ما استعصى على قوم منالٌ إذا الإقدام كان لهـم ركابا (6)

ما استعصى على قوم منالٌ إذا الإقدام كان لهـم ركابا (6)

islam wattan . نشرت في المدونة 2207 لاتعليقات

عرضنا فيما سبق أسباب قيام وانهيار الحضارة في المفهوم الغربي وعوامل قيامها وانهيارها في المفهوم الإسلامي، وشرعنا في عرض خصائص المجتمع الجاهلي، وعرضنا كيف بنى رسول الله o الأمة الإسلامية، وفي هذا اللقاء نعرض حال الأمة الإسلامية في الوقت المعاصر.

سماحة السيد علاء أبو العزائم

عرضنا فيما سبق أسباب قيام وانهيار الحضارة في المفهوم الغربي وعوامل قيامها وانهيارها في المفهوم الإسلامي، وشرعنا في عرض خصائص المجتمع الجاهلي، وعرضنا كيف بنى رسول الله o الأمة الإسلامية، وفي هذا اللقاء نعرض حال الأمة الإسلامية في الوقت المعاصر.

الأمة الإسلامية.. هكذا كانت فكيف أصبحت؟

لقد جرت على الأمة الإسلامية عبر تاريخها أهوال وخطوب تجاوزتها وتخلصت منها بتمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها سيدنا ومولانا محمد o، وما يجري اليوم على أمتنا امتحان وبلاء، ونحن بحاجة إلى عودة صادقة إلى مصدر عزنا وفخرنا ودستور حياتنا، عودة إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وهدى الأئمة الهداة كي نتغلب على ما يحيط بنا من البلاء وما يعصف ببلاد المسلمين من الرزايا والمحن.

لقد كان الرعيل الأول من هذه الأمة فئة قليلة مستضعفة، يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم ربهم وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات كما قال سبحانه: )وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (الأنفال: 26)، ولقد كان هذا الإيواء الإلهي تحقيقًا لوعد الله لهذه الأمة متى آمنت وعملت الصالحات أن يستخلفها في الأرض ويمكن لها دينها الذي ارتضى لها، ويبدل خوفها أمنًا متى حققت العبودية لله وحده، كما قال جل وعلا: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( (النور: 55).

لقد كانت الأمة قبل الإسلام قبائل متناحرة متباغضة متعادية فألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا.

لقد ارتفع الرعيل الأول إلى مستوى متقدم من الرقي لم يسبق له مثيل بفضل تمسكهم بدينهم وأخذهم بهذه الشريعة المباركة: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهَِ( (آل عمران: 110)، نتذكر اليوم حال أسلافنا وما هم فيه من النعم التي سعدوا بها، نعمة النصر والتأييد رغم قلة عددهم وعتادهم فأثابهم الله من لدنه فضلاً عظيمًا وجعل لهم العزة والمنعة.

نتذكر ذلك ونحن في عصرنا الحاضر نداوي جراح أمتنا ونرى النعم في بعض بلاد المسلمين تتغير وتتبدل وتحل بهم النكبات والويلات فعاد إليهم التعادي والتباغض والتقاتل وبدل الله عزتهم ذلة وقوتهم ضعفًا، )وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ( (فصلت 46)، )ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ( (الأنفال: 53).

إن الالتزام بالدين والنصر عند المسلمين قرينان لا يفترقان: )إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ( (محمد: 7)، لقد قدر الله لنا أن ننعم بالأمن والاستقرار متى استقمنا على شرع الله فلا يهدأ للأمة بال ولا يقر لها قرار إلا بالأمن والأمان، ومتى دب الخوف والنزاع والشقاق في بلد ترى أهله يفرون منه طلبًا للأمن على أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم تاركين أرضهم وديارهم، فأرض لا تعرف الأمن هي صحراء قاحلة وإن كانت ذات جنات وارفة الظلال تجري من تحتها الأنهار، وأرض تنعم بالأمن وتهدأ فيها النفوس وتطمئن لها القلوب فهي واحة غناء وإن كانت قاحلة جرداء.

