لمحات في تأصيل القرآن الكريم لمقاصد البعثة النبوية (1 – 2)

لمحات في تأصيل القرآن الكريم لمقاصد البعثة النبوية (1 – 2)

islam wattan . نشرت في المدونة 804 لاتعليقات

لم يغفل القرآن الكريم الحديث عن جانب الحضرة النبوية، بل أعطاها مساحة فسيحة المجال في آي الكتاب، تصور ملامح من شخصيته J منذ تقلبه في بواكير عمره، إلى أن أدركته عناية التشريف الإلهي بحمل رسالة القرآن، وما لقيه في سبيلها من أشجان وأحزان، وكيف سرّي عنه ما يكابده من هموم القيام بشرف الدعوة بالمواساة والتسلية، حتى تمت عناية الله به مخبرًا ومظهرًا؛ لتنطلق نفسه وجوارحه متفاعلة مع القرآن، وفي سبيل القرآن حياة ومنهجًا وسلوكًا وتعليمًا، فكان قرآنًا يمشي على الأرض.

د. عبدالكريم حريري- المملكة المغربية

مقدمة

لم يغفل القرآن الكريم الحديث عن جانب الحضرة النبوية، بل أعطاها مساحة فسيحة المجال في آي الكتاب، تصور ملامح من شخصيته J منذ تقلبه في بواكير عمره، إلى أن أدركته عناية التشريف الإلهي بحمل رسالة القرآن، وما لقيه في سبيلها من أشجان وأحزان، وكيف سرّي عنه ما يكابده من هموم القيام بشرف الدعوة بالمواساة والتسلية، حتى تمت عناية الله به مخبرًا ومظهرًا؛ لتنطلق نفسه وجوارحه متفاعلة مع القرآن، وفي سبيل القرآن حياة ومنهجًا وسلوكًا وتعليمًا، فكان قرآنًا يمشي على الأرض.

 وإذا كان القرآن المصدر المؤسس لأحكام عامة المسلمين، فمن باب أولى أن يخصص حيّزًا كبيرًا لبيان المقاصد الكبرى من بعثته استشرافًا إلى بعث روح التعلق بجنابه، إذ “المقاصد أرواح الأعمال، وأعمال بلا مقاصد أعمال بلا أرواح([i])؛ ذلك أن الحديث عن مقاصد بعثته يغير النظرة النمطية لدى كثير من المسلمين من كونه رسولاً مبلغًا فحسب؛ ولا يخفى أن هذه النظرة المجردة من روح المقاصد تضيع على الفرد فهم كثير من كليات الدين، وتغمسه في الخلاف حول الجزئيات، كما تفوت على دعاة المسلمين سلم أولويات الدعوة، والاستفادة من منهجه ودعوته J في الدعوة في بيان عالمية الإسلام في شموليته ونبل تشريعه؛ وسنطوف معًا أيها القارئ الكريم من خلال هذه اللمحات السريعة في رياض القرآن الغناء، لنجتني من أفانين أزهاره ما نشم به عبقًا من فوح طيب مقاصد الآيات، من بعثة خير البريات.

حديث القرآن عن مقاصد بعثة النبي

(1) مقصد الحرية وتحقيق كرامة الإنسان:

إن الحرية والكرامة قدرة الفرد على اتخاذ القرار المناسب له دون أي تدخل أو تأثير من أي طرف آخر؛ سواء كان ماديًّا أو معنويًّا، وعدم اتباعه لأي شخص بدون تفكير. إذ إن كل إنسان له الحق في الحرية والاستقلالية الذاتية في التفكير واتخاذ القرارات التي يراها مناسبة له، في إطار منظم يضمن حقوق النفس والغير، ويلحظ هذا المقصد من خلال ما جاء به من التوحيد الخالص لله وحده، وترك عبادة غيره من الأصنام والأوثان، والابتعاد عن كل محرم، ونبذ لكل تقليد أعمى يبقى معه الإنسان رهين موروث سائد يتحكم فيه بما يحمل من تخلف موبوء، يلغى مظهر تميز الإنسان عن غيره بالعقل حتى يصير أضل من الأنعام ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ (يوسف: 39)؛ كما أن فيه تقصيدًا لتقويم الفكر، وتحقيقًا لكرامته الفطرية بصفته إنسانًا مكرمًا عاقلاً ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: 70).

