في ذكرى تحرير بيت المقدس.. الصوفية تصنع النصر!!

+ حظى مشايخ الصوفية بمكانة رفيعة في نفوس طبقات الشعب، نالوا بها حظوة لدى ولاة الأمر، الذين حاولوا التقرب إليهم  كسبًا لودِّهم وللشعب الملتف حولهم.

+ قام سلطان الأولياء السيد عبدالقادر الجيلاني بفتح مدرسة بغداد التى تفرع عنها قرابة أربعائمة مدرسة شعارها: (لكلٍّ مذهبه الفقهي والفكري، وهدفنا واحد هو تحرير القدس من نير الاحتلال الصليبي!!.

+ إننا بحاجة ماسة لأن يقوم الصوفية بدورهم الآن لاسترداد أراضينا الإسلامية المسلوبة من الاحتلال.

 

+ كان الصوفية دومًا وسيظلون أنجمًا زاهرة في تاريخ الإسلام والجهاد لا ينكرها إلا من عمت أبصارهم وضلت بصائرهم.

 الشريف عبد الحليم العزمى الحسينى

الأمين العام والمتحدث الرسمى للاتحاد العالمى للطرق الصوفية 

 

في ذكرى تحرير بيت المقدس.. الصوفية تصنع النصر!!

حظى مشايخ الصوفية بمكانة رفيعة في نفوس طبقات الشعب،  نالوا بها حظوة لدى ولاة الأمر، الذين حاولوا التقرب إليهم كسبًا لودِّهم وللشعب الملتف حولهم.

ويمكن وصف العلاقة بين الطرق الصوفية وحكام المسلمين في فترات الحروب الصليبية بأنها كانت جيدة وحسنة.

فبدخول الحقبة الزنكية أصبحت الحركة الصوفية في أوج ازدهارها؛ لما لاقته من كامل الرعاية من قبل السلاطين والأمراء الزنكيين، الذين رعوا التصوف ونشروا منهجه، حتى أصبحت بلاد الشام في زمان نور الدين زنكي مقرًّا للصوفية، لعظم رعايته لهم([1])، التي اتخذت أشكالاً مختلفة عادت على أهل الشام بالخير والبركة، منها علاقات قامت على التشاور والتعاون، كالعلاقة التي كانت قائمة بين السلطان نور الدين والشيخ الصوفي عمر الملا، لدرجة أن جعله مرجعًا رسميًّا في بلاد الموصل، حيث أمر الولاة والأمراء بأن لا يفصلوا بها أمرًا لا يعلم الملا به، فما أمرهم به من شىء امتثلوه([2])، وكان نور الدين من أخلص محبيه وكان يستشيره ويكاتبه([3])، ويحضر احتفالاته بالمولد النبوي والهجرة النبوية([4]).

ولم تقتصر علاقة نور الدين بالصوفية على الشيخ عمر الملا، بل اتبع ذلك مع الكثير من السادة الصوفية، فيروي ابن الأثير أنه كان له صديق من الصوفية الصالحين بالجزيرة، وكان نور الدين يكاتبه ويراسله، ويرجع إلى قوله، ويثق فيه ثقة كبيرة([5]).

وظل نور الدين ينفق ويدعم الصوفية حتى قال له بعض الحسَّاد من حاشيته: (إن لك في بلادك أدرارات وصلات ووقوفًا كثيرة على القراء، والفقهاء، والصوفية، فلو استعنت بها لكان أصلح)، فغضب من ذلك وقال: (والله إننى لا أرجو النصر إلا بدعاء أولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعافكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني، وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ؟، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم؟)([6]).

ومن شدة حب نور الدين للصوفية كان إذا دخل عليه صوفي يقوم له ويمشي بين يديه، ويجلسه إلى جانبه، ويقبل عليه ويحدثه كأنه أقرب الناس إليه([7]).

صلاح الدين مع الصوفية

وسار السلطان صلاح الدين الأيوبي على نهج نور الدين محمود في علاقته بالصوفية فحرص على أن يقربهم منه، ويتقرب إليهم، فكان يحضر عنده الفقراء والصوفية ويعمل لهم السماع([8]).

وكان يذهب إليهم في زواياهم، كما كان يذهب للشيخ الخبوشاني، الذي كان يحرص على زيارته قبل أن يخرج في غزواته ضد أعدائه، حيث كان يثق به ويبالغ في احترامه([9]).

