نظرات في فهم القـرآن الكريم (2/ 2)

إن الفهم الذي كان المفسرون الربانيون يسعون إلى الوصول إليه، ويرومون الوقوف عليه، كانت له آلياته، ومن بينها اعتبارهم أن القرآن الكريم هو بنية لغوية، وكلماته ذات دلالة تستبطن معناها؛ فكانوا يعتمدون في استيحاء الدلالة القرآنية على منهج الكشف والإلهام؛ لأن استجلاء المعنى الباطن في مكامنه لا يتأتى إلا بالتسليم أن للكلمة القرآنية ظلالاً وإيماءات جانبية لا يدركها إلا أهل التمرس، وإذا كان هذا ما أكده من خبر النصوص – غير القدسية - وسبر أغوارها؛ فكيف بك في الكلمة القرآنية وأسرارها؟...

الدكتور خالد برادة

باحث في الدراسات الإسلامية بالمملكة المغربية

  

نظرات في فهم القـرآن الكريم (2/ 2)

مقدمة فهم القرآن الكريم

إن الفهم الذي كان المفسرون الربانيون يسعون إلى الوصول إليه، ويرومون الوقوف عليه، كانت له آلياته، ومن بينها اعتبارهم أن القرآن الكريم هو بنية لغوية، وكلماته ذات دلالة تستبطن معناها؛ فكانوا يعتمدون في استيحاء الدلالة القرآنية على منهج الكشف والإلهام؛ لأن استجلاء المعنى الباطن في مكامنه لا يتأتى إلا بالتسليم أن للكلمة القرآنية ظلالاً وإيماءات جانبية لا يدركها إلا أهل التمرس، وإذا كان هذا ما أكده من خبر النصوص – غير القدسية - وسبر أغوارها([1])؛ فكيف بك في الكلمة القرآنية وأسرارها؟.

ولكن بعض المثقفين العرب([2]) أنكروا هذه الحقيقة -حقيقة الكشف والإلهام-، ولم يكتفوا بالإنكار، بل تجاوزا ذلك إلى التهكم والاستهتار.

ولقد أدرك من جعل لفهم التفسير قوانين، أن فيوضاته لن تنداح على القارئ من لدن رب الخطاب، إلا بالتصفية القلبية لإدراك المعاني القرآنية، وقد لخص الإمام أبو طالب المكي هذا بقوله: "فإذا كان العبد ملقيًا السمع بين يدي سميعه، مصغيًا لسر كلامه، شهيد القلب لمعاني صفات شهيده، ناظرًا إلى قدرته، تاركًا لمعقوله ومعهود علمه، متبرئًا من حاله وقوته، معظّمًا للمتكلم، واقفًا على حضوره، مفتقرًا إلى الفهم بحال مستقيم، وقلب سليم وصفاء يقين، سمع فصل الخطاب وشهد علم غيب الجواب"([3])، وهذا من خاصية المقبل على كتاب ربه إقبال تسليم بين يديه، وتطهير السر عمن سواه، فعندئذ يُفهمه الله تعالى كتابه – مِنَّة وعطاء منه سبحانه -، وهذا لا يتاح لمن حجبتهم مذاهبهم العقلية، وتأويلاتهم الهرمنيوطيقية عن فهم ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:1)، لأنه "يعلو على قوانين العلوم علو كلام الله على كلام خلقه"([4]).

وتلك التصفية القلبية التي يتوسل بها لإدراك المعاني القرآنية، لا تتأتى إلا بتقوى الله تعالى؛ حيث أنه لا سبيل إلى تحقيق المطلب الإلهي )أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ( (محمد: 24)؛ إلا بتحقيق الوسيلة الموصلة إليه، وهي بنداء قراء كتاب الله تعالى بـ: (أفلا يتقون منزل القرآن)؛ فتقوى الله عز وجل، معينة للعبد على الوصول إلى ربه، ومن ثمَّ على الوصول إلى معاني كلماته، وتفقه أسرارها، ولذا وجب حمل النفس على تقواه، لتسمو الروح في ذراه؛ وعندئذ ستفقه معاني الآيات، ولن يكون حالها كالتي نزل القرآن بلسانها، ولم تستطع فهم معاني كتاب ربها، ﴿فَمَالِ هَٰؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (النساء: 78).

