معاني وإشارات قرآنية (24)

معاني وإشارات قرآنية (24)

islam wattan . نشرت في المدونة 3851 لاتعليقات

الغشاوة معلومة لغة وهي ما يغشى الأبصار فيخفى عنها الحقائق، والله تعالى يقول: )وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ( (البقرة: 7) أي: غشاها من الظلمة ما حجبها عن رؤية آياته الدالة على كمال قدرته، وعما أظهره سبحانه من المعجزات على يد حبيبه سيدنا محمد J مما جذب قلوب مَن سبقت لهم منه الحسنى…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

القلوب والأسماع أوعية وظروف لحقائق الغيب (2/2)

معنى الغشاوة التي على أبصارهم:

الغشاوة معلومة لغة وهي ما يغشى الأبصار فيخفى عنها الحقائق، والله تعالى يقول: )وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ( (البقرة: 7) أي: غشاها من الظلمة ما حجبها عن رؤية آياته الدالة على كمال قدرته، وعما أظهره سبحانه من المعجزات على يد حبيبه سيدنا محمد J مما جذب قلوب مَن سبقت لهم منه الحسنى.

والغشاوة خاصة بالأبصار، يوضح ذلك قوله تعالى في آية أخرى: )أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ( (الجاثية: 23).

لماذا قدَّم اللهُ السمع على البصر؟:

وقيل: في تقديم السمع على البصر دليل على أنه أفضل فائدة لصاحبه من البصر، فإن التقديم مؤذن بأهمية المقدَّم، وذلك لأن السمع آلة لتلقي المعارف التي بها كمال العقل، وهو وسيلة بلوغ دعوة الأنبياء إلى أفهام الأمم على وجه أكمل من بلوغها بواسطة البصر لو فقد السمع، ولأن السمع ترد إليه الأصوات المسموعة من الجهات الست بدون توجه، بخلاف البصر فإنه يحتاج إلى التوجه بالالتفات إلى الجهات غير المقابلة.

الفيض والقابل وأقسام الناس:

وهنا إشارة – ذكرها الإمام أبو العزائم حال تفسيره لتلك الآية – إلى أن الله تعالى قدَّر للسعادة العظمى قابلاً في العبد وفيضًا مقدسًا منه:

فمَن لم يتفضل اللهُ عليه بالقابل حُرم السعادة ولو كان من قرابة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

ومَن مُنح القابل ولم يتيسر له الفيض المقدس على يد مرشد دال حُرم السعادة أيضًا.

فالله سبحانه بعث حبيبه J فانقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:

1– قسم سبقت لهم الحسنى وهم الذين انتفعوا برسول الله J، وقد أثنى الله عليهم بقوله: )هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ( (البقرة: 2) إلى قوله: )وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (البقرة: 5)، يقول الإمام في حكمة من حكمه: لاَ بُدَّ لِلإِنسَانِ مِنَ اثْنَيْنِ لِلرُّقِيِّ: قَلْبٍ مُخْلِصٍ؛ وَجِسْمٍ مُقْتَدٍ بِرَسُولِ اللَّهِ J.

2- وقسم حُرم الانتفاع وسُجل عليه القضاء بالكفر وهم المذكورون في هذه الآية ممن قُدر عليهم أن يؤذوا الرسل عليهم السلام؛ وهم قوم مخصصون؛ لأن مَن أثنى اللهُ عليهم كانوا كفارًا قبل بعثة رسول الله J فأسلموا وحَسُن إسلامُهم.

3- وقسم ثالث مُنِحوا الفيض وحُرِموا القابل فمالت بهم الأهواء وهم المنافقون الذين لم تَصْفُ جواهر نفوسهم فتتصور رسوم المعلوم تصورًا يقوى به اليقين؛ لأن الإيمان لون واحد، والكفر لون واحد، والنفاق ألوان متعددة.

لماذا أفرد الله السمع وجمع الأبصار:

السمع ليس هو الآذان، فلا يطلق على الآذان سمع، ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله تعالى: )يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم( (البقرة: 19)؛ وقوله: )وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ( (فصلت: 5)، فلما عبر بالسمع أفرد بخلاف القلوب والأبصار، فإن القلوب متعددة، والأبصار جمع بصر.

ويجيب الإمام أبو العزائم عن إفراد الله السمع وجمع الأبصار – في قوله تعالى: )خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ( (البقرة: 7) – بأن المراد هنا: السمع الذي يسمع به عن الحق سماع قبول، لا الأسماع التي تسمع داعي الشهوة؛ والحظ؛ والعلو في الأرض؛ والهوى، وجَمَع الأبصار لأنها لا تشهد ما يدل على الحق صريحًا كالسمع.

والسمع يصغى إلى كلام الله تعالى الدال على كماله وجماله وجلاله وبهائه وضيائه ونوره، بل ويصغى إلى الإشارات؛ بخلاف الأبصار؛ فإنها إنما ترى المظاهر فتوصل صورها إلى الخيال، والخيال يمثلها للعقل، والعقل يوصلها إلى جوهر النفس؛ فتحكم بحسب صفائها أو شوبها، فقد يرى البصرُ الحقيقةَ فتصل صورتها إلى النفس فتحكم بشهوة، وقد تصل صورة تلك الحقيقة إلى نفس أخرى فتحكم بعطف ورحمة، وتصل إلى نفس أخرى فتحكم ببدائع إبداع صنع الله تعالى وعجائب قدرته، ولهذا جمع الأبصار؛ وأفرد السمع.

يقول 0:

سمعتُ فأحياني السماعُ وقادَنِـي

إلـى حُـظـوةِ الزُّلْفَى بلا تحديد

سماعٌ به كَانَ الطهورُ يُـدار لِي

بـه جُذِبَتْ رُوحِي إلـى المعبود

وصدق الله العظيم إذ يقول: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ( (الأنفال: 24).

لا يجوز لنا أن نحكم ولا نقطع على الله تعالى بشيء:

والعذاب العظيم الوارد ذكره في قول الله تعالى: )وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ( (البقرة: 7) هو النكال الشديد، وهذا خبر من الله تعالى توعد به أهل الكفر، وهو أرحم الراحمين فقد يرحم ويغفر.

فلا يجوز لنا أن نحكم ولا نقطع على الله تعالى بشيء، ولا أن نوجب لنا عليه شيئًا، إنما نحن بين عدله وفضله، وبمشيئته واختياره، إن حقق علينا وعيده فنحن أهل ذلك، وإن غفر لنا فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، والعقل لا يبلغ أسرار أقدار الله تعالى ولا حكمة تقديره.

يقول الإمام في قصيدة له:

فلظى بالعدل تولي

والنـعيم لمن تريد

ويقول في حكمة من حِكَمه: “أنت عَدَم إذا عامَلَكَ بعدله، ومَلَك إذا لاحَظَكَ بفضله”.

ومن دلائل السعادة وسابقة الحسنى التسليم لله فما أَخبر، وطاعته فيما أمر، والمسارعة إليه بما يحب من غير شك ولا ريب ولا تحكيم للعقل، فهو يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء لحكمة تخفى عن الأرواح فضلاً عن العقول.

حفظنا الله تعالى مما يغضب الله ورسوله J ومنحنا التسليم، قال سبحانه: )فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( (النساء: 65).

ومما يجب أن نحكِّم اللهَ ورسولَه فيه ما شجر بين عقولنا وأنفسنا، وبين الخيال والوهم، والحس والجسم، بل وبين كل تلك الحقائق وبين ما جاءنا به رسول الله J.

– و”الخيال” في الإنسان هو مرآة المحسوسات، و”الوهم” هو مرآة المعنويات-.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.