شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (86)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (86)

islam wattan . نشرت في المدونة 2666 لاتعليقات

 الحكمة السادسة والثمانون

من خاف اللهَ مولاهُ، خافَ منه كلّ ما سِواه.

الخوف مقام من مقامات اليقين، مدح الله أهله ووصفهم فقال سبحانه: )يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ( (النحل: 50) – وهى بالقطع ليست فوقية مكانية – وقال تعالى: )وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ( (الأنبياء: 90)، وقال تعالى: )وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ( (الرحمن: 46)، ولكنه خوف لا يأس فيه ولا قنوط، ولا أمن لجانب الله، فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان، وهو علم الوجود والإيقان، والخوف حال من العلم يمن الله به على العلماء الأتقياء )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ( (فاطر: 28).

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة السادسة والثمانون

من خاف اللهَ مولاهُ، خافَ منه كلّ ما سِواه.

الخوف مقام من مقامات اليقين، مدح الله أهله ووصفهم فقال سبحانه: )يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ( (النحل: 50) – وهى بالقطع ليست فوقية مكانية – وقال تعالى: )وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ( (الأنبياء: 90)، وقال تعالى: )وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ( (الرحمن: 46)، ولكنه خوف لا يأس فيه ولا قنوط، ولا أمن لجانب الله، فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان، وهو علم الوجود والإيقان، والخوف حال من العلم يمن الله به على العلماء الأتقياء )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ( (فاطر: 28).

ويعرف الإمام مقام الخوف بأنه: تنزيه السر عن السوى، ويقول: إذا لم تخف أن يهلكك الله بالنقص الذى فى أعمالك الصالحة، فضلاً عن معاصيك، فأنت هالك، وهذا دليل على شدة خوف أهل القرب فى حال قربهم، لعدم توكلهم إلا على ربهم فى كل أحوالهم، ويقول: لو لم يخف ابن آدم إلا الله لم يسلط عليه اللهُ غيره، فمن خاف الله مولاه، خاف منه كل من سواه، ثم يكشف لنا أن الله يرفع العبد بخوف ساعة أكثر مما يرفعه بعمل سنين، وإذا بكت أعين الخائفين فقد كاتبوا الله بدموعهم؛ لأنها عيون بكت من خشيته سبحانه فلا تمسها النار، وعلى العبد أن يخاف أولاً على نفسه وليس على غيره؛ لأن المغرور من أمن على نفسه وخاف على غيره؛ ولأن العصا لمن عصى، جعل الله الخوف سوطه الذى يقوِّم به أنفسًا قد تعودت سوء الأدب.

ويفرق الإمام بين الخوف والتقوى والخشوع والخشية والرهبة، فيبين أن الخوف: اسم جامع لحقيقة التقوى، والتقوى: معنى جامع للعبادة، والخشوع: انكسار القلب والجوارح خشية من الله تعالى، والخشية: خوف ناتج عن الرعاية، والراهب: من رهب من الله تعالى.

يقول 0 عن خوف مقام الرب Y:

للروح فى صفوها من مقتضى المبنى

كشفٌ صريحٌ به تخْلو مـن الأدْنـى

فيها جهادِى خوفٌ لا يفارقنــــى

خوفُ المقام به تُجلى لىَ المعنـــى

العلمُ يُشهدنى قدْرى ومنزلتـــــى

أخشى عليًّا قريبًا فيه قد أفْنــــى

خوفُ المقام اقترابى للشهودِ وفــى

مقامِ خشيةِ قلبى فى الصفا أهْنـــى

خوْفِى مقامَ التجَلــــى جنتين أرى

فى خشيتى خَلوتى والعقلُ قد جُنَّـــا

وكيف أخلو ومَن أخشى جلالَتــــَه

قد لاح أقربَ منى لى ولا بَيْنــــا

قلبى يراعى جلالَتَه وقدرَتَـــــه

والروحَ فضلاً سقاهـا راحَهُ الأهْنى

والسرُّ يَشهـــــده نورًا تنزَّه عن

كيفٍ فلم يُدرَكن للعقلِ والمبنــــى

الخوف حقيقة التقوى

فالخوف اسم لحقيقة التقوى، والتقوى معنى جامع للعبادة، وهى رحمة الله تعالى للأولين والآخرين، ينظم هذين المعنيين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ﴾ (النساء: 131)، وهذه الآية قطب القرآن مداره عليها، والتقوى سبب أضافه تعالى إليه تشريفًا له، ومعنى وصله بـه وأكرم عباده عليه تعظيمًا له، فقال: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ (الحج: 37) وقال U: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

وفى الخبر: (إذا جمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، ناداهم بصوت يُسمع أقصاهم كما يُسمع أدناهم، يقول: يا أيها الناس: إنى قد أنصَتُ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا فأنصتوا إلىَّ اليوم، فإنما هى أعمالكم تُرد عليكم، أيها الناس: إنى جعلت نسبًا وجعلتم نسبًا، فوضعتم نسبى ورفعتم نسبكم، قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وأبيتم إلا فلان وفلان أغنى من فلان وفلان، فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبى، أين المتقون، قال فينصب للقوم لواءهم إلى منازلهم، فيدخلهم الجنة بغير حساب) رواه الطبرى.