ونحن اليوم في هذا العالم المضطرب المتغير أقدر على معرفة قيمة الأمن، ما كادت فترة وجيزة تنقضي حتى ظهرت الفتن واتسع نطاق المحن.. خلفت بعدهم خلوف تفرقت بهم السبل وأعرضوا عن منهج الرسل، وضلت بهم الأهواء واستحكمت فيهم الآراء. كثرت بينهم الخلافات حتى فرطوا في جنب الله فانفرط عقدهم أمام أعداء الله الذين يسعون لإطفاء نور الله: )وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ( (التوبة: 32)، ولا تزال مآسي أمتنا وجراحات إخواننا تنزف في عصر ضاعت فيه المقاييس وانقلبت فيه الموازين حتى تقاعس المسلمون عن حقوقهم وأصيبوا بالذهول والحيرة لهول المصيبة، ومن يتابع هموم الأمة وما حل بها من نكبات ويرى ويسمع ما يحاك ضدها من ويلات يصاب بالأسى والحزن وهو يرى تلك الصراعات المتناحرة والمظاهرات الهائجة والخلافات الدائمة على قدم وساق.

لقد حذر المصطفى J من تداعي الفتن في آخر الزمان، ووصفها بقطع الليل المظلم لما فيها من الظلم والعدوان، والعالم اليوم وهو يموج في بحر متلاطم من الفتن يقع في هذا المعترك الخطير بعد أن فتحت الفتنة أبوابها، واتجه الناس إلى تحكيم الهوى بدل العقل والحكمة، وقدموا مصالحهم الخاصة على مصالح المسلمين العامة فثارت ثائرتهم دون أن يقدروا حجم المفاسد والأضرار التي ستعيدهم إلى الوراء مئات السنين.

إن سلاح الأمة في بناء مجدها وحضارتها هو سلاح الائتلاف والوحدة وترك الخلاف والفرقة، والتعاون والوفاق وترك النزاع والشقاق، وكلما سادت هذه الفضائل في الأمة حكامًا ومحكومين ساد الأمن والرخاء، والله تعالى يقول: )وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ( (الأنفال: 46).

وإن مما تعاني منه الأمة اليوم فوق تلك الصراعات تلك الشائعات الكاذبة والأخبار الملفقة التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة من أجل زعزعة الأمن وإحداث الفوضى والاضطراب في بلاد المسلمين والله تعالى يقول: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ( (الحجرات: 6).

إنه لا حياة للإنسان إلا بحياة قلبه، الحياة الحقيقة حين يعمر قلبه بالإيمان، وحين تقوى صلته بربه وخالقه وينقاد لأوامره ويستجيب لندائه، حين يعلم حقيقة الإسلام في وقت الناس فيه أحوج ما يكونون للتمسك بعقيدتهم والدفاع عن دينهم، حين يتهم الإسلام بما ليس فيه، وحين يتخاذل المسلمون عن رد شبه المغرضين وأباطيلهم، حين يتسابق الناس إلى الدرهم والدينار فينشغلوا بالدنيا عن الدين، حين يدب الضعف في صفوف المسلمين بسبب بعدهم عن دينهم وتقصيرهم في جنب الله هذا أشد ما يخاف على هذه الأمة، حين تسعى للدنيا وتنسى الآخرة قد أصابها الغرور بتلك الحضارة الزائفة، حضارة التسلط والاستبداد والاستغراق في الشهوات والملذات تحت مظلة التقنيات والآليات والمادية البحتة مع التنكر لقيم الإسلام وتعاليمه السمحة.

لقد ابتليت عدد من بلدان العالم اليوم بفتن هوجاء أهلكت الحرث والنسل، واكتوت بنارها بعض بلاد المسلمين، وهو ما نسمعه ونشاهده على الساحة، وقد أثبتت تلك الأحداث مدى صدق انتماء الشعوب لأوطانها وحكامها، )وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ(، ولا يخفى على عاقل فضل الصبر على الشدائد والمحن ومواجهتها بالعقل والحكمة، فواجب على الأمة أن تراجع واقعها وتعمل على إصلاح حالها، وتبحث عن موطن الخلل في حياتها وتعود إلى صوابها. فالرجوع إلى الحق فضيلة وخير من التمادي في الباطل.

لا يزال الخير بالمسلمين – والحمد لله – وفيهم طائفة لا تزال على الحق منصورة بإذن الله لا يضرهم من خذلهم متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله J متفقهين في الدين قد أقاموا الحجة وأوضحوا المحجة، فعلى كل مسلم أن يوقن بأن كل متكبر دون الله فهو صغير، وكل غني إليه هو فقير، وكل متعاظم بعده هو حقير، ويوم أن هانت الأمة عند ربها هانت عند أعدائها، وصدق الفاروق 0 إذ يقول: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمن ابتغى العزة من غيره أذله الله.

