معاني وإشارات قرآنية (15)

معاني وإشارات قرآنية (15)

islam wattan . نشرت في المدونة 367 لاتعليقات

التقوى يقال أصلها في اللغة: قلة الكلام، ومنه الحديث: (التَّقِيُّ مُلْجَم، والمتَّقِي فوقَ المؤمنِ والطائع)، وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذابَ اللهِ تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزًا بينك وبينه.

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

معاني وإشارات قرآنية (15)

ما هي التقوى؟

ومن هم المتقون؟

التقوى يقال أصلها في اللغة: قلة الكلام، ومنه الحديث: (التَّقِيُّ مُلْجَم، والمتَّقِي فوقَ المؤمنِ والطائع)، وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذابَ اللهِ تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزًا بينك وبينه.

والتقوى لغة أيضًا: هي الوقاية من الوقوع فيما يضر دنيا أو دينًا.

وعن ابن مسعود 0 قال يومًا لابن أخيه: يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟، قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقيّ، ثم قال: يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟، قلت: بلى، قال: لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم.

وسأل عمر بن الخطاب 0 أُبيًّا عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟، قال: نعم: قال: فما عملتَ فيه؟، قال: تشمرتُ وحذرتُ، قال: فذاك التقوى.

وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه:

خَلِّ الذنــــوبَ صغيرَها

وكبيرَهــا ذاك التُّقَـــى

واصْنَـــعْ كَمَاشٍ فوقَ أر

ضِ الشوكِ يحذرُ ما يَرَى

لا تحقِـرَنَّ صغيــرةً

إن الجبالَ مِن الحَصَـى

والتقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء 0 وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء، فقال:

يريدُ المرءُ أن يُؤتَى مُناه

ويأبى اللهُ إلاَّ مـــا أرَادَ

يقولُ المرءُ فائدتي ومالي

وتقوى اللهِ أفضلُ مَا استفادَ

وروى ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة عن النبي J أنه كان يقول: (ما استفاد المؤمنُ بعد تقوى الله خيرًا له من زوجةٍ صالحةٍ، إنْ أمَرَها أطَاعَتْهُ، وإن نَظَر إليها سَرَّتْهُ، وإنْ أقسم عليها أبَرَّتْهُ، وإنْ غَابَ عنها نصحته في نفسِها ومالِه).

راجع تفسير القرطبي لقول الله تعالى: )ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ( (البقرة: 2).

من أنواع التقوى:

والتقوى كما يعرِّفها الإمام أبو العزائم 0: خوفٌ يهجم على القلب؛ يجعله يراعى الأدبَ خشية الوقوع في الغضب.

وهي أنواع:

1- تقوى النار: قال سبحانه: )فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ( (البقرة: 24)، أي: )فَاتَّقُوا( بالإيمان بالله وأن القرآن ليس من كلام البشر )النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ( الكفار )وَالْحِجَارَةُ( كأصنامهم منها، يعني مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه.

2- وتقوى اليوم: قال تعالى: )وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ( (البقرة: 281)، أي: واحذروا – أيها الناس – يومًا ترجعون فيه إلى الله, وهو يوم القيامة, حيث تعرضون على الله ليحاسبكم, فيجازي كل واحد منكم بما عمل من خير أو شر؛ دون أن يناله ظلم.

3- وتقوى الرب: قال Y: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ( (الحج: 1)، أي: يا أيها الناس خافوا ربكم، والتزموا أوامره, واجتنبوا نواهيه، وهؤلاء – بذلك الفعل – جعلوا بينهم وبين غضب ربهم سبحانه وقاية.

4- وتقوى الله تعالى: قال عز وجل: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ( (آل عمران: 102)، والمعنى: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله خافوا الله حق خوفه: وذلك بأن يُطاع فلا يُعصى, ويُشكَر فلا يُكفر, ويُذكَر فلا يُنسَى.

على العبد أن يتقي صفات الجلال بصفات الجمال:

وللحق سبحانه صفات جمال تراها في الرحمة، وصفات جلال تراها في الشدة، والمعنى: على العبد أن يتقي صفات الجلال التي قد تؤدي بك إلى النار التي أُمِرْتَ بتقواها، واتقاء صفات الجلال يكون بصفات الجمال – كان J يقول: (أَعُوذُ بِكَ مِنكَ) – واتقاؤك صفات الجلال بصفات الجمال أي: تتجمل في معاملتك وأخلاقك وسيرك وسلوكك بما يحب الله تعالى ويرضى، يقول الإمام في إحدى قصائده:

