Strict Standards: mktime(): You should be using the time() function instead in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/vvisit_counter.php on line 32

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/helper/vvisit_counter.php on line 28

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/helper/vvisit_counter.php on line 120

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/helper/vvisit_counter.php on line 123

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/vvisit_counter.php on line 46

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/vvisit_counter.php on line 106

Strict Standards: Only variables should be passed by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/content/facebooklikeandshare/facebooklikeandshare.php on line 357
الأمانة: هي كل ما فيك من أسرار باريك!! - مجلة الإسلام وطن

Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/islamwat/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512

الأمانة: هي كل ما فيك من أسرار باريك!!

 + بسبب حمل الأمانة  انقسم الناس إلى: منافق  ومشرك ومؤمن.

 + الأرض والسماء هما مكان عرض الأمانة، والصنعة والتكوين لمن يحمل الأمانة وهو الإنسان.

+ تجلى الله تعالى بالمعنى الصحيح للأمانة على الإمام المجدد أبي العزائم، وهذه نفحة من نفحات عصرنا، وما قاله السابقون مردود.

 

+ حمل الإنسان الأمانة؛ لأنه اشتمل على صلاحيتها والتهيؤ للتبلس بها على ضعفه وصغر حجمه.

 الشريف عبد الحليم العزمى الحسينى

الأمين العام والمتحدث الرسمى للاتحاد العالمى للطرق الصوفية 

 

الأمانة: هي كل ما فيك من أسرار  باريك!!

لماذا انقسم الناس إلى: منافق ومشترك ومؤمن؟

يجيب البعض: هذا مراد الله، ويرد عليهم: إذًا لماذا يعذب الله المشرك والمنافق؟

بينما الحقيقة تظهر في قوله تعالى:  )إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِوَالأَرْضِوَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَاوَأَشْفَقْنَ مِنْهَاوَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَوَالْمُنَافِقَاتِوَالْمُشْرِكِينَوَالْمُشْرِكَاتِوَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَوَالْمُؤْمِنَاتِوَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً( (الأحزاب: 72- 73).

وسوف نفصل الأمر وفق المحاور التالية:

1- العارض.

2- العرض.

3- المعروض.

4- حامل الأمانة.

5- سبب انقسام الناس.

أولاً: العارض

إن نسبة الأمانة إلى الله تعالى تعطيها عظمة لا نهاية لها، حيث إنه سبحانه هو الذي عرضها، والعرض على قدر الذي يعرضه، والأمانة على قدر صاحبها، والله فوق كل تقدير وتعظيم، قال تعالى: )وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ( (الأنعام: 91).

ثانيًا: العرض

العرض له معانٍ كثيرة، منها: الإظهار والإبراز، والتقديم للبيع،  وإظهار القدرة والقوة كعرض الآلات والجيش([1]).

واختلٍف في معنى عرض الأمانة على أقوال:

منها: أن العرض بمعناه الحقيقي، غير أن المراد بالسماوات والأرض والجبال أهلها، فعرضت على أهل السماء من الملائكة، وبين لهم أن في خيانتها الإثم العظيم؛ فأبوها وخافوا حملها، وعرض على الإنسان فلم يمتنع.

ومنها: أنه بمعناه الحقيقي، وذلك أن الله لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهمًا وقال لها: إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها، ونارًا لمن عصاني فيها، فقلن: نحن مسخرات لما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابًا ولا عقابًا، ولما خلق الإنسان عرض عليه ذلك فاحتمله، وكان ظلومًا لنفسه جهولاً بوخامة عاقبته.

ومنها: أن المراد بالعرض المعارضة والمقابلة، ومحصل الكلام أنا قابلنا بهذه الأمانة السماوات والأرض والجبال فكانت هذه أرجح وأثقل منها.

ومنها: أن الكلام جار مجرى الفرض والتقدير، والمعنى: أنَّا لو قدَّرنا أن للسماوات والأرض والجبال فهمًا، وعرضنا عليها هذه الأمانة لأبين حملها وأشفقن منها، لكن الإنسان تحملها.