إن أحوال المسلمين وأوضاع الأمة تبعث على الأسى والقلق وجراحات المسلمين تصيب المسلم بالحسرة والأرق فالله المستعان([i]).

حال الأمة الإسلامية المعاصر

ينبغي أولاً أن نعلم أن أمَّتنا الإسلامية اليوم تحيا في مرحلة حرجة من مراحل التاريخ، وتعيش في الوقت ذاته واقعًا مريرًا، كما أنها تحيا حياة الذل والهوان والاستكانة، وترضخ لما يُملَى عليها من أعوان الكفر والإلحاد من كلِّ أمة، ومن كلِّ جنس ولون، ولا تزال أمَّتنا تأكل فتات الموائد العالمية، وما زالت أيضًا هي القصعة المستباحة لكلِّ الأمم من الشرق أو الغرب؛ كما أخبر بذلك النبي J منذ ألف وأربعمائة وثلاثين سنة في حديث القصعة المشهور والمحفوظ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

روى الإمام أحمد في “مسنده” عن ثوبان 0 قال: قال رسول الله J: (يوشِك أن تداعَى عليكم الأمم من كلِّ أفق، كما تداعَى الأكلة على قصعتها)، قلنا: يا رسول الله، أمن قلَّة منَّا يومئذ؟ قال: (أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تُنزَع المهابة من قلوب عدوِّكم، ويُجعَل الوهن)، قالوا: وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهة الموت).

وها نحن اليوم نرى تلك الهجمة الشرسة الجديدة من أعداء الله ورسوله J من الشيوعية المادية الملحِدة، والصهيونية العالمية الماكرة، والصليبية الجديدة الخادعة، وغيرهم من العملاء والأذناب.

وأمة الإسلام اليوم في الوقت ذاته أمَّة شاردة عن رسالتها، غافلة عن غايتها، حيث نراها تتخبَّط ذات اليمين وذات الشمال، وعدوُّها اللدود باسِط إليها ذراعيه بالفِتَن والشهوات، فهي أمَّة صارت ممزَّقة فيما بينها، مزَّقتها الحدود والسدود، ومزَّقتها مؤامرات الأعداء المخطَّطة للنَّيْلِ منها، وأصبح بأسُها بينها شديدًا، وحالها لا يخفى على قريب أو بعيد.

فهي أمَّة تلعب في أشهر الملاعب العالمية، وترقص على أشهر وأرقى المسارح العالمية، وهي كذلك مترنِّحة بين الشيوعية مرَّة، وبين الصليبية مرَّة، وبين الصهيونية أخرى، وبين العلمانية رابعة وخامسة.

إن الحال الذي آلَ إليه واقع أمَّتنا، وجعلها تغرق فيه قرونًا طويلة، لن يغيِّره ما يكتب العلماء في مصنَّفاتهم فقط، ولا الأدباء في هجائهم ورثائهم، ولا ما تنشره الصحف والمجلاَّت من مقالات ساخنة، ولا ما يلقيه الوعَّاظ في وعظهم وتذكيرهم، أو الخطباء في حماسهم وإنذارهم، وإن كنَّا نؤمن أن ذلك كله من وسائل التغيير والإصلاح.

ولكن كل هذه الوسائل لن تجدي من الإصلاح والتغيير شيئًا، إن لم يكن لها ما يؤهِّلها من قواعد وأسس ترتكز عليها أولاً، وتعمل وتنطلق من خلالها، ومن ثَمَّ تستمدُّ قوَّتها، وتُعِيد بناءها، وترفع لواءها، وتستعيد مجدها وكرامتها المسلوبة منذ قرون.

إن أدقَّ تشخيص لحالة أمَّتنا اليوم – كما أشار أحد الكتَّاب المعاصرين – هو أننا مُصابون بما يُشبِه الشلل المعنوي والفكري في جميع أجهزتنا الأخلاقية، وملكاتنا النفسية، ومواهبنا الشخصية، وطاقاتنا العقلية، والعملية والعلمية، وكذا الاقتصادية والعددية، والروحية، كلُّ ذلك يجعلنا في عجز عن الحراك الصحيح نحو تحقيق أهدافنا، وتأكيد وجودنا، وإثبات ذاتنا، مع أنه من الواجب على المسلم أن يدرك وأن يعي ما يخطِّطه أعداء الإسلام والمسلمين، من الكيد لأمَّة الإسلام والنَّيْلِ منها، فإن الداعية إن لم يدرك حقيقة المعركة، وحقيقة المؤامرة، فهو في غفلة عن واقعه الذي يعيش فيه، ويحيط به، وإلا فإن عليه أن يعي كلَّ ذلك، وأن يضع في الاعتبار في دعوته أن يتحرَّك بصدق لهذا الدين، وأن يوقظ النائمين بصوت إسلامه، وصوت قرآنه الذي يحمله بين جانبيه، وبكمال شريعته، وبواقعية منهجه، وبسهولة تطبيقه وممارسته.

