الصلاة والسلام على والدي خير الأنام 10

بيَّنَّا في اللقاء الماضي أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي J لم يحزن عندما توقع حز الشفرة لرقبته، وهذا بالقطع دليل على أنه من الذين عاشوا مؤمنين بالله تعالى على الحنيفية وباليوم الآخر وعمل صالحًا.. وفي هذا المقال نواصل الحديث...

الأستاذ الدكتور فاروق الدسوقى

 

 الصلاة والسلام على والدي خير الأنام 10

مقدمة

بيَّنَّا في اللقاء الماضي أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي J لم يحزن عندما توقع حز الشفرة لرقبته، وهذا بالقطع دليل على أنه من الذين عاشوا مؤمنين بالله تعالى على الحنيفية وباليوم الآخر وعمل صالحًا.. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

بقية: عاش عبد الله بن عبد المطلب ومات حنيفًا موحدًا وما كان من المشركين

الدليل الثانى:

        والدليل الثاني على حنيفية عبد الله بن عبد المطلب هو طهره وعفته وبره بوالده وطاعته له وشجاعته حتى لما طلب منه حياته قدمها طائعًا له.

        أما بره وشجاعته فقد ثبت لنا بحادثه الذبح، وأما طهره وعفته - وهما الفضيلة الأعلى - بين الفضائل التي تتضمن ما سواها من الفضائل الأخرى: كالصدق والوفاء والأمانة والشجاعة والكرم - فنسوق الأدلة التالية على تحلية بهذه الفضيلة التي لا تكاد تكتمل إلا في الأنبياء أو الصدِّيقين أو المهتدين الذين لا يمكن إلا أن يكونوا حنفاء موحدين على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

        وما ورد في كتب السنة الصحيحة المتواترة عن عبد الله خير دليل على عفته وطهره، بالرغم من الأعراف والظواهر الاجتماعية التي كانت سائدة في جزيرة العرب وكذلك في مكة وما حولها، أي: تهامة والحجاز، تتيح لمن يريد كل ما ينافي العفة، وفي نفس الوقت كانت العفة قيمة عالية عند العرب وقريش بخاصة، ومع أن البيئة التي نشأ عبد الله بن عبد المطلب فيها تتيح الزنا والسفاح وأنواع من أنكحة الجاهلية حرَّمها الإسلام بعد ذلك، واعتبرتها الشريعة المحمدية من الفاحشة.

        فقد كانت الخمور متاحة، وَثمَّ مَنْ كان يقتني الحسان من الإماء للتربح من وراء تشغيلهن بغايا.

        وكانت النساء الساقطات اللائي يمارسن البغاء لحساب أنفسهن ينصبن خيامهن خارج مكة وعليها أعلام حمراء للتمييز بينها وبين خيام الحرائر الشريفات.

فالمجون والاستمتاع بالشهوات متاح لمن يريد وبخاصة الشباب المراهقين.

        كما مُورس في مكة نظام أو أكثر لتعدد الأزواج فيتردد على المرأة الواحدة عشرة رجال في نظام وأربعة رجال في آخر، وهي التي تنظم لهم أيام تردد كل واحد عليها فإذا حملت وولدت جمعتهم وألحقت وليدها بأحدهم فلا يمتنع عن نسبته إليه.

        وكذلك كانت عندهم ظاهرة الاستبضاع، وهي أن يأمر الرجل امرأته قائلاً لها: استبضعي من فلان، فتذهب إليه ليعاشرها جنسيًّا بقصد الإنجاب منه: إما لنجابته وإما لعقم الزوج، فإذا حملت وولدت التحق الوليد بالزوج، وحرم الإسلام هذا وحصر وقصر نسبة الوليد للرجل الذي كانت معاشرته للمرأة هي علة الحمل سواء بفاحشة أو بالنكاح الطاهر الموافق لأحكام الزواج في الشريعة الإسلامية الذي كان موجودًا في العرب، فحصر النبي J الولد للعصب وذلك بقوله J: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)([1])، أي لهذه الزانية المحصنة الرجم حدَّا.

        ومع هذا فقد كانت هذه الظواهر الاجتماعية الإباحية عند العرب محصورة في دوائر ضيقة جدًّا حيث كانت العشائر والقبائل تحافظ على نقاء أنسابها وعلى شرف بناتها ونسائها بالزواج الذي أقرته الشريعة المحمدية من بعد. ومن ثم كان عند العرب النَّسَّابة الذين يحفظون أسماء الآباء والجدود إلى المئات ومنهم الإمام الكلبي الذي قال: (كتبتُ للنبي J خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحًا)([2]).

        قال العلامة الحلبي في سيرته أي خمسمائة أم من قبل أمه وأبيه، وفسر رحمه الله قول الكلبي (سفاحًا) بقوله: (والمراد بالسفاح: الزنا: فإن المرأة كانت تسافح الرجل مدة ثم يتزوجها إن أراد).

        فماذا كان موقف عبد الله وقد بلغ عمره العام الثامن عشر في هذه البيئة؟

        قال الحلبي في سيرته: (كان عبد الله أحسن فتي يُرى في قريش وأجملهم، وكان نور النبي J يرى في وجهه كالكوكب الدري: أي المضيء المنسوب إلى الدر، حتى شغفت به نساء قريش، ووجد منهن عناء) ويمكن تصور مدى العناء الذي لقيه منهن إذا علمنا أنه (قيل: لما تزوج آمنة لم تبق امرأة من قريش من بني مخزوم وعبد شمس وعبد مناف إلاَّ مرضت أسفًا على عدم تزوجها به)([3]).

        ومما هو متواتر في كتب السيرة النبوية أنه بُعيد احتفال مكة وما حولها بنجاة عبد الله من الذبح وفدائه بالإبل المائة أراد أبوه عبد المطلب أن يُزَوِّجه، وحيث كانت كل فتاة في مكة بعامة وكل الفتيات اللائي من عشيرة أبيه عبد مناف وعشيرة أمه بني مخزوم تحلم كل منهن أن تكون هي صاحبة هذا الحظ العظيم، فقد شاع عزم عبد المطلب على تزويج عبد الله، فحدث أن مر عبد الله على امرأة من بني أسد بن عبد العزي يقال لها قتيلة، وقيل رقية، وهي أخت ورقة بن نوفل، وكانت تسمع من أخيها ورقة: أنه كائن في هذه الأمة نبي وأن من دلائله أن يكون نورًا في وجه أجداده ثم وجه أبيه، فقالت لعبد الله، وقد رأت نور النبوة في غرته: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي فقالت له: لك مثل الإبل التي نُحرت عنك وَقَعْ علىَّ الآن، فرد عليها منشدًا:

أما الحـرام فالممات دونه

والحـل لا حـل فأستبينه

يحمي الكريم عرضه ودينه

فكيف بالأمر الذي تبغينه؟

 



([1]) صحيح البخاري ح2053.

([2]) السيرة الحلبية جـ1 صـ58.

([3]) السيرة الحلبية جـ1 صـ58.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 12:07
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.