إن الكلمة القرآنية مطلب دونه بذل المهج إلى الله تعالى في سبيله؛ ولا يجدي فيها النظر بالنفس، بل إنها تحتاج إلى النظر بالقلب، ولئن كان هذا مما ينبغي تحقيقه في التعامل مع البلاغة العربية([5])، فكيف بك في البلاغة القرآنية؟ ذات الإعجاز المبهر، الذي قصر عن محاكاته البشر، إذ إن لغة القرآن الكريم أسمى من أن يُدركها البشر بفهمهم القاصر؛ لأنها لغة رمزية ذات إيحاءات، لا يدركها إلا من ذاق أسرارها بالتعرف على صاحبها، مُنزل الخطاب، الذي هو الله جل في علاه؛ وإن مما لا خلاف فيه أن للقرآن الكريم علوًّا من الخطاب، يعلو على قوانين العلوم كلها، فعلى الرغم من أن سبيله سهل أمام قرائه، إلا أنه مع ذلك غير متطامن أمام أهل الزيغ والأهواء، والذين جعلوا نظمه في درجة واحدة مع غيره من النصوص مما عمد إليه الأدعياء؛ متجاهلين أنه خارج عن المعهود من نظام كلام العرب، وليس يدرك سر إعجازه إلا من تناهى في معرفة أساليب العرب وطُرق مذاهبهم في الكلام، حيث إنه سيجزم أن القرآن الكريم هو أعلى طبقات الخطاب، بقدر علو الله تعالى على خلقه.

ومن بين ما يعين على فهم كتاب الله تعالى؛ استحضار أن القرآن الكريم هو نسق متكامل، لا يقبل التعضية؛ والتوسل إلى فهمه بمراعاة سياقه في آياته وسوره، إذ إن للسياق أهمية كبرى في فهم آياته وسوره وأجزائه؛ فلا بدَّ من مراعاة السياق الذي يسهل الوصول إلى المعنى،عن طريق "تحديد السياق للمعنى من بين احتمالات كثيرة، يمكن أن ينصرف إليها الذهن"([6])، فأهمية السياق تكمن في أنه "يضبط حركات الإحالة بين عناصر النص، فلا يفهم معنى كلمة أو جملة إلا بوصلها بالتي قبلها أو بالتي بعدها داخل إطار السياق"([7]).

ومما ينبغي استحضاره لمن أراد أن يفهم هذا الكلام الرباني العالي، هو أن يتفطن إلى مراتب خطاب الله تعالى إلى عباده، ويحرص على معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، حيث أن التفطن لأسماء الله الحسنى الواردة في القرآن الكريم، تتيح الوقوف على معرفة نوع الخطاب الإلهي، فمن خطاب الله، مرورًا بخطاب الرحمن، وانتهاء بخطاب الملك الديان، "وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني أسماء الله الحسنى في ما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن، حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به، وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض"([8])، حيث أن لمواقع معاني الأسماء الحسنى في النظم القرآني معان بليغة، ولذا ينبغي التفطن لها، ومراعاتها؛ لأنها تعين على فهم القرآن الكريم؛ فهي تأتي فواصل في الآي، وهي توجب حسن إفهام المعاني القرآنية، فالفواصل تابعة للمعاني، كما ذهب إلى ذلك أبو الحسن الرماني (ت 386هـ)([9]).

ويتأكد لدينا أن القرآن الكريم قد راعى في خطابه أحوال المتلقين، فكان الخطاب فيه إليهم على مراتب، بحسب أحوالهم مع ربهم؛ وإن فهم القرآن متباين لدى المفسرين كذلك، فليس غريبًا أن نجدهم ليسوا على درجة واحدة في تعاملهم مع الآية الواحدة في تفسيرها، بدءًا من صحابة رسول الله J([10]).