وقوله: )عَلَى السَّمَوَاتِوَالأَرْضِوَالْجِبَالِ( أي هذه المخلوقات العظيمة التي خلقها أعظم من خلق الإنسان، كما قال: )لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ( (غافر: 57)، وقوله: )فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا( إباؤها عن حملها وإشفاقها منها عدم اشتمالها على صلاحية التلبس، وتجافيها عن قبولها، وفي التعبير بالحمل إيماء إلى أنها ثقيلة ثقلاً لا يحتملها السماوات والأرض والجبال([2]).

فالأرض والسماء هما مكان العرض، والصنعة والتكوين لمن يحمل الأمانة وهو الإنسان، ومن عرضها على السموات والأرض بقيت فيهما بعض آثار الأمانة وبعض آياتها وإشاراتها، قال تعالى: )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ( (فصلت: 53)، وقال سبحانه: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِوَاخْتِلافِ اللَّيْلِوَالنَّهَارِ لآيَاتٍ( (آل عمران: 190)، وقال جل وعلا: ) قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْض( (يونس: 101)، فالسموات والأرض فيهما بعض آثار الأمانة؛ لأنهما كانا ولا يزالا محل عرض الأمانة، قال تعالى: )وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ( (الذاريات: 20)، ففي الأرض أسرار الخافض والباسط والخلاَّق والرزاق، وفي السماء أسرار النور والرافع.

ثالثًا: المعروض

الأمانة - أيًّا ما كانت - شيء يودع عند الغير ليحتفظ عليه، ثم يرده إلى من أودعه، فهذه الأمانة المذكورة في الآية شيء ائتمن الله الإنسان عليه ليحفظ على سلامته واستقامته، ثم يرده إليه سبحانه كما أودعه.

وقد تكلم في الأمانة كثير من المفسرين، وكل منهم وصفها بوصف وحدَّها بحدود، ويمكن أن نقسم أقوالهم إلى ما يلي:

1- ثلاثة معانٍ مرفوضة: (التوحيد- معرفة الله- كلمة التوحيد)، لقوله تعالى: )وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ( (الإسراء: 44).

2- الطاعة:([3]) معنى مردود بقوله تعالى: )ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِوَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَاوَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ( (فصلت: 11).

3- الفرائض([4]) (كالصلاة والزكاة والصيام والحج.. إلخ)، وهذا المعنى غير مقبول عقليًّا؛ لأن السموات والأرض والجبال بصورتها التي نراها لا تستطيع أن تؤدي الصلاة الخاصة بنا، ومن أين لها أن تؤتي الزكاة؟، وكيف تصوم؟ وكيف تحج إلى بيت الله الحرام؟.

إن خِلقة هذه المخلوقات تتعارض مع القيام بهذه الفرائض كلها أو بعضها، بعكس تكوين الإنسان الهيكلي، فإنه يتواءم معها.

4- التكليف([5]): قيل المراد بها التكليف الموجب طاعته دخول الجنة، ومعصيته دخول النار، وهذا القول لا يسير مع مفهوم الأمانة في هذه الآية؛ لأن السموات والأرض والجبال مسخرة، والإنسان مكلف، ومعلوم أن المكلف لا يسخر، والمسخر لا يكلف، قال تعالى: )وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ( (الجاثية: 13).

5- العقل([6]): قيل المراد بها العقل الذي هو ملاك التكليف، ومناط الثواب والعقاب، وهذا القول مردود؛ لأن هذا يستوجب أن يكون كل عاقل مؤمنًا، وهذا محال.

6- الأعضاء([7]): قيل هي الأعضاء، فالعين أمانة من الله يجب حفظها وعدم استعمالها إلا فيما يرتضيه الله تعالى، وكذلك السمع واليد والرجل والبطن والفرج واللسان، وهذا القول مردود؛ لأن الأعضاء خدم للأمانة وليست هي الأمانة.

7- أمانات الناس والوفاء بالعهود([8]): قيل أن الأمانة هي أمانات الناس والوفاء بالعهود، وهذا القول لا يسير مع كلمة الأمانة في هذه الآية التي وردت بصيغة المفرد؛ لأن الأمانات الخاصة بالناس والوفاء بالعهود ذكرت في آيات أخرى صريحة بصيغة الجمع، قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا( (النساء: 58)، مع قوله تعالى: )وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ( (المؤمنون: 8).

