مـا استعصى على قوم منالٌ إذا الإقدام كان لهـم ركابا (2)

مـا استعصى على قوم منالٌ إذا الإقدام كان لهـم ركابا (2)

islam wattan . نشرت في المدونة 1133 لاتعليقات

كل حضارة تصطبغ في منهجها كله، وفي إنتاجها جميعه بلون الفكرة التي منها نشوؤها وتطورها، حتى أنه ليتكون من ذلك في كل حضارة فقه خاص بها يتمثل في منطق داخلي تتكون عليه بنيتها وتتحكم به سيرورتها انفعالاً بالفكرة التي نشأت منها، ويتمايز ذلك المنطق بين حضارة وأخرى، ومعروف لدى فلاسفة التاريخ والحضارة أنّ الحضارة التي تتمخض عن عقيدةٍ ما، يرتبط مصيرها إلى حد كبير بدوافع نشوئها، فإذا ضعف الدافع العقدي أو عانت المعطيات الحضارية من تقطعه وغيابه بهذه النسبة أو تلك فقدت قدرتها على النمو والاستمرار، وتفككت الأواصر التي تشد أجزاءها وتحركها صوب هدفها المرسوم.

سماحة السيد علاء أبو العزائم

 

الرؤية الغربية لعوامل قيام وسقوط الحضارات

1- عوامل قيام الحضارات في الرؤية الغربية:

كل حضارة تصطبغ في منهجها كله، وفي إنتاجها جميعه بلون الفكرة التي منها نشوؤها وتطورها، حتى أنه ليتكون من ذلك في كل حضارة فقه خاص بها يتمثل في منطق داخلي تتكون عليه بنيتها وتتحكم به سيرورتها انفعالاً بالفكرة التي نشأت منها، ويتمايز ذلك المنطق بين حضارة وأخرى، ومعروف لدى فلاسفة التاريخ والحضارة أنّ الحضارة التي تتمخض عن عقيدةٍ ما، يرتبط مصيرها إلى حد كبير بدوافع نشوئها، فإذا ضعف الدافع العقدي أو عانت المعطيات الحضارية من تقطعه وغيابه بهذه النسبة أو تلك فقدت قدرتها على النمو والاستمرار، وتفككت الأواصر التي تشد أجزاءها وتحركها صوب هدفها المرسوم.

فإذا أمعنا النظر في العوامل التي أنشأت الحضارة الغربية أمكننا استخلاص النقاط التالية:

أولاً: حصرت النظريات الغربية نفسها وهي تفسَّر نشوء الحضارات في عاملين يعودان للطبيعة والإنسان، ولا يمكن فهم انغلاق هذه النظريات على هذين البعدين، الإنسـان والطبيعة، إلا بفهم الظروف والبيئة التي نشأت فيها تلك النظريات وهي – أي النظريات – التي شكَّلت التصوّر عن الحياة والكون والوجود ككل، حيث إنّ النظرة للوجود انبثقت من نظرية المعرفة في الفكر الغربي، ومن المعروف أن النظريات العامة عن الوجود في الفكر الغربي ترتد في أصولها الأولى والمنشئة لها إلى التراث اليوناني – الروماني الغارق في الوثنية والتعدّدية، ولقد نتج عن هذا التصور نزعات فلسفية مثل المادية والطبيعية، وهذه النـزعات في مجملها كانت وليدة القول بمحورية الإنسان الفرد الصمد.

ولقد كان من نتائج انحصار الفلسفة الغربية في دراسة الواقع المحسوس أو عالم الشهادة تمركزها حول الذات الإنسانية والطبيعة، فلا غرو أن يُعتبر الجنس أو العرق هو العامل الأساس في إنشاء الحضارة، وأن يكون الجنس الأبيض هو منشئ الحضارة لما يتمتـع به من خـواص حدّدها واضعو تلك النظريات، وأن تدخل الطبيعة هي الأخرى كعامل في نشأة الحضارة، وأن ينشأ صراع بين الإنسان والطبيعة لتتفجر طاقات ذلك الإنسان الفرد الصمد.

