معانى وإشارات قرآنية (5)

قيل: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ" قَسَم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة، يُقسم لعباده: إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أفِي لكم بجميع ما ضمنتُ في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري...

فضيلة الشيخ قنديل عبد الهادى

 

 

من رحيق أسرار البَسْمَلَة

البسملةُ قَسَم ٌوذِكْرٌ للهِ تعالى:

قيل: )بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ( قَسَم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة، يُقسم لعباده: إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أفِي لكم بجميع ما ضمنتُ في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري.       

وروى القرطبي أيضًا في تفسيره عن الإمام عليّ بن الحسين - سلام الله عليهما - في تفسير قوله تعالى: )وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا( (الإسراء: 46) قال: معناه إذا قلت: )بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ(، )وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا( قيل: يعني بذلك المشركين، وقيل: الشياطين.

وروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من أراد أن يُنجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ: )بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ(، ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جُنَّة - وقاية - من كل واحد، فالبسملة تسعة عشر حرفًا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم: )عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ( (المدثر: 30)، وهم يقولون في كل أفعالهم: )بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ( فمن هنالك هي قُوتُهم - قوت الملائكة الطاعة -، وببسم الله استضلعوا.

وجاءت الأسماء الحسنى بالألف واللام في قوله تعالى: )بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ( فهي لله سبحانه وحده.

وقيل: الباء في بسم الله حرف التضمين، أي: بالله ظهرت الحادثات، وبه وجدت المخلوقات.

والله: عَلَم على الذات الواجبة الوجود المستحق لجميع المحامد، واسم الجلالة (الله) جامع للأسماء والصفات الحسنى، قال تعالى: )وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا( (الأعراف: 180)، والرحيم على إطلاقه والغني على إطلاقه والحكيم على إطلاقه: هو الله تعالى.

وقد يتجلى الحق بما شاء من معاني أسمائه وصفاته على من شاء من خلقه كما قال سبحانه: )إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا( (الإنسان: 2)، إلا أن ذلك ليس مطلقًا وليس مملوكًا للعبد، ولكن كمالات الله لا تتناهى ولا بداية لها ولا نهاية.       

ولفظ الجلالة: الله؛ لا يسمى به غيره سبحانه، ولم يجرؤ أحد أن يسمي باسمه (الله) أحدًا من الخلق.

ومع حذف بعض حروفه تصير لما بقي من الحروف دلالة عليه سبحانه، )اللَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ( (البقرة: 255)، )لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ( (البقرة: 284)، )لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ( (البقرة: 116)، )هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ( (الحشر: 23).

والرحمن ذو الرحمة الواسعة في الدنيا؛ لأنه رحمته شملت الكل قال تعالى: )وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ( (الأعراف: 156) في الدنيا للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة فإن الرحمة مخصوصة بالمؤمنين.

ويقال في قوله تعالى: )وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ(: مجالٌ لآمال العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين، فهم (شَيْءٍ)، هـ.

ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه، وفي الإمهال فسحة في الحال، وأمل الإقلاع في المآل.

قال تعالى: )وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ( (الأنفال: 33)، في إشارة لابن عجيبة: قد جعل الله رسوله J أمانًا لأمته ما دام حيًّا، فلما انتقل J بقيت سنته أمانًا لأمته، فإذا أُميتت سنته أتاهم ما يوعدون من البلاء والفتن.

وكذلك خواص خلفائه وهم العارفون الكبار، فوجودهم أمان للناس، فقد قالوا: إن الإقليم الذي يكون فيه القطب لا يصيبه قحط ولا بلاء، ولا هرج ولا فتن؛ لأنه أمان لذلك الإقليم خلافة عن رسول الله J، والله تعالى أعلم.

وقد حفظ الله تعالى مصر، وفيها أهل البيت الطيبون الطاهرون الذين اختاروها على غيرها، واتخذوها لهم موطنا، فنسأل الله تعالى أن يديم حفظه.        

والرحيم يفيض من رحمته في الآخرة، وتلك الرحمة خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: )وَكَانَ بِالمؤْمِنِينَ رَحِيمًا(، قال بعضهم: لما قال الله تعالى: )وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ( طمع فيها كل أحد؛ حتى إبليس، فلما قال الله تعالى: )فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ...( (الأعراف: 156) يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال سبحانه: )الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ( (الأعراف: 157) يئس اليهود والنصارى. هـ.

البسملة عند العارفين:

ذكر الشيخ أحمد سعد العقاد - وهو من تلاميذ الإمام المجدِّد أبي العزائم - أن )بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ( عند العارفين بمنزلة كلمة "كُن" التي تذل أمامها الصعاب، ومعناها ينطوي على سر الاسم الأعظم، والباء في أول البسملة تحتها نقطة وتحت النقطة كسرة إشارة إلى أن حرف الباء نال رتبة التقدم بانكساره كأن الحق يقول: لا أسلم مفتاحي وأفتح أبوابي ولا أقدم عبدًا من عبادي إلا إذا نال رتبة الانكسار.

- يقول تعالى لسيدنا داود A: (اطلبني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) -.