والخوف حال من مقام العلم، وقد جمع الله تعالى للخائفين ما فرقه على المؤمنين، وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان، وهذه جمل مقامات أهل الجِنان، فقال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: 154)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: 28)، وقال تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: 8).

وفى خبر نبى الله موسى A: وأما الخائفون فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشارَكون فيه، فأفردهم من غير مشاركة بالرفيق الأعلى، كما حققهم اليوم بشهادة التصديق، وهذا مقام من النبوة، فهم مع الأنبياء فى المزية من قِبل أنهم ورثة الأنبياء؛ لأنهم هم العلماء، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (النساء: 69)، وقال تعالى فى وصف منازلهم: ﴿وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا﴾. بمعنى رفقاء، عبَّر عن جماعتهم بالواحد لأنهم كانوا كأنهم واحد، وقد يكون رفيقاً مقامًا فى الجنة من أعلى عليين، لقول رسول الله J عند الموت وقد خيِّر بين البقاء فى الدنيا وبين القدوم على الله تعالى، فقال: (أسألك الرفيق الأعلى) متفق عليه من حديث عائشة 1، وفى خبر موسى A المتقدم: (فأولئك لهم الرفيق الأعلى) فدل أنهم مع الأنبياء بتفسير النبى J لذلك، وشرف مقامهم فوق كل مقام، لطلب رسول الله J ذلك، فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان، وهو علم الوجود والإيقان، وهو سبب اجتناب كل نهى ومفتاح كل أمر، وليس يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار آفاتها إلا مقام الخوف.

خوفُ الرجل على قدْر قربه

يقول الإمام أبو العزائم 0 في الحكمة: الرجل من كان خوفه في قربه أشد من خوفه في بعده، وقال أبو محمد سهل 0: كمال الإيمان العلم، وكمال العلم الخوف، وقال مرة: العلم كسب الإيمان، والخوف كسب المعرفة، وقال أبو الفيض المصرى 0: لا يُسقى المُحب كأس المحبة إلا بعد أن ينضج الخوف فى قلبه، وقال: خوف النار عند خوف الفراق بمنزلة قطرة قطرت فى بحر لجِّى، وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه، خوفه على قدر قربه، فخوف الإسلام اعتقاد العزة والجبرية لله تعالى، وتسليم القدرة والسطوة له، والتصديق لما أخبر به من عذابه، وما تهدد به من عقابه، وقال الفضيل: إذا قيل لك: تخاف الله؟ فاسكت، لأنك إن قلت: لا، كفرت، وإن قلت: نعم، فليس وصفك وصف من يخاف.

وثمرة الخوف عند أهل الإيمان هى اليقين بالله عز وجل، والحياء منه I، وهو أعلى سريرات أهل المزيد، يستبين أحكام ذلك فى معنيين هما جملة العبد، أن يحفظ رأسه وما حواه من السمع والبصر واللسان، وأن يحفظ بطنه وما وعاه، وهو القلب والفرج واليد والرجل، وهذا خوف العموم وهو أول الحياء، أما خوف الخصوص فهـو أن لا يجمع ما لا يأكل، ولا يبنى ما لا يسكن، ولا يكاثر فيما عنه ينتقل، ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل، وهذا هو الزهد، وهو حياء مزيد أهل الحياء من تقوى أصحاب اليمين.

والخوف ليس نوعًا واحدًا ولكنه أنواع متعدده، يعرفها ويعقلها العالمون، أهل الخشية من الله U بحسب المقامات، ومن هذه الأنواع: خوف الجنايات والاكتساب، وخوف الوعيد وسر العقاب، وخوف التقصير فى الأمر، وخوف مجاوزة الحد، وخوف سلب المزيد، وخوف حجاب اليقظة بالغفلة، وخوف حدوث الفترة بعد الاجتهاد عن المعاملة، وخوف وهَن العزم بعد القوة، وخوف نكث العهد بنقض التوبة، وخوف الوقوع فى الابتلاء بالسبب الذى وقعت منه التوبة، وخوف عود الاعوجاج عن الاستقامة، وخوف العادة بالشهوة، وخوف الحوْر بعد الكوْر، وهو الرجوع عن الحجة إلى طريق الهوى وحرث الدنيا، وخوف إطلاع الله تعالى عليهم عند ما سلف من ذنوبهم، ونظره إليهم على قبيح فعلهم، فيعرض عنهم ويمقتهم، وخوف النفاق، وخوف حبوط الأعمال، وخوف سلب الإيمان، وهذه كلها مخاوف، وطرقات لأهل المعارف، وبعضها أعلى من بعض، وبعضهم أشد خوفًا من بعض، ولكنهم جميعًا لا يقنطون من رحمته I.

فإذا خاف العبد ربه خاف منه كل ما سواه ومن سواه، وكم خافت الوحوش في الفلوات من أهل الولاية والكرامات، وكم خشى الظلمة والجبارون من أهل البدايات والنهايات، فأهل مقام الخوف أثبت الله لهم الأمن قال تعالى: )أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ( (الأنعام: 82)، اللهم أقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.