وقد أدى هذا الصراع بين الإنسان والطبيعة في الفكر الغربي إلى ظاهرة الإفساد بديلاً للتعمير، حيث إنّ الإنسان في تعامله مع الكون يتحرك وفق تصور إيديولوجي، وذلك في نطاق تصوره للوجود عامة. ولعل ما رافق حياة بعض الناس من تأليه لعناصر الطبيعة منذ القدم إلى الآن يمثِّل أجلى مظهر لعلاقة الإنسان العقدية بالكون، وبناءً على ذلك فإنّ البُعد العقدي للكون يعتبر عنصرًا أساسيًّا في الحضارة من حيث نشوئها وتطورها أساسًا، ومن حيث صبغتها ومنحاها بعد ذلك. وذلك لأنّ الصُّورة التي يحملها الإنسان عن الكون من حيث مأتاه ومصيره، ومن حيث طبيعته وتركيبه، ومن حيث قيمته وعلاقته بالإنسان ستكون هي المحدِّدة لموقف الإنسان العملي من الكون التحامًا به واقتحامًا لمناكبه، أو ابتعادًا عنه وانكماشًا عن السَّعي فيه، واستعلاءً عليه وتسخيرًا لمنافعه أو تخوفًا منه وتذللاً له، وتاريخ الحضارات شاهد على ذلك.

ولقد رسم الإسلام تصوره للعلاقة بين الإنسان والعالم، وهي علاقة تقوم على الوئام والانسجام والتكامل والوفاق والتجانس والالتحام بين الإنسان والطبيعة، بين الجماعة المؤمنة والعالم، فما دامت قوى الطبيعة وطاقاتها قد سُخَّرت أساسًا لخدمة الإنسان ومساعدته على الرقي الحضاري وإعمار العالم فإنّ العلاقة بينهما ليست علاقة قتال وصراع وغزو وبغضاء إنما علاقة انسجام وتقابل وتواصل وتعـاون وتكامل وتكشُّف وتنقيب… إنّ فكرة الصراع بين الإنسان والعالم نظرة غربية صرفة، وهي مهما وضعت في أطر فلسفات شاملة تبدو للوهلة الأولى منطقية ومبررة فإننا بمجرد التوغل في دقائقها ومنحنياتها سنعثر على منطق الصراع، الذي تنبني عليه معطياتها، صراعًا يضعه «هيجل» في عالم الفكر ويبِّرر به أي شوفينية يمارسها شعب أوربي متفوق لاستعباد وقتل الشعوب المستضعفة، ويضعه «ماركس» في ميدان التبدلات المادية ليبرِّر به أي مذبحة تمارسها طبقة ضد طبقة.

والتصور الإسلامي على العكس من ذلك إذ يرى أنه ما دام الإنسان قد خُلق وفق صيغة تشتبك فيها قوى الروح والمادة فإنّ له أن ينطلق في نشاطاته من نقطة التوازن، الذي ينتفي فيه الصراع ويتحول الجهد الإنساني إلى سعي خلاّق من أجل التوحد والتكامل والانسجام. وأنه ما دام قوى العالم – من جهة أخرى – قد سُخِّرت لمهمة الإنسان الأرضية فإنّ علاقة الإنسان به ليست علاقة صراع واقتتال إنما هي محاولة الكشف والتنقيب والاندماج للوصول إلى أكبر قدر ممكن من التفاهم بين الإنسان والعالم بعد الكشف عن سننه ونواميسه الطبيعية.

إنّ مما لا جدال فيه في عصرنا الراهن أنّ الحضارة المعاصرة أفسدت البيئة الكونية؛ لأنّ علاقاتها بالكون تأسَّست على فكرة الصراع والمغالبة دون استصحاب للقيم الأخلاقية فبرزت المشـكلات المستجدة في العالم المعاصر من قبيل المشكلة البيئية، واستنفاد الموارد ومصادر الطاقة المخزونة، وتراكم النفـايات، والتعاظم المتوالي لأسلحة الدمار الشامل والحروب المهلكة للحرث والنسل. وهذا الفساد هو نتيجة للسلوك الإنساني غير الرّاشد: ) ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ( (الروم:41)، ) وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ( (المائدة:64).

ثانيًا: تمّ استبعاد البعد الغيبي في عوامل قيام الحضارة الغربية فتعاملت الحضارة مع عالم الشهادة، واقتصر علمها وقوانينها وتمثلاتها للوجود على المفاهيم الوضعية القائمة على الصراع، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ النظريات الغربية عملت على تضخيم دور الإنسان بجعله مركزًا وإلهًا للكون، كما عملت الفلسفية الواقعية على تضخيم دور الطبيعة فألّهتها هي الأخرى. وهذا يعني أنّ الحضارة الغربية سعت وتسعى لتحقيق اللَّذة والمنفعة للإنسان، أي إشباع غرائزه مع إهمال الجانب الروحي، فظهر تبعًا لذلك الخواء الروحي في العالم المعاصر وتعالت الصيحات المنذرة بالخطر.