(2) مقصد الرحمة والسعادة:

وهي غاية الغايات من بعثه J، والرحمة خُلُقٌ حميد تَعني: الرأفة والرفق واللين في التعامل مع الكائنات التي يعيش معها الإنسان سواء كانت بشرًا أم حيوانات، لتشع أنوار المحبة والألفة بين العالم، فيصبح المجتمع كالجسد الواحد، متراحمًا ومتعاونًا تذوب مع تعاليمه كل الفوارق الجنسية والجغرافية؛ شعاره الدعوة إلى السلام العالمي. ومن روائع بلاغة التعبير القرآني أنه ساق هذا المقصد في أسلوب حصر بلاغي كأنه لم يرسل إلا لتحقيق وظيفة نشر الرحمة، فيقول الرحيم الرحمن سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة، في تعاليم الإسلام لمن يريد أن يستظل بها، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية، في هجير الأرض المحرق، وبخاصة في هذه الأيام.

وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها؛ وهي قلقة حائرة، شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفاف الأرواح والقلوب. ولا يخلص من هذه الأدواء إلا النهل من ينبوع الرحمة؛ فعلى المسلمين مهما كانت أجناسهم وأوطانهم أن ينتبهوا إلى أنهم حملة راية العدل والرحمة والتسامح بعد لتبليغها عن سيدنا محمد J، فيكونوا حملة راية الرحمة والسلم إلى العالم تحبيبًا للآخر في هذا الدين الرحيم.

(3) مقصد التذكير والتزكية والتعليم:

جاءت هذه الغايات الثلاث مقرونات في قوله U: )لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ( (آل عمران: 164) وقبل الشروع في بيان ما اشتملت عليه هذه الآية المباركة من الفوائد العظيمة، لا بأس من ذكر نظائرها الواردة في مواطن مختلفة من كتاب الله جل وعلا، يقول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129). ويقول سبحانه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151). ويقول أيضًا جل ذكره: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (الجمعة: 2 – 3).

لقد اشتملت هذه الآيات على فوائد عظيمة، في بيان مقاصد البعثة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، أجملها في نقط مختصرة متمثلة فيما يلي:

أ- التذكير بآيات الله: والذي دل عليه قوله تعالى:﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾، وإنما فسرت التلاوة بالتذكير لأنه مقصود التلاوة المتكررة والغرض منها، وقد وردت التلاوة بصيغة المضارع “يتلو” للإشارة إلى أن هذا الكتاب المشتمل على الآيات تتكرر تلاوته. قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور: «ومعنى يتلو عليهم آياته يقرؤها عليهم قراءة تذكير»([ii]).

ب-التزكية: والتي دل عليها قوله تعالى:﴿وَيُزَكِّيهِمْ ﴾، والتزكية إكساب النفس الزكاة أي النماء، ذلك أن الله جل وعلا خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل في فطرته ما يقتضي بلوغ أقصى غايات الكمال الممكنة في أمثاله، قال العلامة ابن عاشور: «التزكية تطهير النفس، مشتقة من الزكاة وهي النماء، وذلك لأن في أصل خلقة النفوس كمالات وطهارات تعترضها أرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل، فتهذيب النفوس وتقويمها يزيدها من ذلك الخير المودع فيها»([iii]).

([i]) الموافقات، إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط 1، 1417هـ/ 1997م، ج 3، ص 44.

([ii]) التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1984م، ج 1، ص 723.

([iii]) المرجع نفسه ج2، ص49.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.