8- الأمانة عند الإمام المجدد أبي العزائم:

 الأمانة وما أدراك ما الأمانة؟: غيب مكنون عن الروح به مضنون، أشفقت السموات والأرض أن يحملنه خوفًا من التكليف، وقد فازت بالتعريف، وخشية من الظهور فى البطون، ومن البطون فى الظهور.

الأمانة: هو ما حملته أمانة لديك، ليس منك ولا فيك، ولكنه منه جل جلاله، والذى يصل إليه يفوز بالحظوة لديه، ولأجله أمرت بالرياضات، وكلفت بالمجاهدات، ليحصل لك التوجه الذى به تواجه.

 إذا أمكنك أن تدفع الواردات عن القلب بذكر اللسان فى منزلة الإنسان، وأمكنك أن تذكر بالقلب مع إمساك اللسان، وأمكنك أن تذكر بالقلب واللسان حضورًا وغيابًا، لديها يظهر لك خافيك، وتقع العين على العين بلا بين.

أحب ما فيك منه، فهو المحبوب جل جلاله له لا أنت، وأحببه بما فيك منه، إذا تجردت من مقتضيات عناصرك.

بالأمانة: كلفت وعرفت، وهى الثواب والعقاب، إذا راق الشراب، وكشف الحجاب عن بديع جمال الجناب.

 محل الأمانة: هو القلب الذى هو عرش الرحمن- لا الشكل الصنوبرى- المقلب فى الأكوان. حملها الإنسان فكان ظلومًا جهولاً حتى يحملها، فيكون محمولاً لا حاملاً، وإشراقًا لا مشرقًا، يصفو اللطيف من الكثيف، ويحمل اللطيف بنوره هذا الكثيف، فيكون الإنسان الكامل- وهو فى سافل المكان- فى أعلى مكان.

يرى بما فيه من الأمانة وجه الله حيث ولَّى، ويلحظ بسره غيب القدس الأعلى حيث صلَّى. إذا لمع وميضها أخفى السور والرسم، ومحا الوسم، وألبس المحمول تاج الخلافة عن ربه، وساح فى ملكوته الأعلى فأشرف على قدس عزته وجبروته.

 الأمانة وما أدراك ما الأمانة؟: نور معانى الصفات فى مرآة صقلت بالمواجهة، وجملت بالمنازلة، فظهر الغيب المصون، وخفى المشهود بالعيون.

بالأمانة: القرب والحب، وإذا وفى فصفا حاملها. والوفا الاتباع مجاهدة، والصفا الاصطلام مواجهة، وهما واحد وإن  كانا اثنين، إذا زال الرين وأشرقت أنوار العين على العين، وانكشفت حقائق الأشياء بحقيقة الاستجلاء([9]).

هِيَ الأَمَانَةُ أَوْصَافٌ وَأَخْلاَقُ

بِهَا الْحَنِينُ إِذَا مَالاَحَ إِشْرَاقُ

إِشْرَاقُهَا حَضْرَةُ الْمَحْبُوبِ يُظْهِرُهَا

فَيَشْهَدُ الْغَيْبَ أَفْرَادٌ وَعُشَّاقُ

هِيَ الأَمَانَةُ فَوْقَ الْعَالَمِينَ عُلاً

يُجْلِي غَوَامِضَهَا فِي الْقُرْبِ خَلاَّقُ

اِلرُّوحِ ظِلٌّ لَهَا تُبْدِي مَحَاسِنَهَا

بِهَا يَصِحُّ الصَّفَا وَالْوَصْلُ إِغْرَاقُ

أَنْوَارُهَا أَصْعَقَتْ أَهْلَ الصَّفَا جَذَبَتْ

أَهْلَ الْفَنَا وَلَهُمْ فِي الْحُبِّ إِشْفَاقُ

قَدْ أَسْجَدَتْ لأَِبِي الإِنْسَانِ عَالَمَهُ

غَيْبٌ فَلَمْ تَرَهَا رُوحٌ وَأَحْدَاقُ([10])