ثالثًا: إنّ مقياس التفوق الحضاري لا يكمن في حجم الإنتاج الكمي بقدر ما يكمن في أخلاقية الجماعة المتحضّرة وسعيها لخدمة الأهداف الإنسـانية الشاملة، وهذا ما لـم تنتبه له الحضارة الغربية، إذ إنّها تتجاوز – حتى على مستوى الفكر والفلسفة – حدود الموضوعية الشاملة وتهبط كثيرًا عن أخلاقية الإنسان بما هو إنسان، فتحصر أهدافها ومعطياتها في نطـاق دولة أو عرق معيّن كما هو الحال عند «هيجل»، أو طبقة معيَّنة كما هو عند «ماركس» ورفاقه، أو على أحسن حال في إطار وحدة حضارية معيّنة كما هو الحال عند «توينبي».

رابعًا: وحيث إنّ الحضارة الغربية تتعامل مع المحسوس فقد استحكمت فيها قيم المنفعة واللّذة، ومن ثمّ فإنّ حركتها قائمة على فلسفة الصراع، ذلك أنّ فكرة البحث عن عدو كامنة في فلسفتها.

خامسًا: إنّ انفصال الحضارة عن الدِّين وتحرّرها من سلطانه أفضى ويفضي بها ولا بد إلى انحلال الأخلاق وانحطاطها، عاجلاً أو آجلاً، وقد استحالت الحياة في الغرب – نتيجة لإبعاد الدين – إلى عبثية، فتنامت على ساحتها مشكلات لا يرجى منها برء كانهيار الأسرة وانتشار المخدرات والزواج من ذات الجنس وغيرها من الأعراض، التي صارت تشكو منها المجتمعات الغربية.

سادسًا: ولأنّ الحضارة الغربية أهملت الدين وتعاملت مع المحسوس وفقًا لمنهج المعرفة التجريبية فقد تعاملت مع الإنسان بما فيه من مشاعر بوصفه مادة، ومن ثمّ فقد انعكس ذلك على الواقع الإنساني، يقول «كاريل»: «إنّ الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب؛ لأنها لا تلائمنا، لقد أنشئت دون أي معرفة بطبيعتنا الحقيقية إذ إنهّا تولّدت من خيالات الاكتشافات العلمية وشهوات النّاس وأوهامهم ونظرياتهم ورغباتـهم، وعلى الرّغم من أنّها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنـا».

أما «كولن ولسن» فإنه يقول: «وكنت أنظر لحضارتنا نظرتي إلى شيء رخيص تافه باعتبار أنها تمثِّل انحطاط جميع المقاييس العقلية… انعدام الجانب الرُّوحي في حضارتنا الماديـة».

سابعًا: لا مخرج للحضارة الغربية من الانهيار والتدهور، الذي بدأت تستعظم أخطاره في نظر «البرت شفيتسر»، إلا بإيجاد نظرية كونية تسيِّر حركتها.

2- عوامل سقوط الحضارات في الرؤية الغربية:

تجمع معظم مذاهب التفسير الوضعي على القول بحتمية سقوط الحضارات، فـ«ماركس» يخضع حركة التاريخ، بدولها وحضاراتها وتجاربها، لحتمية تبدل وسائل الإنتاج وانعكاسه على الظروف، ويرى أن كل وضع تاريخي مآله الزوال بمجرد هذا التبدل الديناميكي «الحركي» الدائم، لكن ما يلبث «ماركس» أن يقع في تناقض أساس مع نظريته عندما يقرَّر الدوام والثبات لمرحلـة حـكم الطبقة العاملة حيث لا زوال بعدها.

أما «شبنجلر» و«توينبي» فيؤكدان حتمية السقوط كأمر لا مفر منه، غير أنّ «توينبي» يقع هو الآخر في تناقض حينما يؤكِّد أنّ هناك أملاً في بقاء الحضارة الغربية المعاصرة بوجه الأعاصير، حيث إنه نظر إلى بقية الإشعاعات اللاهوتية الكامنة فيها فقرّر أزليتها؛ وذلك لأنّ كل مادة وكل وقود يتحول إلى إشعاع.

