معانى وإشارات قرآنية (3)

لقد تعرض لتفسير كتاب الله تعالى أئمة ومفسرون على مدى عصور مضت، وتنوعت التفاسير، فمن ذلك:  التفسير بالمأثور وهو تفسير القرآن بالقرآن نفسه؛ وبالسنة وبالآثار عن الصحابة والتابعين، والتفسير الفقهي، والتفسير بالرأي أو بالدراية أو بالاجتهاد، والتفسير الصوفي الإشاري، والتفسير العلمي، والتفسير الفلسفي، والتفسير الاجتماعي، والتفسير الأدبي...

الأستاذ قنديل عبد الهادى

 

 

أمراض قلبية تمنع العبدَ عن فهم كلام الله تعالى

يقول الإمام الشافعي 0:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي

فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي

وَأخْبَــرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ

ونورُ الله لا يُـهدَى لعاصي

وفي هذا المعنى يخاطبنا الإمام أبو العزائم في سياق وصفه لآل العزائم العاملين بالقرآن بقوله:

[واعلم أنه لا يجد فهم القرآن عبدٌ فيه أدنى بدعة، أو مصرٌّ على ذنب] - الإصرار على الذنب كبيرة من الكبائر يحجب القلب عن ربه، قال تعالى: )كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ( (المطففين: 14 – 15).

[أو فى قلبه كبر] - الكبر منازعة للربوبية -.

[أو مقارفٌ لهوى قد استكن فى قلبه] - قال تعالى: )وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى( (النازعات: 40 – 41)، وفي الحكمة: إذا عرض لك أمران لا تدري في أيهما الرشاد فانظر إلى أقربهما إلى هواك فخالفه، فإن الحق في مخالفة الهوى -.

[أو محبٌّ للدنيا، أو عبدٌ غيرُ متحققٍ بالإِيمان] – الإيمان يجمع بين القول والعمل، فمن لم يكن كذلك فهو غير متحقق بالإيمان، وفي قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً( (البقرة: 208) إشارة إلى أن القلوب صدقت وبقيت الجوارح لم تعمل، فيعلمنا الله أن الإيمان بالقلب وهو التصديق لا يكفى في كمال الإيمان، بل الواجب على كل واحد يدخل في السلم أن ينفذ أوامر الله من العبادات والأخلاق والمعاملات الحسنة حتى يقيم الحجة بأنه مؤمن بالله ومسلم له سبحانه، وبذلك يكون داخـلاً في السلم حقًّا -.

[ولا مَن هو واقفٌ عند مبناه غافلٌ عن معناه، ولا ناظرٌ إلى قول مفسر ساكنٌ إلى عمله الظاهر، ولا راجعٌ إلى معقوله] - أي: يقيد المعاني القرآنية بحسب عقله القاصر -.

[فهؤلاء كلهم محجوبون بعقولهم، مردودون إلى ما يقرر في علومهم، موقفون مع ما تقرر في عقولهم] - على العقل أن يقوم بدوره الذي خلقه اللهُ من أجله، وله أن يتلقى ما هو مؤهَّل أن يتلقاه من العلم مع وقوفه عند حد الأدب، فليس له أن يقيد المعاني القرآنية بحسب أُفُقِه، فإن العقل خُلق لكمال العبودية وليس للإشراف على حضرة الربوبية، وظاهر القرآن يُفهم بنور العقل، وباطن القرآن يُفهم بنور القلب، وحد القرآن يُفهم بنور الروح، ومطلع القرآن يُفهم بالنفخة القدسية -.

من هو العبد الذي يكاشف بمعاني القرآن الكريم؟

وكأن سائلاً سأل: فمن هو العبد الذى يجد حلاوة القرآن ويكاشف بمشاهدته؟، فيجيب الإمام بقوله:

[أما العبد الذى يجد حلاوة القرآن ويكاشف بمشاهدته؛ فهو من قرأ ملقيًا السمع بين يدى سميعه، مصغيًا إلى سر كلامه، شهيدَ القلبِ لمعانى صفات شهيده] - ولعل في ذلك إشارة إلى قول الله تعالى: )إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ( (ق: 37)؛ يعني: لَعِبرة لمن كان له قلب يعقل به, أو أصغى السمع وهو حاضر بقلبه, غير غافل ولا ساهٍ -.