ملحوظتان:

نلاحظ على تعريف الإمام المجدد أبي العزائم للأمانة ما يلي:

الملحوظة الأولى: كما أن الله يمنح الأطباء علاجات جديدة تتناسب وأمراض العصر، ويمنح العلماء الصالح لعصرهم في كتاب الله وسنة رسوله J، فقد تجلى على الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم 0 بمعنى الأمانة، وهذه نفحة لعصرنا لم تكن عند السابقين، قال J: (رب مبلغ أوعى من سامع)([11])، وقال: (بلغوا عني ولو آية)([12])، وقد اشتاق رسول الله J لإخوانه، واشتاق الإمام علي A إلى الأئمة الحجج.

الملحوظة الثانية: أن الإنسان هو مظهر الأنوار الإلهية، ففيه أسرار السميع، وأنوار البصير، وصفات المتكلم، وفيه سر العليم والحكيم والصانع. وفيه سر أخلاقه من حلم وعلم، وصبر ورحمة ورأفة، وعفو وحكمة، وإرادة ومشيئة واختيار، فالفكر والعقل والروح والقلب والغيب والسر والخفى والأخفى ونفخة القدس والنفس المطمئنة الراضية المرضية، وغيرها من المعاني والصفات التفصيلية، والآيات الملكوتية الروحانية والنورانية القدسية الربانية كلها من الأمانة.

رابعًا: حامل الأمانة

قال تعالى: )وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ( أي: اشتمل على صلاحيتها والتهيؤ للتلبس بها على ضعفه وصغر حجمه، )إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً( أي: ظالمًا لنفسه، جاهلاً بما تعقبه هذه الأمانة لو خانها من وخيم العاقبة والهلاك الدائم.

وبمعنى أدق لكون الإنسان خاليًا بحسب نفسه عن العدل والعلم، قابلاً للتلبس بما يفاض عليه من ذلك، والارتقاء من حضيض الظلم والجهل إلى أوج العدل والعلم.

والظلوم والجهول وصفان من الظلم والجهل معناهما من كان من شأنه الظلم والجهل، نظير قولنا: فرس شموس، ودابة جموح، وماء طهور، أي من شأنها ذلك كما قاله الرازي، أو معناهما المبالغة في الظلم والجهل كما ذكر غيره، والمعنى مستقيم كيفما كانا([13]).

والذي حمل الأمانة كلها هو الإنسان، فالسماء لم تحمل سر العليم ولا الحكيم ولا السميع ولا البصير، والأرض كذلك لم تحمل ما حمله الإنسان، وإنما الأرض والسماء هما المحل الذي عرضت فيه الأمانة، وصنع فيهما حامل الأمانة وهو الإنسان صاحب المظهر الكلي للأمانة، وهو الصورة الحاملة لها، وهو الذي خرج إلى الوجود بالأمانة كلها، وهو جاهل بها، قال تعالى: )وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً( (النحل: 78).

وحمل الأمانة وهو يحمل الظلم والجهل والكفر والفسوق والعصيان والطغيان، وجميع الصفات السفلية، مع صفات الأمانة العلية. وقد أمره الله بالجهاد ليخرج من دائرة الفساد والظلم والإلحاد، ويكون أهلاً لحمل الأمانة التي بها يكون مثلاً أعلى للعلي الأعلى، سر قوله تعالى: )وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى( (النحل: 60)، وقوله سبحانه: )اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ( (النور: 35).

والإنسان الحافظ للأمانة هو هذا المثل، وكم في الأمانة من أسرار، حرم منها كل ظلوم جهول، وفاز بها كل من أطاع الله والرسول.

فإن قلت: ما بال الحكيم العليم حمل على هذا المخلوق الظلوم الجهول حملاً لا يتحمله لثقله وعظم خطره السماوات والأرض والجبال على عظمتها وشدتها وقوتها، وهو يعلم أنه أضعف من أن يطيق حمله، وإنما حمله على قبولها ظلمه وجهله، وأجرأه عليه غروره وغفلته عن عواقب الأمور، فما تحميله الأمانة باستدعائه لها ظلمًا وجهلاً إلا كتقليد مجنون ولاية عامة يأبى قبولها العقلاء ويشفقون منها، يستدعيها المجنون لفساد عقله وعدم استقامة فكره.