كما كان يوصي أجناده بألا يغفلوا عمن يجتاز الخيام من مشايخ الصوفية المعروفين حتى يحضرهم عنده وينالهم من إحسانه([10]).

والعلاقة بين الصوفية والأيوبيين اتخذت أشكالاً مختلفة تحمل في طياتها مقاصد وأهداف غايات أملتها ظروف العصر... خاصة في الوقت الذي كان فيه الأيوبيون يواجهون الخطر الصليبي([11]).

الصوفية في الحروب الصليبية

لا يستطيع أي باحث في تاريخ الحروب الصليبية أن يتجاهل الدور الذي قامت به الصوفية في هذه المرحلة.

يقول شوقي ضيف: (إن زهادنا ومتصوفينا كانوا دائمًا يرون أنه من تمام تصوفهم وزهدهم أن يجاهدوا العدو ويرابطوا له في الثغور، حتى إذا كان نفير الحرب تقدموا الصفوف يقاتلون أعداء الدين الحنيف ويستشهدون)([12]).

وكانت لهم مواقف واضحة في هذه الحروب، سنعرض بعضها:

إعداد جيل حمل الراية:

قام سلطان الأولياء السيد عبد القادر الجيلاني بحركة تجديدية في بث روح الإيمان ففتح مدرسته ببغداد معتمدًا فيها على الوقف الخيري لتغذية وسكن رواد المدرسة، ثم انطلق رواد المدرسة في سائر أقاليم العالم الإسلامي وعلى نفس المدرسة نهجًا وممارسة، فتحوا قرابة “400” مدرسة، وكان الشعار هو " لكلّ مذهبه الفقهي والفكري وهدفنا واحد هو تحرير القدس من نير الاحتلال الصليبي"، الذي جثم عليها قرابة 90 عامًا.

واعتمد الجيلاني منهجًا سلوكيًّا في التزكية - صناعة الإنسان على مائدة الإيمان -  وفعلاً نجح الجيلاني في إعداد جيل " الرواد" الذين حملوا الفكرة ثم نشروها عبر مدارسهم في سائر الأقاليم، فظهر جيل جديد من الجنسين، حيث سجل التاريخ نساءً بدرجة الإفتاء في الشام “فقط في الفترة التي تولى فيها صلاح الدين الأيوبي” بلغ العدد “800” امرأة خريجات مدرسة الجيلاني الأصلية أو فروعها ليأتي صلاح الدين على قمة جيل يفور حيوية وتضحية، منسجم الرؤية “في قواسم مشتركة” أبرزها تطهير القدس من رجس الاحتلال، وكذا احترام الآخر أيًّا كان مذهبه الفكري أو الفقهي، وكذا الزهد في الدنيا ـ بأن يجعلوها في اليد لا في القلب، وهذا أكد عليه الجيلاني في خطابه تكرارًا أو مرارًا، ودعا للأخذ بالأسباب مخالفًا ومحاربًا لما كان قد ترسخ في الخطاب الصوفي المنحرف، مؤكدًا أن ترك الأسباب مخالف للشريعة، إذ لا فرق بين تارك الأخذ بالأسباب وتارك الصلاة التي تعد من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع في الفحشاء والمنكر، وكذا سائر الشعائر التعبدية([13]).

فطن السلطان نور الدين محمود لقوة نفوذ هذه الحركة في حروبه ضد الصليبيين، فكان على اتصال دائم بالشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي كان يقوم بإعداد مريديه للانضمام في جيش نورالدين، والقيام بمهمة الوعظ ورفع المعنويات بخطبهم ومواعظهم المؤثرة التى كانوا يلقونها على الجنود قبل تقدمهم لساحة المعركة([14]).

الدعم النفسي:

وكان السلاطين يحرصون على زيارة مشايخ الصوفية تبركًا بهم وطلبًا للدعاء منهم، فكان نور الدين محمود يحرص على زيارة زاهد الصوفية حياة بن قيس الحرَّاني الذي كان يقوي عزم نور الدين على جهاد الفرنجة ويدعوا له([15]).

ويحكى عن صلاح الدين الأيوبي أنه كان إذا سمع بأحد العارفين بالله زاره في زاويته ليقتبس من أنواره، وقد سار إلى بغداد للقاء شيخ الطريقة القادرية علي بن الحسين المعروف "قضيب البان" الذي شجعه على قيادة جيوش الإيمان، وأرسل معه عددًا من أبنائه للمشاركة في المعركة، وقد استطاع أحدهم وكان ملثمًا قتل أحد قادة جيوش الصليبيين، وقد طلب صلاح الدين من الفارس الملثم التقدم للمكافأة فلم يجب أحد([16])؛ لأن الصوفية لا يجاهدون من أجل الدنيا وإنما لوجه الله ورفعة شأن أمتهم.

