محاولات التذكر في رواية خبيئة ‏العارف (3/2)

محاولات التذكر في رواية خبيئة ‏العارف (3/2)

islam wattan . نشرت في المدونة 3668 لاتعليقات

تطرح الرواية، بالمثل، أسئلة حول ماهية الحقيقة التاريخية. هل تنطوي الحقيقة التاريخية، بالضرورة، على اليقين الذي لا يقبل الشك؟ كيف تكتب السلطة التاريخ؟ وهل حقًّا يمكن أن يكون المؤرخ محايدًا إلى النهاية؟ وما هو نصيب التاريخ من الخيال ونصيبه من الحقيقة؟ أسئلة من هذا النوع واجهت الدكتور “خيري محفوظ” وهو يحاول كتابة تاريخ الطريقة العزمية، سواء باعتباره مؤرخًا يؤمن بالحقيقة التاريخية القائمة على العلمية، أو من ناحية سعيه وراء قصة حياة صوفي تكمن حقيقته بالتحديد خارج الحسابات العلمية…

الدكتور سمير مندي أستاذ الأدب العربي بالجامعة البريطانية

محاولات التذكر في رواية خبيئة ‏العارف (3/2)

(2) الحقيقة التاريخية

تطرح الرواية، بالمثل، أسئلة حول ماهية الحقيقة التاريخية. هل تنطوي الحقيقة التاريخية، بالضرورة، على اليقين الذي لا يقبل الشك؟ كيف تكتب السلطة التاريخ؟ وهل حقًّا يمكن أن يكون المؤرخ محايدًا إلى النهاية؟ وما هو نصيب التاريخ من الخيال ونصيبه من الحقيقة؟ أسئلة من هذا النوع واجهت الدكتور “خيري محفوظ” وهو يحاول كتابة تاريخ الطريقة العزمية، سواء باعتباره مؤرخًا يؤمن بالحقيقة التاريخية القائمة على العلمية، أو من ناحية سعيه وراء قصة حياة صوفي تكمن حقيقته بالتحديد خارج الحسابات العلمية:

“أود ابتداء أنا الدكتور خيري محفوظ وأعوذ بالله من قول أنا، لاسيما في حضرتكم، أن أعبر لفخامتكم على عظيم امتناني وسعادتي بتكليفكم لي عبر ناظر وقف البلد بكتابة سيرة الشيخ “محمد ماضي أبو العزائم” أو حكايته. أقول حكاية وأعنيها لأنني كتبتها على هذا النحو حتى تكون طيعة سلسلة أمامكم وأنتم تطالعونها كاملة”

يحتج المؤرخ بالوثائق والآراشيف التي تدعم وجهة نظره، لكن إذا كانت الوثائق تدعم جانبًا مما كان، ولا أقول حقيقة ما كان، فإنها لا يمكن أن تعكس كل ما كان. وغالبًا ما تكون الوثائق مكتوبة من منظور السلطة مما يهدد بضياع أصوات الضحايا والمهمشين:

“أنا لا أقتصر في كتابة التاريخ على ما في الكتب، ولا ما تجود به الوثائق والمخطوطات، إنما أجعل ما يتداوله الناس عن الذين رحلوا مادة طيعة لي، تساعد في كشف ما غمض، وإتمام ما نقص، ونفخ الروح في الحكايات المصمتة”

تحظى “الشهادة” أيضًا بتقدير المؤرخ، إذ يعدها، إلى جانب الوثائق والآراشيف، إحدى دعائم براهينه العلمية على صدق إدعاءاته. وشهادة المهمشين جانب لايزال مهملاً حتى الآن من جوانب التاريخ الرسمي. والسرد يمتدح المؤرخ الذي يأخذ بعين الاعتبار مسألة دمج شهادة البسطاء في التاريخ الرسمي. إنها ترى ضرورة إفساح المجال لإنطاق المسكوت عنه. يقول السرد:

“ومن مزاياه أيضًا أنه لم يحصر نفسه في موضوع واحد، مثلما فعل بعض زملائه، إنما تجول في أيام التاريخ الحديث والمعاصر، يفتش في جنباتها ويستنطقها فتهديه حكايات ومأثورات ومواقف وأمثلة وأشعارًا وقرارات وسياسات يمزجها على مهل، فنفهم معه التاريخ على أنه أعظم من أن يسجل تاريخ السلاطين والأمراء وقادة الجند والوجهاء. وفي سطوره يتحول هؤلاء من أبطال منفردين بالكلام والفعل إلى شخصيات عادية قد يجاورها أو يناطحها فران كان يتفانى في الخبيز ليأكل الناس أو سقاء كان يحمل القرب من النيل في رضاء ليشرب العطشى في البيوت، أو حكيم يداوي المرضى، أو درويش يهيم على وجهه في الشوارع باحثًا عن الحقيقة في وجوه الناس، أو وراء الحجب”

يبحث المؤرخ في أوراق الشيخ، في سيرته، في الأماكن التي زارها أو عاش أو عمل  فيها على امتداد مصر والسودان محاولاً أن يعثر على إشارة إلى طريق الكنز المزعوم. لكنه لا يعثر إلا على ما يعيد فتح ملفات وأسئلة مسكوت عنها حول الدور السياسي لمتصوفي الطريقة العزمية في مناهضة الاحتلال الإنجليزي في مصر والسودان. والدور السياسي والاجتماعي الذي يمكن أن يلعبه التصوف باعتباره بديلاً للحركات الدينية المتشددة. وذلك في إشارة إلى انتقاد الحاضر (زمن السرد)، من خلال سرد الماضي (الزمن الماضي). يقول السارد:

“كما وجد وثيقة تتحدث عن علاقة أبو العزائم بالزعيم الشاب المناضل مصطفى كامل حيث كان يرسل إليه وهو في السودان ليشد على يده وينصحه بما عليه أن يفعله في مقاومة الاحتلال، ووجد أخرى تدل على مشاركة قوية لمريدي الطريقة العزمية في ثورة 1919م، وأن الشيخ الكبير التقى سعد زغلول ورفاقه مرات في النادي السعدي”.