وقد أرجع توينبي سقوط الحضارة إلى ثلاثة أسباب هي:

1- ضعف القوة الخلاقة في الأقلية الموجهة وانقلابها إلى سلطة تعسفية.

2- تخـلي الأكثـرية عن مـوالاة الأقلية الجديدة المسيطرة وكفّها عن محاكاتها.

3- الانشقاق وضياع الوحدة في كيان المجتمع كله.

وفي دور انحلال الحضارات فإنّ الفساد يدب في أرواح الناس، ويطرأ على سلوكهم ومشاعرهم وحياتهم تغيير جذري، ويحل محل الصفات الباهرة والقوى المبدعة التي كانت تزخر بها ذواتهم في دور النمو الحضاري ثنائية من النزعات والمواقف العقيمة المتناقضة، ثنائية في السلوك تتقاذف نفوس الأفراد بين استسلامها المطلق لمشيئة المقادير الجارية وبين انضباطها انضباطًا شديدًا بالإرادة القاهرة، وثنائية في الشعور تتقاذف قلوب النّاس، وفي هذا الدور يتعرّى الفساد الروحي أيضًا عن فوضوية تعم الأخلاق والعادات، وانحطاط يسود الآداب والفنون واللغات، ومحاولات عقيمة للتوفيق بين مختلف الديانات والفلسفات. وتسعى الأقلية المسيطرة في حالات معينة إلى أن تفرض بالقوة على رعاياها فلسفة خاصة أو دينًا مختارًا ولكنها تخفق في محاولتها هذه باستثناء حالة شاذة تتمثل في الكيفية التي انتشرت بها الدعوة الإسلامية بين الأمم المغلوبة.

وحتمية سقوط الحضارة الغربية ترجع إلى النظريات التي تأسست في ضوئها تلك الحضارة، التي ارتبطت بقدرات الإنسان والطبيعة، ومن ثمّ فقد تحكمت تلك التفاسير في سيرورة الحضارة، كما تحكمت في نشوئها ابتداءً. وعلى الرغم من أنّ الحضارة المعاصرة تعيش مأزق تعاملها مع المحسوس واقتصارها على عالم الشهادة وعجزها عن الإجابة على الأسئـلة الكليِّة، إلا أنّ هنـاك من نظر إلى بقية الإشعـاعات اللاهـوتية الكامنة فيها فقرّر أنّ الحضارة الغربية باقية وأزلية، وذلك لأنّ كل مـادة وكل وقود يتحوَّل إلى إشعاع، أما بقية الحضـارات فهي إمـا مهـددة بالزوال والانقراض أو الذوبان في الحضارة الغربية.

وخلاصة الأمر؛ إنّ ذات العوامل التي قامت عليها الحضارة الغربية هي في الوقت ذاته العوامل التي أدت إلى تدهورها وستؤدي حتمًا إلى زوالها.

الرؤية الإسلامية لعوامل قيام وسقوط الحضارات

1- قيام الحضارات في الرؤية الإسلامية:

إنّ قيام أو سقوط الحضارة – كما سبق أن ذكرنا – يكمن في صميم الموقف البشري نفسه لا في الطبيعة أو العلاقات المادية، إنما في إطار الإرادة الإنسانية، فقد استخلف الله الإنسان في الأرض لأداء دوره الحضاري فيها، ومن ثم فإنّ أسباب تقدّم المجتمع وأسباب تأخره وانحطاطه تعود للإنسان نفسه، وقد أكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة وهو يتحدث عن الأرضية التي تبذر فيها بذور الرُّقي والانحطاط حيث أكدّ أن أي تغيير في عالم الشهادة يبدأ من نفوس النّاس، سـواء كان ذلك نحو الأحسـن أو نحو الأسـوأ، ففي سورة (الرعد:11) يذكر: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ(، وفي سورة (الأنفال:53) يذكر: )ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ( وصورة ذلك أنّ الانقلاب إلى الرُّقي أو الانحطاط له درجتان:

الأولى: درجة الانقلاب الذهني أو النفسي.

والثانية: درجة الانقلاب العملي أو الخلقي.