جمع الأمة:

كما مارس الصوفية دور الوسطاء للإصلاح بين الأمراء، مثل الدور الذي قام به شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم الذي أرسله الخليفة إلى السلطان صلاح الدين ليصلح بينه وبين عز الدين صاحب الموصل، بسبب نزاع وصراع الطرفين للسيطرة على بلاد الشام، حيث إن صلاح الدين كان يرغب ويطمع في أن تكون مصر والشام تحت إمرته، وكان أمراء البيت الزنكي في بلاد الشام، عقبة كأداء تحول بينه وبين تحقيق طموحاته، حيث كان هؤلاء الأمراء يرون أنهم أحق بوراثة نور الدين زنكي([17]).

وضع الخطط :

ولم يتوقف دور الصوفية على الدعاء وتقديم الدعم النفسي فقط، بل قام الشيخ الصوفي أبو الحسين المقدسي بتشجيع نور الدين على فتح عزاز بعد أن أقنعه باقتحامها من خلال مجسم طيني صنعه هذا الشيخ لهذه القلعة، موضحًا عليه خطة الهجوم وكيفية الزحف، وعندما توصل لإقناع نور الدين بفتحها ورأى منه الموافقة، صاح فرحًا مستبشرًا: نصر من الله وفتح قريب، نصر من الله وكسر الصليب([18])، وهذا الموقف يدل على خبرة الصوفية العسكرية ومشاركتهم في صنع القرار.

رصد تحركات العدو:

وكان أتباع الزوايا الصوفية يقومون بمهام إيجابية ونوعية، مثل رصد ومراقبة تحركات العدو، وتمثل ذلك في رباط الشيخ الصوفي رسلان الدمشقي الذي كان موقعه خارج أسوار سوريا، فكان يقوم بدور مخفر يحمي حرس الحدود الذين يطوفون حول المدينة بعد إغلاقها ليلاً، كي لا يكون هناك عدو مباغت، وكان المريدون يترددون إلى رباطه يتعلمون فيه جميع أنواع الدراسة، ويتدربون على الفنون الحربية([19]).

العمليات النوعية:

وكان أتباع الزوايا في المناطق الحدودية القريبة من الأعداء ينخرطون في صفوف المجاهدين متى رأوا الفرصة سانحة لذلك، وإذا كتب الله لهم الحياة يعودون بعد انتهاء المعارك إلى زواياهم من غير أن يتركوا أي أثر يدل على اشتراكهم في المعارك يتيح للعداء سبيلاً للاطلاع على حقيقة أمرهم، حتى يستمروا في المقاومة، وتتاح لهم المشاركة في المعارك القادمة([20]).

التصدي للعدوان :

وفي عصر عماد الدين زنكي وقف شيوخ الصوفية إلى جانب الفقهاء في التصدي لحملات العدوان الصليبي، فذات يوم خرج الشيخ يوسف الفندلاوي شيخ المالكية بدمشق وعبد الرحمن الحلحولي الشيخ الصوفي الزاهد، وعندما وصلا إلى الجيش الصليبي، قال الفندلاوي لحلحولي: ما هؤلاء الروم؟، قال: بلى، قال: فإلى متى نحن وقوف؟ قال: سر على اسم الله تعالى، فتقدما وقاتلا حتى قتلا رحمهما الله في مكان واحد([21]).

تحرير بيت المقدس

في السابعِ والعشرين من رجب سنة 583هـ دخلَ صلاحُ الدين بيتَ المقدس بعدَ تحريرِها من أيدي الصليبيين، وقد شاركه الصوفية في معظم معاركه التي خاضها ضد الصليبيين، والتي على كان على رأسها معركة حطين وتحرير بيت المقدس، حيث تجلى دورهم الجهادي بصورة واضحة في هذين الحدثين الجليلين([22]).

فقد ورد عنه أنه خلال المعارك كان يصحب علماء الصوفية لأخذ الرأي والمشورة فضلاً على أن وجودهم يعتبر حافزًا قويًّا للمريدين على القتال ببسالة وشجاعة نادرة"([23]).