إن تبليغ الحق للناس، وتعريَة الباطل لهم، وكشف زيفه، وإبراز وجهه القبيح – يُفسِد على أعدائنا طريقهم الماكر، وكيدهم الخبيث، وتخطيطهم المحكَم الذي يزعمون، وصدق الله  تعالى: )فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ( [الروم: 30].

وهنا يجسِّد واقع الأمة الإسلامية وصورتها الشيخ أبو الحسن الندوي – رحمه الله – فيقول: “ورضي عامَّة المسلمين بأن يكونوا ساقة عسكر الجاهلية بدل أن يكونوا قادة الجيش الإسلامي، وسرت فيهم أخلاق الجاهلية ومبادئ الفلسفة الأوربية سريان الماء في عروق الشجر والكهرباء في الأسلاك؛ فترى المادية الغربية في البلاد الإسلامية في كثير من مظاهرها وآثارها.

ترى تهافتًا على الشهوات ونهمًا للحياة، نهم مَن لا يؤمن بالآخرة، ولا يوقن بحياة بعد هذه الحياة، ولا يدَّخر من طيباتها شيئًا، وترى تنافسًا في أسباب الجاه والفخار، وتكالبًا عليها، فعل مَن يغلو في تقويم هذه الحياة وأسبابها.

وترى إيثارًا للمصالح والمنافع الشخصية على المبادئ والأخلاق، شأن مَن لا يؤمن بنبيٍّ ولا بكتابٍ، ولا يرجو معادًا ولا يخشى حسابًا.

وترى حب الحياة وكراهة الموت، دأب مَن يعدُّ الحياة الدنيا رأس بضاعته، ومنتهى أمله ومبلغ علمه.

وترى افتتانًا بالزخارف والمظاهر الجوفاء، كالأمم المادية التي ليس عندها أخلاق ولا حقيقة حية، وترى خضوعًا للإنسان، واستكانة للملوك والأمراء ورجال الحكومة والمناصب، وتقديسهم شأن الأمم الوثنية وعبَدَة الأوثان”.

أسباب ضعف الأمة الإسلامية

وحقيقة الأمر أن الوهن والضعف والتخلف الذي أصاب الأمة الإسلامية كانت له عِدَّة أسباب وعوامل، كان من أبرزها وأهمها:

أولاً: سوء الفهم للإسلام وعقيدته وشريعته وأحكامه:

وهذا الداء العُضَال دبَّ في الأمَّة الإسلامية منذ العصور الأولى للإسلام؛ حيث كان من أوَّل مَن وقع فيه الخوارج الذين خرجوا على خلافة سيدنا علىٍّ A وكفَّروه وادَّعوا بأنه حكَّم الرجال في دين الله، وقد ناظَرَهم وأقام عليهم الحجَّة وبيَّن لهم جهلهم الكبير بحقيقة الاستدلال وفَهْمِ الكتاب والسنة، وغيرهم من هذه الفِرَق والمذاهب التي وقعتْ بسبب سوء الفهم فيما وقعتْ فيه من البِدَع والأهواء والضلالات.