والأول يتعلق بالتغيير الداخلي، والثاني يتعلق بالتغيير الخارجي، أي أنّ الأمة إذا تدرجت إلى الرُّقي فإنّ إصلاح القوى الداخلية يتحقّق في البداية، وتتغير الأفكار والأحاسيس والتصورات للحياة ثم تنشأ الجواهر، وحينما تصاب أمة بالذل والنكبة تفسد أولاً قواها الدَّاخلية ويتغيرَّ الفكر والنظم ثم تنشأ الجراثيم التي تقضي على أهلية الحياة بالتدرج كذلك. أي أنّ بقاء الأمة مرهون بصلاحها داخليًّا أولاً ثم خارجيًّا بعد ذلك. وفناؤها مرهون بفساد نفوسها أولاً ثمّ فساد أعمالها بعد ذلك، فسنة الله في خلقه أنّ الصالح يبقى؛ لأنّ فيه للبشرية نفعًا، وغير الصالح لا يبقى؛ لأنه لا نفع فيه: )فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ( (الرعد:17).

وهذا التغيير الداخلي للأنفس هو ما يقوم به الإيمان، إذ إنّ الإيمان هو الوسيلة الوحيدة لتنشئة الأفراد على سيرة محكمة من الدرجة الأولى، وهو الذي يطبع الأفراد على الصدق والإخلاص والأمانة والعفاف ومحاسبة النفس وضبط نوازعها وإيثار الحق وسعة النظر والقلب وعلو الهمة والكرم والسخاء والفدائية والتضحية والتواضع والخضوع والشعور بالواجب والاستقامة والشجاعة والبسالة والقناعة، والاستغناء، وعاطفة السَّمع والطاعة واتباع القانون، ويؤهلهم لأن يبرز بهم إلى حيز الوجود أحسن مجتمع وأطهره.

إنّ مما لا شك فيه أن تغيير عالم الأنفس لا يتم إلاّ وفقًا لفكرة عن حقيقة الوجود وغاية الحياة وينعكس ذلك على عالم الآفاق فينشأ من دفع الفكرة وتوجيهها نمطًا حضاريًّا معيّنًا، وهو ما أكّده مالك بن نبي بقوله: «إنّ حضارة ما هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضُّر الدفعة التي تدخل به التاريخ، ويبني هذا المجتمع نظامه الفكري طبقًا للنموذج الأصلي لحضارته، أنه يتجذّر في محيط ثقافي أصلي يحدَّد سائر خصائصه التي تميّزه عن الثقافات والحضارات الأخرى».

إذا كانت الحضارة تعتبر وليدة فكرة فإنّ هذه الفكرة ينبغي أن تحمل تصورًا معينًا للإله والإنسان والكون والحياة وللعلاقات الناشئة بينها والتي تشكّل بمجملها علم العقيدة أو الإيمان، حسب المصطلح القرآني.

وقد يتبادر إلى الأذهان تساؤل هو: كيف يكون الإيمان بالله هو الموفّر للشروط النفسية للتعمير والحال أنّ حضارات مشهودة سادت العالم بإنجازاتها وقد قامت بغير إيمان بالله ومن بينها الحضارة الغالبة اليوم؟.

والجواب: إننا لو تفحصنا أمر هذه الحضارات لوجدنا أنّ الشروط النفسية التي كانت منطلقًا لإنجازها لم يتم لها اكتمال فبقيت منقوصة في بعض أركانها، وكان لذلك انعكاس بيِّن في طبيعة بنيتها فإذا هي معيبة من جرّاء نشوئها على غير إيمان بالله بما حملته في نفسها من بذور الفناء تعمل تحت بهرجها بما يؤول بها إلى الضعف والانحلال؛ ذلك أنّ نزوع هذه الحضارة إلى الفعل لم يكن مفضيًا إلى التعمير الشامل، ماديًّا وروحيًّا وأخلاقيًّا، إذ انحصر فعلها الحضاري في الجانب المادي الذي غرضه الأعلى تحقيق الرّفاه وإشباع الشّهوة، وانعكس ذلك سلبًا على أهل تلك الحضارة فإذا بالشعور بالخوف والقلق يسيطران على مجتمعاتها، وما ذاك إلا لقيام الحضارة على أساس غير الإيمان بالله، يقول تعالى: ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ( (طه:124).

وفي الإيمان بوصفه الأساس الذي تقوم عليه الحضارة ترتبط علاقته بالتحـضر بما يحـدثه من آثار في الحيـاة العملية للإنسان، إذ إنه يصبغ الحيـاة كلها بصبغته، ويضـفي عليها من خيِّـرته ما لا تناله أبدًا بدونه: )فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ( (طه:123-124).

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.