العيون التى منحها إياها تشتاق إلى أن ترى هذا الجمال، فيتجلى Y لها بقدْرها، ثم يوسعها فلا تزال فى شوق حتى تصل إليه I، فـإذا وصلت إليه Y انتقشت معانى صفاته عليها؛ فتبدلت الأرض غير الأرض، والأرض هى الهيكل الإنسانى، والسموات غير السموات، وتلك السموات هى القوة الروحانية، فبعد أن كان شوقها إلى ربها، صار شوقها إلى الله تعالى، ولا ينتهى الشوق ولو كان الإنسان فى مقعد صدق؛ لأن معبوده لا يحويه مكان، ولو أقامه فى مقعد صدق لكان هذا المكان حجبه؛ لأن محب الله – تعالى- لا يأنس لغير ذاته، وذاته تنزهت عن أن تُحد أو تُعد أو تُوصف؛ فيدوم شوقه إليها، ويتوالى انكشاف جماله العلى لهذا المحب إلى ما لا نهاية.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.