معاني وإشارات قرآنية (17)

معاني وإشارات قرآنية (17)

islam wattan . نشرت في المدونة 957 لاتعليقات

شَتَّان بين العلم وبين الإيمان، فبَيْن العلم والإيمان فرق عظيم جدًّا عند العلماء الربانيين.

فإن المعلوم لا يكون علمًا للنفس إلا إذا تصورت رسومه، أي: أن العلم هو تصورُ النفسِ رسومَ المعلوم في ذاتها.

أما الإيمان فهو تصديق المخبر في خبره من غير أن تتصور النفس رسوم المعلوم في ذاتها…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

في العلم والإيمان والغيب ومعانيه

شَتَّان بين العلم وبين الإيمان، فبَيْن العلم والإيمان فرق عظيم جدًّا عند العلماء الربانيين.

فإن المعلوم لا يكون علمًا للنفس إلا إذا تصورت رسومه، أي: أن العلم هو تصورُ النفسِ رسومَ المعلوم في ذاتها.

أما الإيمان فهو تصديق المخبر في خبره من غير أن تتصور النفس رسوم المعلوم في ذاتها.

ومعنى أن تتصور النفس رسوم المعلوم في ذاتها، أي: تتلقى النفس المعلوم فتنفعل به، فتترجم قُوَى العبد الباطنة وجوارحُه الظاهرة عن ذلك العلم بالعمل؛ أي: يتمثل العبد صورة المعلوم على جوهر نفسه، فيكون كأنه يرى المعلوم رؤية تأثير على النفس والجسم والحس؛ تحفظ الجوارح من تعدى حدود الله، وتحفظ الجسم من الوقوع فيما حرم الله، وتحفظ العقل من التخبط في بيداء الحظ والهوى.

هذا مما بيَّنه الإمام أبو العزائم حال تفسيره لقول الله تعالى: )الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ( (البقرة: 3).

وباتصاف العبد بتلك الصفات يستقيم حاله معاملةً وخُلُقًا، بل إنه يتعرض لمزيد فضل الله تعالى، قال سبحانه: )وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ( (البقرة: 282)، وقال J: (مَن عمِلَ بما عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لم يعلم)، فصارت القلوب مؤهلة لتلقي علومًا أخرى بالفضل لا بالعمل، يقول الإمام في قصيدة له:

إذا كان نورُ القربِ بالعِلْمِ والحالِ

فتلـك مراقي الفضلِ لا الأعمالِ

وإن أشرقت تلك الشموسُ مضيئةً

فقد نال كُلَّ الفضلِ كُلُّ مُــوَالِ

قلوبٌ عن العِلْمِ الإلهيّ تَـرْجَمَت

فـصَيَّرَتِ الأطـفـالَ كالأبـدالِ

فصـار جهولُ الناسِ باللهِ عارفًـا

وصَيَّرَتِ المبعودَ في الإقبـــالِ

الإيمان أولاً أم العلم؟:

ويجيب الإمام أنه لا بد من الإيمان قبل العلم؛ وإلا عاش الإنسان جاهلاً؛ لأن أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى بما يجب على الناس أن يصدقوا به من معاني الكمالات الإلهية؛ وتنزيه ذاته U؛ وما وصف به نفسه I؛ لا تدركه الأرواح فضلاً عن العقول، فأخبار الرسل يجب الإيمان بها أوَّلاً؛ لأن الإيمان هو المدخل لتلقي تلك المعاني عِلْمًا، وغيرُ المؤمن لا يتلقاها.

لماذا لا يُدْرَك ذلك للعقول والأرواح؟:

والإجابة: لأن النفوس لا يمكنها أن تتصور رسومه أو تبين معانيه قبل التصديق الذي هو الإيمان؛ والإقرار الذي هو حجة على التصديق، بل وقبل مجاهدة النفس لتزكيتها وتطهيرها من كثافة الجهل، وظلمات العقائد الباطلة والآراء الفاسدة والحظوظ والأهواء.

ونلاحظ أن الإمام ذكر شيئين: التصديق، والإقرار، وبيَّن أن التصديق الذي هو: الإيمان، فما هو الإقرار الذي هو: حجة على التصديق؟.

وهنا نقول:

المراد بالإقرار: الالتزام والاعتراف، وفي الإيمان والإقرار قال تعالى: )وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ( (آل عمران: 81).

خلاصة الأمر أن الإيمان أولاً، وبعد الإيمان فحدِّث عن فضل الله ولا حرج، فالإيمان أصل يسبق ما بعده من المقامات العالية، فإذا علم العبد شيئًا قاس على الإيمانِ عِلْمَه، فما وافق الإيمانَ عَمِل به، وما خالف الإيمانَ تركَه، أما إذا لم يسبق الإيمانُ العلمَ فقد يقيس الإنسانُ الإيمانَ على ما عَلِم؛ وهذا ما لا يجوز البتة، فالإيمان هو الأصل الذي يُقاس عليه، يقول الإمام 0:

جُذِبتُ وهل بعد الشهود بيــانُ

وقد كان قبل الجذب لي إيمـانُ

أشاهد في نفسي معانِيَ قدسـه

وهل بعد كشف حقيقتي تبيـانُ

تستر أنوارُ الصفات معالمـي

فيظهر لي في وجهتي الديـانُ

منهج الأنبياء:

ومنهج الأنبياءُ D دعوة أممهم إلى الإقرار والتصديق أولاً، ثم حثهم على طلب المعارف الحقيقية بدليل قول الله U: )الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ( (البقرة: 3)، ولم يقل سبحانه: يؤمنون بالشهود، ثم حثهم على طلب العلم بقوله تعالى: )فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ( (الحشر: 2)، ثم مدح فقال: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ( (المجادلة: 11).

التصديق بأخبار الملائكة من الرسل أول الإيمان:

وأول الإيمان هو تصديق الأنبياء للملائكة فيما يخبرونهم عنه مما هو فوق إدراك النفوس البشرية قبل أن تخبر الملائكة الأنبياء، فالتصديق بأخبار الملائكة من الرسل عليهم الصلاة والسلام أول الإيمان.

وإذن فالتصديق سابق على الخبر كما قال تعالى: )آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ( (البقرة: 285).

والملائكة متفاوتون في درجات العلوم كما أخبر الله عنهم فقال: )وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ( (الصافات: 164)، قيل: هذه مقولة جبريل للنبيّ J عن معشر الملائكة، وأشرف الملائكة حملة العرش الذين هم في أعلى المقامات في العلوم.

ومع أنهم في أعلى المقامات من العلوم؛ فإنهم أيضًا محتاجون إلى الإيمان كما أخبر عنهم سبحانه بقوله جل ثناؤه: )الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه( (غافر: 7).

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.