شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبى العزائم

الحكمة الثامنة والستون

لا تفرح بالعمل إلا إذا تحققت بالإخلاص فيه، ولا تفرح بالإخلاص إلا إذا تحققت بإصابة الحق فيه، ولا تفرح بإصابة الحق إلا إذا تحققت بتوفيق الله فيه ومعونته، ولا تفرح بالتوفيق إلا إذا فرحت بالله الذى أقامك مقام العامل لذاته حتى صرت من عمال الله.

متى يفرح الإنسان بعمله الذى يؤديه؟ وكيف يكون هذا الفرح مقبولاً ومطلوبًا؟ وما هى الضوابط التى يجب أن يراعيها العامل لكى يتحقق له الفرح الحقيقى بالله تعالى، الذى أقامه فى هذه الأعمال ووفقه إليها؟....

الأستاذ سميح قنديل

 

الحكمة الثامنة والستون

لا تفرح بالعمل إلا إذا تحققت بالإخلاص فيه، ولا تفرح بالإخلاص إلا إذا تحققت بإصابة الحق فيه، ولا تفرح بإصابة الحق إلا إذا تحققت بتوفيق الله فيه ومعونته، ولا تفرح بالتوفيق إلا إذا فرحت بالله الذى أقامك مقام العامل لذاته حتى صرت من عمال الله.

متى يفرح الإنسان بعمله الذى يؤديه؟ وكيف يكون هذا الفرح مقبولاً ومطلوبًا؟ وما هى الضوابط التى يجب أن يراعيها العامل لكى يتحقق له الفرح الحقيقى بالله تعالى، الذى أقامه فى هذه الأعمال ووفقه إليها؟.

أسئلة يحتاج العاملون أن يعرفوا إجابتها، ليكونوا على بينة من أمرهم، فلا يضيع عملهم هباءً منثورًا، وقد وضع الإمام 0 الإجابة عنها، ووضع الضوابط الحاكمة لها، ولكن قبل أن نتعرف عليها، نعرف منه ـ على قدرنا ـ  بعض رؤيته الخاصة بالعمل والأعمال والعاملين.

فالإمام يؤكد فى علومه وحِكمه الكثيرة، أنه لا بد من اقتران العلم بالعمل، فعلم بلا عمل وبَال على صاحبه، وعمل بلا علم ضلال يضل عامله، ولا بد من توفر الضمير وحسن النية فى أداء الأعمال، فقد يكون العمل فيه لين ورحمة، وقد يكون فيه تأديب وتهذيب وتربية، لذلك يقول 0: إذا كان لك ضمير، فعملك مع الرحمة إنقاذ، وعملك مع الغيظ تأديب، ويبين الإمام أنه من الجهل أن يُعجب المرء بعمله، بل عليه دائمًا أن يقول: كيف أفرح بعملى وذنوبى كثيرة؟ أم كيف أفرح بعملى وعاقبتى مبهمة؟.

وعلى العبد أن لا يجعل نفسه أكبر من العمل، ولكن يجعل العمل أكبر من نفسه؛ لأن روح الأعمال وحياتها هو شهود الفناء عنها، أما شهودها ذاتها فهذا نقص فى فهم العامل وقدْره، وعليه أن لا يأنس إلا بالله وليس بالإقبال والأفعال، فأنسك بالإقبال برهان على وقوفك عند الأفعال، وإنما يأنس بالأعمال مَن حُجب عن الكبير المتعال؛ لأن أعمال الأبدان إذا كانت عن مُشاهدات كانت قربات، وإلا فهى على العُمال بليات.

والله Y لا يرضيه عن خلقه عملُهم، ولا يغضبه عليهم عملُهم، ولكن نظر إلى قوم بعين الرضا أزلاً فاقامهم فى محابه ومراضيه، ونظر إلى قوم بعين السخط فأقامهم فى مخالفته ونواهيه، فإذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة واحدة، تكن من أهله، واعلم أن أثقل الأعمال فى الميزان أثقلها على الأبدان، ومن وَفَّى بالعمل وُفِّىَ له بالأجر، ومن لا عمل له لا أجر له، ويقول 0: الأيام صحائف الآجال، فخلدوها بأحسن الأعمال.

ومن الطبيعى أن يفرح الإنسان بعمل أداه على الوجه الأكمل من وجهة نظره، باعتبار أن هذا العمل جاء نتيجة فكر وجهد ووقت كان ضروريًّا لإتمامه، ولكن ليس كل الفرح يكون مقبولاً ولا مطلوبًا، فعند الأئمة توجد هناك ضوابط لهذا الفرح لا بد منها، لكى يكون فرحًا حقيقيًّا يثاب عليه العبد.

ضوابط الفرح بالأعمال

وفى هذه الحكمة يضع لنا الإمام 0 الضوابط اللازمة لهذا الفرح، ويطلب من المريد الصادق أن يضع هذه الضوابط نصب عينيه، وأول هذه الضوابط ألا يفرح بالعمل الذى أتقنه، إلا إذا تحقق أولاً بالإخلاص فيه، فقد يؤدى الإنسان هذا العمل بإتقان، ولكنه يفتقد شرط الإخلاص فى أدائه، ولكى يتحقق الإخلاص لا بد من توفر أربعة أمور هى:

1- استواء المدح والذم من العامة، فلا ينتظر مدحًا ولا قدحًا على عمله، بل يستوى عنده ذلك.

2- نسيان اقتضاء الثواب، بمعنى أنه لا يطلب على عمله هذا أجرًا، فإن أعطاه الله الأجر فذلك بفضله، وليس فى مقابل عمله.