بل نستطيع القول أن معركة تحرير بيت المقدس كانت معركة صوفية بامتياز لم يتخلف فيها صوفي، فقد قال ابن الوردي: (وشهد فتحه- صلاح الدين- كثير من أرباب الخرق والزهد والعلماء في مصر والشام بحيث لم يتخلف منهم أحد)([24]).

وكان على رأس المجاهدين الصوفيين في معركة حطين الشيخ أبو عمر المقدسي الذي شارك نور الدين معظم غزواته، وحضر مع صلاح الدين معركتي حطين وفتح بيت المقدس، يقول عنه ابن كثير: (كان هو وأخوه وابن خالهم الحافظ عبد الغني، وأخوه الشيخ العماد، لا ينقطعون عن غزوة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج، وقد حضروا معه فتح بيت المقدس والسواحل وغيرها)([25]).

وكان الشيخ أبو عمر المقدسي مقدامًا شجاعًا ينتدب نفسه من دون إخوانه المجاهدين لحراستهم ليلًا، يأمرهم أن يناموا، بينما هو في الصلاة والحراسة.

كما حضر فتح بيت المقدس، الشيخ أحمد المعروف بالقدسي، واشتهر بأبي ثور؛ لأنه قاتل الصليبيين أثناء فتح بيت المقدس وهو راكب ثورًا([26]).

ومما يدل على أن الصوفية دائمًا كانوا في طليعة الملبين لنداء الجهاد، وأنهم يبلون بلاء حسنًا في مقاتلتهم للصليبيين، تم إطلاق أعلى الألقاب الجهادية عليهم، فأطلق على الشيخ الصوفي عبد الله اليونيني "الأسد"، حيث كان يعرف بأسد الشام، مما يدل على أن هذا اللقب لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء نتاجًا طبيعيًّا لدوره الحربي الفعال ضد الصليبيين، حيث وصفه المؤرخون بأنه تام الشجاعة مشارك في كل الغزوات الجهادية ضد الصلبيين في بلاد الشام، فلا يبالي بالأعداء، قلُّوا أم كثروا، وكان دائمًا يتمنى الشهادة فحصلت له([27]).

صلاح الدين وثأر الصوفية:

قتل الصليبيون عند دخولهم القدس- قبل أن يحررها صلاح الدين- شيوخ الصوفية المرابطين لبيت المقدس، سنة 492هـ، فلما دخلها صلاح الدين ومعه أبناء الطرق الصوفية أمر قادته وجنوده بإحضار عناصر الإستبارية والداوية من الصليبيين أمامه، وعندما تجمعوا بين يديه أمر بقطع أعناقهم وكلف بذلك جماعة من الصوفية كانوا جالسين بحضرته، بأن يقوم كل واحد منهم بقطع رقبة صليبي، وتم قتلهم جميعًا بحضرة السلطان، بعد أن عرض الإسلام عليهم ورفضوه، ثأرًا لمشايخ الصوفية الذين قتلوهم مسبقًا([28]).

تكريم الصوفية:

يقول المقريزي: إن صلاح الدين أول من أنشأ خانقاه للصوفية بمصر ووقف عليها أوقافًا كثيرة، وكان سكانها يعرفون بالعلم والصلاح، وولي مشيختها الأكابر([29]).

وفيما نستطيع أن نصفه برد الجميل، أو تنفيذ وصية لم تُعلن، قام أبناء صلاح الدين بتكريم مشايخ الصوفية المجاهدين بعد وفاة والدهم.

فقام العزيز عثمان بن صلاح الدين بوقف التلة المرتفعة 777 مترًا فوق سطح البحر والتي دفن فيها أبو ثور عليه وعلى ذريته فسميت بدير أبي ثور، ومع مرور الوقت سميت القرية اختصارًا الحي الثوري، وحرفت إلى أبو طور، حتى احتلها الكيان الصهيوني في القرن الماضي وأسماها (جفعات حنانيا)([30]).

ونظرًا للدور الكبير الذي قام به السيد عبد الرحيم القنائي في تجهيز المجاهدين وشحذ الهمم للاشتراك في جيش صلاح الدين المتجه لتحرير بيت المقدس، كرَّمه العزيز عثمان بتعيينه شيخًا لقنا، وأصبح من ذلك اليوم يسمى بالقنائي.

وعمل القنائي في التجارة فدرَّت عليه ربحًا وفيرًا ساعده في الإنفاق على فقراء الطلاب والراغبين في العلم وغير القادرين من أبناء المسلمين([31]).