وروي أن سر القرآن في الفاتحة، وسر الفاتحة في البسملة، وسر البسملة في نقطة الباء، وفي ذلك إشارة أن أعظم نقطة محترمة تعلق بها العلم وخصصتها الإرادة وأبرزتها القدرة هي الذات المحمدية التي انطوت فيها جميع الأسرار، وتشعشعت فيها الأنوار، فالوجود كله مع وسعته يناديك بأنك إذا جهلت الحضرة المحمدية فاتتك النقطة المهمة في الوجود، جعلنا الله ممن عرفوا الحضرة المحمدية؛ وأقبلوا عليها بالكلية، وجعلنا من المقبولين سبحانه.

وعند القشيري: قوم عند ذكر هذه الآية يتذكرون من الباء: بِرَّه بأوليائه، ومن السين: سِرَّه مع أصفيائه، ومن الميم: مِنَّتَه على أهل ولايته، فيعلمون أنهم ببره عرفوا سره، وبمنته عليهم حفظوا أمره، وبه سبحانه عرفوا قدره.

وعند قوم عند سماع بسم الله تذكروا بالباء: براءة الله سبحانه من كل سوء، وبالسين: سلامته سبحانه من كل عيب، وبالميم: مجده سبحانه بعز وصفه.

وآخرون يذكرون عند الباء: بهاءَه، وعند السين: سناءَه، وعند الميم: ملكَه.

وجاء في القرطبي عن عثمان بن عفان 0 أنه سأل رسول الله J عن تفسير )بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ( فقال: (أما الباءُ فبلاءُ اللهِ ورَوْحُه ونَضْرَتُه وبهاؤه، وأما السين فسناء الله، وأما الميم فملك الله، وأما الله فلا إله غيره، وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه، وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة).

حِكمة الافتتاح بها وبركتها:

ذكر الإمام أبو العزائم أن العبد إذا ابتدأ بالبسملة أثبت عجزه عن القيام بالعمل، أو العجز عن إتمامه؛ فالتجأ إلى الله مستعينًا به سبحانه، فحصلت له العناية من الله، وكُتب من الذاكرين، وسُجِّل له عمله في سجل العبادة؛ لأن العبادة كلفنا الله بها لشكره وذكره.

والله سبحانه افتتح الكتاب العزيز بالبسملة ليعلِّم عبادَه الأدبَ معه سبحانه، واستحضار ذكر اسمه عند كل عمل أو قول أو حال ذي شأن، وبذلك يكون المسلم حاضر القلب، مشاهدًا غيبًا مصونًا من دقائق علم التوحيد؛ لأن المسلم يقول: أبتدئ بسم الله، أو أعمل، أو أصنع، أو أؤلف، أو آكل باسم الله؛ فلا ينسى في كل شأن من شؤونه أن يذكر ربه مراعيًا العبادة الخالصة في ذكره، وكيف ينسى المسلم ربه وهو Y تنزه عن أن ينساه؟!.

وقد رغّب فيها رسولُ اللهِ بقوله J: (كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه بـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ فهو أبتر)، أي: ناقص وقليل البركة، ومن معاني الأبتر أن خيره قاصر على الدنيا فقط، فقد ينال خيرَ الدنيا كافرٌ لم ينطق بالبسملة، أما المسلم الذي ينطق بها فهو ينال خيري الدنيا والآخرة.        

ومن بركات البسملة: طمأنينة القلب بنجاح العمل، أو السلامة من سوء عاقبته.

ومن بركاتها: شرح صدر العامل فرحًا بتوفيق الله بذكرها.

ومنها أيضًا: أن يقلده أبناؤه وإخوانه، فيكون قد أعان على خير.

حُكْم النطق بالبسملة:

ولم يُخْلِ الإمامُ شرحَه للفاتحة من بيان حُكْم النطق بالبسملة، فبيَّن أنه يجب النطق بها في الصلاة عند من يقولون إنها آية من الفاتحة، كما في مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، وحجتهم إثبات السلف الصالح لها في المصحفُ، وغيرهم لا يرونها آية من الفاتحة، ويرون إثبات السلف لها للتبرك، فيكون الافتتاح بها في الصلاة أو في كل عمل ذي شأن سُنَّة, ويُكره عندهم الجهر بها في الصلاة كما في مذهب الإمام مالك وغيره.

وقد اتفقت المصاحف على افتتاحها بـ )بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(، واختلف الأئمة فيها، فقال مالك: ليست آية لا من الفاتحة ولا من غيرها إلا من النمل خاصة، وقال الشافعي: هي آية من الفاتحة فقط، وقال ابن عباس: هي آية من كل سورة، ولكلٍّ منهم حجته.

وإذا ابتدأتَ أولَ سورةٍ بَسْمَلْتَ إلا براءة، وإذا ابتدأت جزءَ سورةٍ فأنتَ مخيَّر عند الجمهور، وإذا أتممتَ سورة وابتدأتَ أخرى فاختلف القراءُ في البسملة وتركها.

 

وبيان ذلك الحكم يعالج أمر الاختلاف في هذا الشأن بين العديد من المسلمين.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الخميس, 30 آذار/مارس 2017 15:33
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م، والخامسة بعد المائة يوم الجمعة 9 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م.

وسيقام بمشيخة الطريقة العزمية مولد الإمام علي بن أبي طالب يوم الإثنين 9 أبريل 2017م، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج يوم 23 أبريل، والاحتفال بمولد الإمام أبي العزائم 24 أبريل، والاحتفال بمولد السيدة زينب والسيدة آمنة بنت وهب يوم 25 أبريل 2017م.