3- نسيان رؤية الأعمال فى الأعمال، فلا يحجب بعمله ولا يشهد لنفسه حولاً ولا طولاً، ولا قولاً ولا فعلاً، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

4- أن لا يشوب هذا العمل شبهة رياء ولا سمعة ولا نفاق ولا حب ظهور؛ لأن حب الظهور يقصِم الظهور، وهذه الشبهات تُفسد العمل، كما يُفسد الخلُّ العسل، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.

وقد تتحقق هذه الشروط فعلاً، ويخلص الإنسان فى عمله، وعليه عندئذ أن لا يفرح بالإخلاص إلا إذا تحقق بإصابة الحق فيه، فقد يعمل الإنسان ويُتقن ويُخلص، لكنه لا يصيب الحق فيما أدَّاه من العمل، كمثل من صلى صلاة كاملة لكنه لم يتحقق بدخول الوقت، أو اتجاه القبلة، أو بطهارة الثوب والمكان، أو صام قبل رؤية الهلال، أو طاف بالبيت وسعى بعكس اتجاه الطائفين بالبيت، والساعين بين الصفا والمروة، أو أدى زكاة ماله بغير معرفة بالأنصبة والمقادير، وهكذا فى غير ذلك من الأعمال والقربات، لذلك لا يفرح الإنسان إلا إذا تحقق بإصابة الحق والحقيقة فيما أداه من أعمال، وكم زلت أقدام لغير إصابة الحق فى العمل.

فإذا تحقق العبد من الإخلاص وإصابة الحق فى العمل، فعليه أن لا يفرح بذلك أيضًا، إلا إذا تحقق بتوفيق الله فى عمله ومعونته إياه، حتى يتجرد من نسبة التوفيق فيه إلى نفسه، معتقدًا أن التوفيق جاء نتيجة رجاحة عقله، أو قوة بدنه، أو لِسِعة علمه، أو لتمكنه فى المقامات، ورسوخه فى الدرجات، بل يعلم أنه لولا توفيق الله تعالى له فى هذا العمل ما عمل منه شيئًا على الإطلاق.

وقد كان نبينا J يقول مفوضًا الأمر كله لله:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صـلينا

فأنزلن سكينة عليـنــا

وثبِّت الأقدام إن لا قينـا

وكان نبى الله شعيب A يقول متجردًا عن نفسه كما أخبر رب العالمين: )إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ( (هود: 88).

الفرح بالله تعالى

فإذا تحقق العبد بمشهد التوفيق والمعونة من الله U، فى كل حركة وسكنة وقول وفعل، فلا يفرح بذلك أيضًا؛ لأن التوفيق عطية من المعطى، ونعمة من المنعم سبحانه، فكيف يفرح الإنسان بالعطية والنعمة، ولا يفرح بالمعطى والمنعم تبارك وتعالى؟، ولذلك قال الإمام فى الحكمة: ولا تفرح بالتوفيق إلا إذا فرحت بالله؛ لأن الفرح بالله هو المطلوب، وهو الغاية والمقصد، وهو أرقى مقامات الفرح، بعد الفرح بالفضل والرحمة: )قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ( (يونس: 58)، ويقول الحق تبارك وتعالى فى شأن من أضاعوا أعمالهم لسبب من الأسباب السابقة: )وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا( (الفرقان: 23).

وفرح العبد بالله يكون باستشعاره أن الله تعالى قد أقامه مقام العامل لذاته العلية، فصار من عمال الله المخلَصين لحضرته سبحانه، الذين اختارهم واختصهم لهذا المقام الكريم، الذى أقام الله فيه أنبياءه ورسله، وأئمة الهدى الهادين المهديين العاملين.

يقول الله تعالى: )وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ( (التوبة: 105)، وهنا ينبه سبحانه العاملين لئلا يروا أعمالهم بأنفسهم؛ لأن رؤية العمل دليل على عدم صلاحه، ومن ثَم على عدم قبوله،وقد فهم بعض أهل الله هذا المعنى- من باب الإشارة - في قوله سبحانه: )وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ( (فاطر: 10)، فقالوا: علامة رفع العمل عدم رؤيته.

والسر في عدم رؤية العمل، هو تحقيق التعلق بالمعمول له، والعمل المشروع بهذا، لا يعدو أن يكون سببًا إلى نيل رضا الله، والسبب لا يكون غاية أبدًا، ومن علم أن الله هو الغاية التي ليس وراءها غاية، وتعلقت همته به سبحانه تعلقًا أزليًّا، فكيف يُتصوّر منه الالتفات إلى شيء من الأسباب؟، بل إن العبد إذا رسخت قدمه في الإخلاص، يغيب حتى عن الغاية من العمل التي هي الرضا والأجر، ويبقى عاملاً لمجرد القيام بأمر سيده، فيغيب مع هذا، عن حظ نفسه من العمل في العاجل والآجل، فتنتفي لذته النفسية بالعمل، ولا يبقى له إلا لذة  العبودية فيه.

وها هو الإمام 0 يستغفر الله من كل علم أو عمل أو حال قد ينسبه الإنسان لنفسه قائلاً:

أستغفر الله من علمى ومـن عملى

أستغفر الله من طـمـعى ومن أملى

ثم يقول:

أستغـفر الله مـن صوم عجبت به

ومن صلاة بها قد صرت فى وجل

ويقول فى موضع آخر مفردًا ربه بالقصد والتوجه:

ما صلاتى ما صيامـــى ما أنا

 

كل ذا حجب ومولانــــا علىّ

Rate this item
(4 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 11:59
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.