[ناظرًا إلى قدرته، تاركًا لمعقوله، متبرئًا من حوله وقوته، معظمًا للمتكلم، واقفًا على حدوده، مفتقرًا إلى الفهم بحالٍ مستقيم، وقلبٍ سليم، وصفاءِ يقين، وقوةِ علمٍ وتمكين، سمع فصل الخطاب، وشهد علمَ غيبِ الجواب] - أي: سمع بأُذُن قلبه كلام ربه سبحانه، وأشهده الله تعالى علم ما غاب عن غيره فصار مشهودًا له، يقول الإمام نظمًا في إحدى قصائده:

وشهدتهم بعيونِهم وبسمعِهم

وشرابُهم لم يُبْقِ مِنِّي باقية

تنوع التفاسير

لقد تعرض لتفسير كتاب الله تعالى أئمة ومفسرون على مدى عصور مضت، وتنوعت التفاسير، فمن ذلك:  التفسير بالمأثور وهو تفسير القرآن بالقرآن نفسه؛ وبالسنة وبالآثار عن الصحابة والتابعين، والتفسير الفقهي، والتفسير بالرأي أو بالدراية أو بالاجتهاد، والتفسير الصوفي الإشاري، والتفسير العلمي، والتفسير الفلسفي، والتفسير الاجتماعي، والتفسير الأدبي ...

أما تفسير الإمام المجدِّد أبي العزائم رضي الله تعالى عنه "أسرار القرآن"؛ فهو تفسير يجري مع الآية حيث تجري، حكيم: عندما تشتمل الآية على الحكمة، أخلاقي: عندما ترشد الآية إلى الأخلاق، فقهي: حيث تتعرض الآية لفقه، وهو تفسير اجتماعي: حيث تبحث الآية في الاجتماع، ويعد كتاب: "أسرار القرآن" دائرة لمعارف القرآن كما بيَّن ذلك الإمام السيد عز الدين ماضي أبو العزائم 0.

طريقة الإمام أبي العزائم في تفسيره للقرآن الكريم

لم يعكف الإمام المجدِّد السيد محمد ماضي أبو العزائم 0 على تأليف تفسيره مثلما فعل معظم المفسرين، ولكنه تناول تفسير القرآن الكريم في سلسلة دروس ألقاها على جماهير مريديه ومحبي علمه وعارفي فضله، وكان خاصة تلاميذه يحرصون على ألا يفوتهم لفظ واحد مما كان يمليه عليهم الإمام في الدرس العام أو الدرس الخاص، ولا سيما ابنه السيد أحمد ماضي أبو العزائم رضي الله عنه، حيث قال مبينا ذلك في تقديمه لتفسير والده الإمام:

[... وكنتُ أحرصَ الناسِ على تلقي الدروس الخاصة التي كان يلقيها رضي الله عنه من تفسير القرآن الكريم، وعلوم السنة المطهرة السمحاء، وأحرصَ الناس على اقتباس تلك الأنوار مع كثرة اشتغالي بتلقي الدروس المختلفة بالجامعات، على أن أكثر طلبة هذا العلم الإلهيّ كانوا يتلقونه من سيدي الوالد إملاء، محافظة على تلك الأنفاس الطاهرة, وكنت متخذاً لي أصدقاء من خاصة أهل الصفا، فإذا فرغنا من الدروس راجع بعضنا البعض ما تلقاه في مذكراتنا، ثم عرضناه على الإمام رضي الله عنه، فكان يسره ذلك رضي الله عنه، وقد كان يبيّن لنا ما أبهم علينا ويفصل ما أجمل مزية يخصنا بها، فكنا نتحقق أن هذا إذنٌ من سيادته لجمع تلك الدرر والنفائس، ولا نزال على تلك الحالة طيلة حياته رضي الله عنه، نرجع فيما تلقيناه من الدروس إلى خاصة تلاميذه، ثم عليه رضي الله عنه وأرضاه أخيرًا، وقد التمسنا منه رضي الله عنه أن ننشر ما تلقيناه من هذه المشكاة النورانية، فسمح لنا رضي الله عنه بذلك].