وإن من لم يتفطن لمواقع الأسماء الحسنى في النظم القرآني، فقد ضيع على نفسه بابًا من أبواب فهم هذا الكتاب الخالد، الذي هو هدى للمتقين، فلا يفهمه إلا فرسانه المدججون بسلاح التقوى، وحسن التفطن لأسرار وحي رب العالمين، لدى المتلقي الذي لا بد له أن يعلم أن للقرآن الكريم قوانين خاصة به؛ فلا بد له من الإقبال على باب مُنزل الكتاب، حتى يزول عنه الحجاب -حجاب الفتن التي تحول دون فهم القرآن الكريم- حتى يترقى في درجات الإيمان، ليصل إلى صفاء الإيقان، فتنداح فيوضات الفهم على قلبه، وهي من جملة العلم الذي أخبر به سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما سُئل: "هل عندكم شيء من العلم إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا أعطيه رجلاً في القرآن"([11])، فالفهم منحة وعطاء، من لدن الله عز وجل، الذي يفتح على العبد المقبل عليه من فيوضات الفهم، التي تنهي إلى كمال التحقق، وحسن التخلق، فهو تحقق بمعاني القرآن، وتخلق بآدابه.

فهل يسوغ بعد هذا نقل ما يحاول دعاة الهرمنيوطيقا وضعه لفهم النصوص إلى أفق دراسة الوحي القرآني، وإسقاطها عليه؟ ألا ما أبعد قوانين فهم الكتاب المبين عن سائر القوانين؛ لأنه وحي رب العالمين، الذي يمتاز بعلو الخطاب، وأنّى للغة البشر أن تدانيه، بلْهَ أن تفوق نظمه ومعانيه.

 



([1]) من بينهم: ديفيد ديتشيش؛ انظر له: مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ص 469 - 470، نقلاً عن: علم الدلالة العربي: النظرية والتطبيق، د. فايز الداية، دار الفكر. دمشق. ط. 2 . 1417 هـ / 1996م، ص 190.

([2]) من أبرزهم الدكتور محمد عابد الجابري، الذي ينكر الإلهام، ويتهكم به، معتبرًا أنه "ليس شيئًا فوق العقل فحسب، بل هو أدنى درجات الفعالية الذهنية". انظر كتابه: بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 7، 2004م، ص 387.

([3]) قوت القلوب، أبو طالب المكي، تحقيق: عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 2005م، ج 1، 85.

([4]) مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل، أبو الحسن الحرالي، ضمن تراثأبي الحسن الحرالي المراكشي في التفسير، ص 28.

([5]) يفصح عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) في معرض حديثه عن نفي التفاضل للألفاظ؛ بينما يسوغ التفاضل بين المعاني، - حيث تتفاضل فيما بينها - بأن هذه المعاني لا يجدي فيها النظر المادي، بل يتحتم تجاوزها إلى النظر القلبي، فهي "ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رويّتك، وتراجع عقلك، وتستنجد في الجملة فهمك". دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، مطبعة المدني، بدون ذكر تاريخ الطبعة، ص 64.

([6]) مقدمة لدراسة التطور الدلالي في العربية الفصحى في العصر الحديث، د. أحمد محمد قدور، مجلة عالم الفكر، المجلد السادس عشر، العدد الرابع، 1986م، ص 32.

([7]) النص القرآني ومنهج السياق، د. عبد الرحمن بودرع، مجلة الترتيل، العدد الثاني، مركز الدراسات القرآنية، الرابطة المحمدية للعلماء، ذو القعدة 1435هـ/ شتنبر 2014م، ص 26.

([8]) انظر: نصوص من تفسير الحرالي، ضمن تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي في التفسير، ص 220.

([9]) انظر: النكت في إعجاز القرآن، أبو الحسن الرماني، (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، تحقيق: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، مصر.

([10]) يقول ابن عطية (ت541هـ) في معرض حديثه عن تفسير الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم ليسوا على درجة واحدة في ذلك: "وكان أحسنهم كلامًا في التفسير الحسن البصري، ثم مجاهد الذي هو رفيق ابن عباس وتلميذه وملازمه، والذي قرأ عليه القرآن والتفسير قراءة تفهم ووقوف عند كل آية". انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، تحقيق: الرحالي الفاروق، وآخرون، الدوحة، ط 1، ج 1، ص 30.

([11]) صحيح الإمام البخاري، كتاب الجهاد، باب فكاك الأسير، رقم: 2882.

Rate this item
(1 Vote)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 13:23
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.