وفي الوقت ذاته قام وتقديرًا للمغاربة- الذين تطوعوا في جيش نور الدين محمود واستكملوا العهد مع صلاح الدين وخاضوا معه موقعة التحرير، مع شيخهم أبو مدين الغوث، الذي نفذ كل ما قاله شيخه عبد القادر الجيلاني بضرورة المساندة في استعادة القدس- قام الملك الأفضل بن صلاح الدين بوقف الأراضي الواقعة قرب الزاوية الجنوبية الغربية لحائط الحرم المقدسي على المغاربة، فسُمي الحي منذ ذلك الحين باسم حارة أو حي المغاربة، وكان يضم بالإضافة إلى المنازل عديدًا من المرافق، أهمها المدرسة الأفضلية التي بناها الملك الأفضل وحملت اسمه.

وعمل الكثير من المغاربة بعد ذلك على صيانة هذا الوقف وتنميته, باقتناء العقارات المجاورة له وحبسها صدقاتٍ جارية، وكان على رأسهم شيخهم وإمامهم أبو مدين الغوث.

فقبل وفاته بسنوات قليلة، أوقف من ماله الخاص قرية "عين كارم" بكاملها بضواحي القدس الشريف، وقرية "إيوان" التي تقع داخل المدينة العتيقة ويحدها شرقًا حائط البراق.

وقرية "عين كارم" من أشهر قرى القدس الغربية، وفيها من العيون ومصادر المياه والأشجار المزروعة والثمار والعنب.. وكل حق يعود لهذه القرية يكون لصالح هذا الوقف.

كما أوقف أبو مدين سكنًا للواردين من المغاربة ومحلات ومرافق عمومية، وجعل عائدات هذا الوقف خالصة لأهل هذا الحي وجعل شروطًا واضحة لمن تكون له نظارة هذا الوقف، وشروطًا كذلك في طريقة التوزيـع والمستفيدين وما يرتبط بذلك.

وجاء في وثيقة الوقف: "أوقفها بأموالها ومياهها وآبارها وسواقيها وسهلها ووعرها ومبانيها وقفًا لله يصرف للسابلة من المغاربة المارِّين والمنقطعين للعلم والجهاد المرابطين على وصية صلاح الدين الأيوبي"، وقال في آخرها: "ومن بدَّل أو غيَّر فالله حسيبه، ومن بدَّل أو غيَّر فلعنة الله عليه والملائكة والناس أجمعين".

وبقيت "عين كارم" أعظم أوقاف الإسلام بفلسطين، وقف الإمام أبي مدين شعيب، أكثر من ثمانية قرون صامدة وحامية لبيت المقدس من أضعف جهاته الجهة الغربية، عند باب النبي، حتى جاء ونسفها الاحتلال الصهيوني سنة 1948م واحتلوها بالكامل. وفي 12 يونيو 1967م أصدر موشي ديان قرارًا بهدم حي المغاربة([32]).

كلمة أخيرة

نستطيع أن نقول أنه لولا الصوفية ما تحرر بيت المقدس، ولا تهيأ جيل الفتح، ولا قدر نور الدين محمود ولا صلاح الدين الأيوبي على مواجهة الصليبيين.

ولم يتوقف دور الصوفية عند تحرير بيت المقدس، وإنما استمر نضالهم مع أمراء الأمة حتى طرد الصليبيين، من بلاد المسلمين كلها في عصر الدولة المملوكية، ووقفوا مع الأمراء المماليك وتصدوا للتتار، وقد نعرض ذلك في مقالات مستقبلية.

ما عرضناه في هذا المقال- وفي سابقه عن فتح القسطنطينية عن دور الصوفية في تأهيل السلطان محمد الفاتح- يؤكد أننا بحاجة ماسة لأن يقوم الصوفية بهذا الدور الآن لاسترداد أراضينا الإسلامية المسلوبة من الاحتلال، ولكي نهذب الأرواح ونوجه العقول للفكر الصحيح لنقضي على الإرهاب.

ولقد رأينا أن الفارس الملثم الصوفي لم يكشف عن نفسه عند طلب صلاح الدين لأنه لم يطمع في مكافأة، وعندما أوقف أبناء صلاح الدين أوقافًا لمشايخ الصوفية لم يستغلوها لأنفسهم وإنما تركوها لمريديهم وعامة المسلمين من الفقراء وطلاب العلم للاستفادة بها.. وهذا هو جوهر المنهج الصوفي.