وقد اعتمد الإمام أبو العزائم في تفسيره للقرآن الكريم الطريقة الإلقائية، وكان لطريقته تلك مسلكان: أولهما: متسلسلاً وبالترتيب، وثانيهما: أنه كان إذا سمع القارئ يقرأ يوم الجمعة أو قبل الدرس آيات قرآنية كان الإمام يتناولها بالشرح بأوجه متعددة من المعاني.

الذي أعطى هؤلاء هو الذي أعطاني

وكانت للإمام دروس بداره يلقيها بعد صلاة العصر، وفي مسجد الخرطوم الكبير كانت له مجالس ذكر وعلم منتظمة يدرس فيها تفسيره للقرآن الكريم - "أسرار القرآن" - والموطأ والبخاري وقسم العبادات من مدونة مالك بن أنس 0.

وفي إحدى حلقات دروس الإمام بالمسجد الكبير بالخرطوم تكلم بمعانٍ عالية أدهشت السامعين، مما دعا أحدهم إلى مقاطعته قائلاً: كلام مَن هذا يا مولانا؟؛ هل هو كلام سيدي عبد القادر الجيلاني؟، فأشار الإمام إليه بيده وقال: انتظر يا بنيّ، ثم واصل الحديث وأتى ببيان أعجب مما تقدم، فلم يتمالك الرجل نفسه وقال: كلام مَن هذا يا مولانا؟؛ هل هو كلام سيدي محيي الدين بن عربيّ؟، فقال: انتظر يا بنيّ، ثم واصل الحديث، وعلا بالعبارة فأخذ بمجامع القلوب، فما كان من الرجل إلا أن وقف منبهرًا وقال: كلام مَن هذا يا مولانا؟؛ هل هو كلام سيدي أبي الحسن الشاذليّ؟، فقال: انتظر يا بنيّ.

ثم توجه إلى السائل بقوله: يا بنيّ: مَن الذي أعطى الشيخ عبد القادر الجيلانيّ؟، قال: الله، فقال: ومَن الذي أعطي سيدى محيي الدين بن عربيّ؟، قال: الله، فقال: ومَن الذي أعطى سيدي أبا الحسن الشاذليّ؟، قال: الله، فقال: وهل المعْطِي توقف عن العطاء أم أن عطاءه مستمر؟، قال: بل عطاؤه مستمر، عندئذ قال الإمام: يا بني؛ إن الذي أعطى هؤلاء هو الذي أعطاني.

من وصية الإمام أبي العزائم بالقرآن الكريم

وأختم هذه المقدمة بوصية للإمام أبي العزائم 0 جاءت في كتابه: "شراب الأرواح من فضل الفتاح" حيث يقول:

[القرآنُ الشريفُ: النجاةُ من الهول في الدنيا والآخرة، والحظوة بالحسنى في الدنيا والآخرة، والقرب من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة أن تحل حلال القرآن قولاً وعملاً، وأن تحرم حرامه قولا وعملا، فهو الإمام الحق الذي لا تشوبه ظلمة، وحبل الله تعالى الذي هو ممسوك بيمينه، من تمسك به وصله الله، بيَّن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله وحاله أسرار القرآن، وكشف أنواره، ووضح مناهجه.