تَخَلَّــقْ بِأَخْلاَقِ الإِلَـٰهِ وَحَافِظَنْ

عَلَى مَنْهَجِ الْمُخْتَارِ فِي الْعِقْدِ تُنسَقُ

وَكُنْ مَاضِيَ الْعَزْمِ الَّذِي لاَ يشُوبُهُ

شَوَائِبُ تَدْلِيــسٍ وَبِالْحَقِّ يَنطِـقُ

وَدَعْ عَنْكَ مَيْلًا لِلْحَضِيضِ وَزِينَةً

بِهَا اشْتَغَلَ اللاَّهُــونَ عَنْهُ وَنَافَقُوا

وَقُمْ دَاعِيًا لِلَّهِ بِالْحِـكْمَةِ الَّتِــي

بِهَا قَدْ حَبَاكَ اللَّهُ وَهـوَ الْمُوَفِّـقُ

وَلاَ تَسْعَ لِلتَّفْرِيقِ، وَاجْمَعْ بِهِ لَهُ

عَلَيْهِ أُولِي التَّسْلِيمِ إِذْ أَنتَ وَاثـقُ

السياسة الحكيمة من التقوى:

وهناك نوع آخر من أنواع التقوى وهي: السياسة الحكيمة التي يراعيها أهل الرحمة في أخلاقهم ومعاملتهم لدوام الصفاء ومداراة الناس.

ولقد مارس رسول الله J أنواعًا من السياسة، فدستوره بالمدينة: سياسة، وصلح الحديبية وفيه كتابة باسمك اللهم بدلاً من )بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ( ومحو صفة الرسالة من الصحيفة وكتابة: محمد بن عبد الله بدلاً من محمد رسول الله؛ سياسة، لكنها سياسة حقة.

والإمام أبو العزائم يبين أن السياسة الحقة قوة للإسلام خادمة له؛ ما دامت مآخذها من أحكامه بحسب استنباط أهل التقوى القائمين لله بالحجة, فإن مداراة الناس: سياسة، – مداراة الناس: بملاطفتهم وملاينتهم ومؤاخاتهم والتحبب إليهم -, والخديعة في الجهاد: سياسة, وكشف غور الحقائق بالرأي والتدبير: سياسة, واستنتاج بعض الوسائل المبلغة للقصد: سياسة, كما أن كل عمل يعمله الداعي إلى الله تعالى لرجوع الناس من المعصية إلى الطاعة: سياسة حسنة.

أما السياسة التي هي الخديعة والكيد: فهي من أخلاق الشياطين، وكم دمرت مدنًا، وأبادت أممًا، حفظنا الله من شرور أهلها.

والمتقون تتدرجَ منازلهم، ومن ذلك:

1- هم العارفون: فالمتقون هم الذين عرفوا الله فامتلأت قلوبهم خوفًا من حضرته، وعرفوا المعاصي وشرها ففروا منها، وعرفوا الطاعات وجمالها فتحصنوا بها.

2- وهم المتحصنون بمولاهم الآخذون بالأسباب: فالمتقي هو الذي اتخذ مولاه واقيًا له، فهو الحفيظ الواقي، ومظاهر الوقاية أحكام الشريعة فهي حصن الله الأمين، ومن دخلها كان آمنًا.

3- وهم الذين باعوا أنفسهم لله تعالى: فالمتقي هو الذي جعل نفسه وقاية لشرع ربه، فيبذلها في سبيل إحياء الشريعة، ويرخصها في طلب مرضاته.

4- وهم الذين تحققت ثقتهم بالله لا بأنفسهم: فالمتقِي تنفتح له عيون في بصيرته يرى بها أنه أقل خلق الله لظهور تجليه سبحانه في الكل، وينكسر قلبه حياء من الله؛ لأنه أقرب إليه من حبل الوريد.

يقول الإمام في إحدى قصائده:

ثقتي بنفـسـي ظـلم لـي وبهتـان

وحسن ظني بغير الله حرمانُ

دع ما سِوَى اللهِ وانهض مخلصًا وجلاَ

له ومنه فحبُّ الغيرِ خسـرانُ

ومنكَ فِـرَّ إليـه راغـبًا رهبــًا

فاللهُ ربُّـك والأكوانُ أكـوانُ

أخرج من القلب ميلاً أو هوًى لسِوَى

مولاكَ فهو قريبٌ منكَ منـانُ

وعن أبي يزيد البسطامي 0: المتقي مَن إذا قال؛ قال لِلَّه، ومن إذا عَمِل؛ عَمِل لِلَّه.

وقال أبو سليمان الداراني 0: المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.