وقد تأثَّر المسلمون كثيرًا على طول الزمان بأفهام مغلوطة وقاصِرَة عن فَهْمِ حقائق الإسلام كما جاءت في الكتاب والسنة، ففهموا العقيدة على أنها لا تعني سوى القول باللسان، وأنه يكفيهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، موقنة بها قلوبهم دون اعتبار لأيِّ عمل في ظواهرهم يثبت انتماءهم لهذه الكلمة، ولم يبصروا أن قول: لا إله إلا الله أمان في الدنيا، وقولها والعمل بها أمان في الدنيا والآخرة، وفهموا الإيمان بالقَدَر على أنه اتِّكال على عفو الله وكرمه، وأنه ترْك للسعي والتعمير في الأرض؛ لأن الدنيا آخِرتها فناء، والسعادة الأبدية إنما تكون حقيقة في دار الجزاء والنعيم، فلا داعي إذًا للعمل والتعمير والبناء، وفهموا أن السياسة الإسلامية الشرعية لا تعني سوى إدارة الحكم والسلطان فحسب، وفهموا أن قول الحق لا يعني إلا الخطابة والوعظ وتعليم العلم الشرعي، وتركوا الساسة والحكَّام والظالمين يفعلون ما شاءوا دون حسيب أو رقيب يردعهم عن طغيانهم وظلمهم، إلا قلَّة قليلة من الصادقين من أهل العلم والصدع بالحق.

ومن هنا تركت الأمَّة ميادين الحياة كلها إلا قليلاً ممَّا كانت عليه، وتكاسَلت وتأخَّرت عن دورها الرائد في قيادة العالم كما كانت في القرون السالفة، في حين أن أوربا وما جاوَرَها بدأت في يقظة سريعة بعد طول سبات وجهل، بدأت في خطوات تسعى نحو الحضارة المادية والمدنية، تسابق الريح والعواصف.

فجاءت الكارثة لمَّا تحولت عندها دفَّة القيادة من أهل العلم وأصحاب الوحي الرَّبَّاني، الذين فتحوا الدنيا شرقًا وغربًا، وملكوها قرونًا وأحقابًا من الزمان، وبرعوا في كلِّ ميادين الحياة والعلوم، تحوَّلت إلى الرجل الغربي الذي لا يعرف من دنياه سوى الطعام والشراب والشهوة، ولا شاغل له سوى المادة واللهث وراء الثروات، وما أدّى بالأمة إلا سوء فهمها لحقيقة رسالتها التي ابتعثها الله تعالى من أجلها من إقامة العبودية لله تعالى وإعمار الأرض، فتركت العالم والعلم وانشغلت بالشهوات والكراسي والسلطان، واتَّكلت على سعة عفو الله ومغفرته.

ثانيًا: التآمر الصليبي والصهيوني ضد العالم الإسلامي:

وهنا نؤكِّد بدايةً أن حديثنا في هذا المحور لا يعني إطلاقًا أننا نلقي بالتبعات على الأعداء وتآمرهم على المنهج الإسلامي، لكننا نؤكِّد سنَّة من سنن الله الجارية، وهي سنَّة التدافع بين الحق والباطل؛ )وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ( [البقرة: 251].

لقد بدأت الغارات التترية والصليبية على جسد الأمة والعالم الإسلامي، وثارت العداوات وأشعلت الحرب نيرانها ضد الإسلام والمسلمين، حقدًا وحسدًا، وطمعًا في جمع خيرات العرب والمسلمين، فسخَّر الله لها رجالاً وأعوانًا من السادة الصوفية أعادوا للأمَّة عزَّتها ومجدها، ووقفوا بالمرصاد بصدق إيمانهم وعودتهم إلى شريعة الإسلام، فجاء سيف الدين قطز وتصدَّى بإيمانه وعزيمته، فكان النصر والظفر، ووقف أمام المدِّ الصليبي عماد الدين زنكي الذي تصدَّى لهم في معارك مختلفة.

ثم قاد الزمام من بعده نور الدين محمود زنكي الذي خطَّ خطًّا قويًّا للدفاع عن بلاد الإسلام والمسلمين، فاتَّخذ قرارًا بإجلاء الصليبيين من بلاد الشام والعمل على استعادة المسجد الأقصى من قبضتهم، ولكن جاءه الأجل، فأكمل المسيرة من بعده صلاح الدين الأيوبي، وقد أدرك المخاطر الكبيرة التي أحاطت بالعالم الإسلامي يومها؛ فقام بالتخطيط والاستعداد الإيماني والعسكري وبالصدق مع الله تعالى بالوقوف والزحف نحو الصليبيين وبيت المقدس، بعد أن أعلن عن الجهاد في سبيل الله تعالى فانضمَّ العالم الإسلامي تحت لوائه ورايته، يطلب رضا الله والجنة، ورد عزَّة الإسلام والمسلمين، فكانت الغَلَبة والنصرة التي أعادت المسجد الأقصى وحرَّرت بلاد الشام، وحصلت النكاية لأعداء الإسلام.