القرآن، القرآن، إخواني: موتوا به، وَاحْيُوا به، واعملوا به، وأطيعوا به ربكم سبحانه وتعالى، وكلوا به، واشربوا به، وناموا به، وتاجروا به، وازرعوا به، أي لا تعملوا عملاً حتى يظهر لكم من القرآن الشريف حكمُه، فإن أحل فاعملوا، وإن حظر فامتنعوا.

القرآنُ الشريفُ حجةُ اللهِ تعالى، وحجةُ خلقِه، فمن كان القرآن حجةً له رضي الله عنه وأرضاه، ومن كان حجةً عليه سخط عليه وأقصاه.

القرآن؛ اقرءوه بلسانِ الفكر، وعينِ العبرة، وهمةِ الاتباع، وعزيمةِ العمل به.

القرآن؛ نجا به من فهمه عن الله تعالى وعن رسوله J، وهلك من فهمه بعلومه العقلية، وأفكاره الدنيوية، وحظوظه النفسانية.

القرآنُ كلامُ اللهِ تعالى، ووصفُه، وأخلاقُه، وكمالاتُه، وجمالاتُه، وجلالُه.

القرآنُ ذاتٌ وأحكامٌ، وأوصافٌ وأسماءٌ، وعبرةٌ وتنزلٌ، ورموزٌ وأسرارٌ، ومحكمٌ ومشابهٌ، اقرءوا القرآنَ لله تعالى: )الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ( (الرحمن: 1 – 2).

وصلى الله وسلم على مَن كان خُلُقه القرآن، ومعجزتُه القرآن، وآياتُه القرآن، وعملُه القرآن، وحالُه القرآن، ومقامُه القرآن، وعلى آله وورثته والتابعين آمين].

ويقرن الإمامُ في وصيته السنةَ المحمديةَ بالقرآن الكريم فيقول:

[السنةُ المحمديةُ: حصن الله الحصين الذي وهبه لأهل خصوصيته، ومنحه  لأحبابه.

والسنةُ المحمديةُ: لسان الحق المبين لكلامه، الموضح لسبيله: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ( (آل عمران: 31).

أثبتت المعجزة والآية أنه رسول الله J، وأنه متجمل بأكملِ الأوصاف التي يحبها الله تعالى من عباده، وأجملِ الأعمال التي يريدها الله من أحبابه، وأتمِّ الأخلاق التي هي أخلاق الله، نطق على لسانه J بكلامه القديم، وهدانا J للإيمان والتوحيد، فهو الحجة البالغة، والآية الظاهرة، به يهتدي المهتدون، وباتباعه يتقرب المتقربون، فمن رغِب عن سننه - ولو عمل بكل الكتاب - فهو هالك، ومن أقام سنته واهتدى بهديه وتابعه نجا، وحظى بحظوة الشهود.

فالسنةَ السنةَ إخواني، اعملوا بها ولو في آخر نفس من الحياة، أحْيُوهَا تَحْيَوْا، وانصروها تُنصروا، الحلال بيِّن والحرام بيَّن.

اللهم احفظنا بالسنة في قولنا وعملنا وحالنا، واجعلنا ناصرين لها في أنفسنا وأهلنا وإخواننا يا رب العالمين.

اللهم احفظنا من البدعة والمخالفة، ومتابعة الحظ والهوى، والغرور بالدنيا وبعلومها يا رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم].

وما يلي من بيان قرآني - نتناوله بمشيئة الله تعالى - إنما هو قبس من فيض ما أورده الإمام المجدِّد أبو العزائم 0 في كتابه: "أسرار القرآن"، مع الاستدلال ببعض المعاني من بعض التفاسير الأخرى وذلك سعيًا لإتمام الفائدة، وقد يأخذ الجانب التربوي مساحة أكبر، وذلك ضربًا على وتر حساس، قد تسهم حركته في ضبط الإيقاع السلوكي للمسلم في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى ذلك.

 

واللهَ تعالى نسأل التوفيق والهداية، والحفظ والوقاية، والسعادة في الدنيا والآخرة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وسلِّم، وأعطنا الخير، وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا يا رب العالمين.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 11:53
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.