وختامًا.. كان الصوفية دومًا وسيظلون أنجمًا زاهرة في تاريخ الإسلام والجهاد لا ينكرها إلا من عمت أبصارهم وضلت بصائرهم.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

 



([1]) الروضين لأبي شامة 1/78.

([2]) البداية والنهاية لابن كثير 12/282.

([3]) البداية والنهاية لابن كثير 12/263.

([4]) سنا البرق، البنداري ص52.

([5]) الباهر لابن الأثير ص164-165، ومفرج الكروب لابن واصل 1/265.

([6]) زبدة حلب لابن العديم ص343-344، ووفيات ابن خلكان 5/188، ومفرج الكروب لابن واصل 1/136.

([7]) الباهر لابن الأثير ص171، والروضين لأبي شامة 1/106.

([8]) الكامل لابن الأثير 10/225.

([9]) وفيات ابن خلكان 4/239، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي 6/105.

([10]) النوادر السلطانية لابن شداد ص20.

([11]) التعليم في بلاد الشام في العهد الأيوبي، رسالة ماجستير لجهاد سليم سالم، بكلية الآداب والعلوم – جامعة آل البيت عام 1999م، ص140.

([12]) عصر الدول والإمارات "مصر- الشام"، لشوقي ضيف ص3.

([13]) هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، لماجد الكيلاني، ص251.

([14])هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، لماجد الكيلاني، ص189.

([15]) سير أعلام النبلاء للذهبي 15/371.

([16]) نهاية المطالب في أنساب فاطمة الزهراء وعليِّ بن أبي طالب من دمشق الفيحاء إلى الموصل الحدباء، أبحاث ودراسات حققها صلاح الدين الموصلي دمشق 1975م مطبعة الثبات ص12.

([17]) مفرج الكروب لابن واصل 2/122.

([18]) بغية الطلب لابن العديم 10/4419.

([19]) سير أعلام النبلاء للذهبي 15/144، والبطولة والفداء للخطيب ص85.

([20]) تاريخ الأدب العربي، عمر فروخ 3/431.

([21]) الذيل لابن القلانسي ص298، والاعتبار لابن منقذ ص127، والدارس في تاريخ المدارس 2/8، لمحمد مؤنس أحمد عوض، ص86.

([22]) الحركة الصوفية في بلاد الشام خلال الحروب الصليبية، رسالة ماجستير للباحث الفلسطيني رياض حشيش، ص85.

([23]) سياسة صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام والجزيرة – رسالة دكتوراة - جامعة بغداد. د.عبد القادر نوري- بغداد 1976م – مطبعة الإرشاد –ص438 وتواليها.

([24]) تتمة المختصر في أخبار البشر، ابن الوردي. ت. أحمد رفعت البدراوي بيروت 1970م، دار المعرفة ط1 ج2 ص147.

([25]) البداية والنهاية لابن كثير 12/58-59.

([26]) الأنس الجليل للعليمي 2/238، والبطولة والفداء للخطيب ص92، وصفحات من جهاد الصوفية والزهاد لمحمد درزينة ص37.

([27]) العبر للذهبي 3/173، والبداية والنهاية لابن كثير 13/93، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي 6/221.

([28]) الفتح القسي في الفتح القدسي للأصفهاني ص62، والروضين لأبي شامة 3/186، وسنا البرق للبنداري ص298، والأنس الجليل للعليمي 1/466.

([29]) الخطط والآثار للمقريزي 2/415.

([30]) موقع الراوي والمؤرخ الفلسطيني أسامة العيسة.

([31]) السيد عبد الرحيم القنائي، لصلاح عزام، وتعريفه على موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

([32]) بوابة التصوف المغري (أقطاب)، تعريف لأبي مدين الغوث لجمال بامي.

Rate this item
(9 votes)
  • Last modified on الخميس, 30 آذار/مارس 2017 17:19
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م، والخامسة بعد المائة يوم الجمعة 9 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م.

وسيقام بمشيخة الطريقة العزمية مولد الإمام علي بن أبي طالب يوم الإثنين 9 أبريل 2017م، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج يوم 23 أبريل، والاحتفال بمولد الإمام أبي العزائم 24 أبريل، والاحتفال بمولد السيدة زينب والسيدة آمنة بنت وهب يوم 25 أبريل 2017م.