ثم جاء من بعده نكوص آخر في الأمة الإسلامية، حتى العصر الحديث، فتآمَر المد الصليبي بأحقاده الدفينة مع المد والفكر الصهيوني، بالوقوف مرَّة أخرى أمام العالم الإسلامي وشن الحروب العسكرية عليه.

ولكنهم جاؤوا مع ذلك بنوع جديد من الحروب الفكرية، والثقافية التي غزوا بها جسد وعقول أمَّتنا، فدخلوا على ديار المسلمين بنوعين جديدين من الحروب، وهما حرب الشهوات والشبهات، فأدخلوا دور السينما والمسارح في بلاد المسلمين، ونشروا الفساد الأخلاقي بنشر ثقافة العهر والإباحية، ونشر الأغاني الماجنة، والأفلام والمسلسلات الهابطة، ووظَّفوا جنودًا لهم ينشرون سموم المخدرات بين الشباب المسلم؛ لإضعاف أبدانهم عن الجهاد في سبيل الله – تعالى – ونصرة الإسلام.

وجاؤوا بِمَن سموهم الأدباء والمفكِّرين الذي أسهموا بنشر هذه الثقافات المستغربة بين الأمة وشبابها.

وأمَّا الشبهات فقد استخدموا نفس السلاح من المثقفين والكتاب في بثِّ الشكوك حول الثوابت الشرعية، وأصول الدين، في كونه لا يصلح لهذا الزمان، ولا يصحُّ أن يقود العالم اليوم مَن له حظ من التديُّن والاستقامة، فشكَّكوا في صلاحية قيادة وأحكام الإسلام للسياسات والحكومات، وإدارة فنون الاقتصاد وصورها.

وشكَّكوا أيضًا في مصداقية العدل الإسلامي وأنه ظلم المرأة ولم يوفِّها حقَّها، فابتكروا قضايا ومشكلات للمرأة المسلمة ليس لها في الحق نصيب، ولكنه جهل الأمة بحقيقة دينها وشريعة ربها ونبيها J وزجُّوا بها في ميادين الرجال والأعمال والسياسة والقضاء، وقالوا: لقد حرَّرنا هذه المرأة التي ظُلِمت، وجرَّدوها من لباس حجابها وحيائها، وقالوا: قدَّمنا المرأة خطوة للأمام، وصدَقوا؛ لأنهم قدَّموها إلى الهاوية والرذيلة والفساد الأخلاقي والديني، ومن ثَمَّ سموا ذلك تقدُّمًا وتحرُّرًا، ليخدعوا السُّذَّج والرِّعَاع، ومَن لا خلاق لهم في الدين ولا علم ولا بصيرة.

ولم يكتفوا بذلك، ولكنهم قاموا بحروبٍ متنوِّعة مختلفة يمكن تلخيصها في هذه النقاط:

1- التواطؤ على إسقاط الخلافة الإسلامية وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة.

2- إقامة الدول الإسلامية على أساس غربي وعلماني ونظم وضعية لا تعرف الإسلام.

3- فتح الانتشار التغريبي والتنصيري أمام المستشرقين والمنصِّرين للتشكيك في الإسلام وعقيدته وشريعته، ومن ثَمَّ زعزعة الإسلام في نفوس المسلمين.

4- إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين والقدس ثم ما حولها من الدول، وذلك من خلال نشر الماسونية السرية والروتاري والليونز لإحكام السيطرة على بلاد المسلمين.

5- إحياء الثقافات التاريخية البائدة؛ كالفرعونية والإغريقية والرومانية، والعمل على تمجيدها والافتخار بتراثها وحضارتها، مع تشويه الثقافة الإسلامية ورموزها على طول التاريخ.

هذه أهمُّ وأبرز النكبات التي أفرزها التآمُر الصليبي والصهيوني على بلاد الإسلام والتوحيد؛ لإحكام السيطرة عليها، ومن ثَمَّ العبث بمقدراته وثرواته ونفطه وخيراته([ii]).

فما هو المنهج الصحيح للإصلاح والتغيير، واستعادة مجد هذه الأمة؟، هذا ما سنبينه في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى.

([i]) مقال للكاتب الدكتور إبراهيم بن ناصر الحمود، في صحيفة الجزيرة السعودية في 31 يناير 2014م.

([ii]) أمتنا بين الواقع المعاصر وطريق العودة، للشيخ عاطف عبد المعز الفيومي، على موقع الألوكة الإلكتروني.

 

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.