من ناحية أخرى، جاءت خيارات التأليف متواشجة مع فكرة الرواية أو موضوعها. إذ لو كان التاريخ لا يحفل إلا بالشخصيات العظيمة، فإن الرواية قد بدأت أولى فصولها (خطى العارف) من الهامش إذ بدأت من اثنين من الموظفين الذين يعملون في وزارة الأوقاف. اثنان يعانيان، كما  يعاني غيرهم، من الفقر والقهر. وهما، في الوقت نفسه، من مريدي الطريقة العزمية. هذه الطريقة التي يبدو أنها لم تكن مجرد مجموعة من الدراويش الذين يهيمون على وجوههم في الشوارع أو يتيهون في حلقات الذكر. إن لهم، على ما يبدو، دورًا تاريخيًّا في مناهضة الاحتلال الإنجليزي في مصر والسودان. وبالتالي يبدأ أول فصول الرواية من الهامش الطبقي والفكري. يقول السارد:

“لم يجد “ماهر” و”عليوة” طريقًا لتبديد الحيرة، سوى الثرثرة والغرق في الأمنيات الكاذبة. يقضيان أغلب الوقت بالمكتب في حديث حول الكنز المطمور تحت الأرض والزمن، يشكو كل منهما إلى الآخر حيلته وهوانه على الظروف القاسية التي أوقعت الجميع بين شقي الغلاء والفساد”

لقد تأخرت حكاية المؤرخ الذي يكتب التاريخ عن حكاية البسطاء الذين يعانون رقة الحال وقهر السلطة، لتفتح المجال أمام إنطاق أصوات المهمشين. وربما بوعي أو بغير وعي ربط السرد التأريخ باستقصاء حكايات البسطاء عبر محافظات مصر وقراها. إن ها هنا حقيقة ما، هي حقيقة شيخ طريقة وتتلخص المهمة في الكشف عن أسراره ومجاهداته وأفكاره. لم يكن الشيخ أبدًا مواليًا للسلطة، ولا هو كان ممن يرضى عن السلطة أو ترضى السلطة عنه. إنه يقف من مجتمعه ومن سلوكه وفعله موقف الهامش من المتن. وبالتالي فإن سبيل المؤرخ لاكتناه حقيقة الشيخ هي استنطاق الهامش والاستماع إلى صوته. من ناحية أخرى، تتصل حقيقة الشيخ الاجتماعية والسياسية بحقيقته الفكرية. إذ هو، في نهاية المطاف، صوفي عوّل على شئون الذوق سبيلاً للمعرفة، وعلى الحدس سبيلاً لليقين. والصوفية، كما نعلم، التصقت بهم تهمة الدروشة. إنهم ، من وجهة نظر العامة، غائبون عن الوعي الاجتماعي والسياسي. وبكلمة واحدة فإن حكاية الشيخ الاجتماعية والسياسية والفكرية هي حكاية الهامش.

مثل هذه التوازيات الرمزية بين التأليف، بما هو ترتيب يستبق فيه الهامش المتن، والتحبيك بما هو تحبيك لاستعارية الحقيقة ورمزيتها، يؤكد الطبيعة التأويلية للتأريخ. فالمؤرخ مدعو للحديث عن حقائق تنتهكها الإرادات والمصالح والسياقات.

وإذا كان الفصل الأول (خطى العارف) قد أكد على ضرورة البداية من الهامش، أو إعادة الاعتبار للمهمشين وإعادة دمجهم في واقعهم التاريخي والاجتماعي، فإن الفصل الثاني (أوراق العارف) قد وضع أرشيف المؤرخ ووثائقه في الترتيب الثاني بعد حكاية الهامش الاجتماعي والفكري. وهذا الاستباق في البدء بحكاية ما جرى وتقديمها على الحكاية المؤرخة أو المكتوبة هو استباق تمليه الطبيعة الأصلية لحركة التاريخ. إذ تجري الوقائع والأحداث أولاً، ثم يبدأ التدوين والكتابة ثانيًا. وبكلمة أخرى، فإن الفكر تابع للممارسة وليس العكس. الفكر يأتي بعد الممارسة كما يقول بول ريكور بحق. وبالتالي فإن التثنية بحكاية تدوين الدكتور خيري محفوظ “المؤرخ” لحكاية الطريقة العزمية ودورها الاجتماعي والسياسي والفكري انصياع لفكرة البعدية التي ينطوي عليها التاريخ. إن التاريخ، بهذا المعنى، حبكة يضطلع فيها الخيال بدور تمثيل ما كان ذات يوم ثم انقضى بلا رجعة.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.