قلت: الظلم والجهل في الإنسان وإن كانا بوجه ملاك اللوم والعتاب فهما بعينهما مصحح حمله الأمانة والولاية الإلهية، فإن الظلم والجهل إنما يتصف بهما من كان من شأنه الاتصاف بالعدل والعلم، فالجبال مثلاً لا تتصف بالظلم والجهل، فلا يقال: جبل ظالم، أو جاهل، لعدم صحة اتصافه بالعدل والعلم، وكذلك السماوات والأرض لا يحمل عليها الظلم والجهل لعدم صحة اتصافها بالعدل والعلم بخلاف الإنسان.

والأمانة المذكورة في الآية وهي الولاية الإلهية وكمال صفة العبودية إنما تتحصل بالعلم بالله والعمل الصالح الذي هو العدل، وإنما يتصف بهذين الوصفين- أعني العلم والعدل- الموضوع القابل للجهل والظلم، فكون الإنسان في حد نفسه وبحسب طبعه ظلومًا جهولاً هو المصحح لحمل الأمانة الإلهية، فافهم ذلك.

فمعنى الآيتين يناظر بوجه معنى قوله تعالى: )لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ( (التين: 4- 6) ([14]).

والجهل عند الإمام أبى العزائم مقامٌ للعبد الكامل لَدُنْ رَبِّهِ فيقول:

وَالْجَهْلُ عِنْدِى مَقَامٌ لَّيْسَ يُدْرِكُهُ

عِلْمٌ بِهِ جَلَّ عَن دَرْكٍ وَّأَفْهَامْ

ويقول مبيِّنًا أن الجهل هو عين العلم:

وَعَلِمْتُ بَعْــدَ جَهْلِى

وَجَهِلْتُ بَعْـــدَ عِلْمِى

صَارَ عِلْمِى عَيْنُ جَهْلِى

بَلْ وَجَهْلِى عَيْنُ عِلْمِى([15])

خامسًا: سبب انقسام الناس

قال تعالى: )لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِوَالْمُشْرِكِينَوَالْمُشْرِكَاتِ(، اللام للغاية، أي كانت عاقبة هذا الحمل أن يعذب الله المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، وذلك أن الخائن للأمانة يتظاهر في الأغلب بالصلاح والأمانة وهو النفاق، وقليلاً ما يتظاهر بالخيانة لها، ولعل اعتبار هذا المعنى هو الموجب لتقديم المنافقين والمنافقات في الآية على المشركين والمشركات([16]).

والمنافقون والمنافقات هم المخادعون والمخادعات الذين سمعوا الأوامر والنواهي والوصايا الإلهية على حفظ هذه الأمانة، وأقروا وقالوا بألسنتهم: إنَّا مطيعون، وهم كاذبون. أما المشركون والمشركات فهم الذين جعلوا لله شريكًا في هذه الأمانة، واتخذوا مع الله نظيرًا في الألوهية، وندًا في الربوبية، وهذا من صفات الظلومية والجهولية، والظلم والجهل مآله الهلاك والوبال والضلال والعذاب والخسران المبين.

وقوله: )وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(، عطف على (يُعَذِّبَ) أي وكان عاقبة ذلك أن يتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، والتوبة من الله هي رجوعه إلى عبده بالرحمة، فيرجع إلى الإنسان إذا آمن به ولم يخن بالرحمة، ويتولى أمره، وهو ولي المؤمنين، فيهديه إليه بالستر على ظلمه وجهله، وتحليته بالعلم النافع والعمل الصالح؛ لأنه غفور رحيم([17])، أي يتجلى التواب بالمتاب على كل مؤمن ومؤمنة من صدقوا الله ورسوله، واعترفوا بهذه الأمانة أنها لله، وأنهم عاجزون عن الوفاء بحقها، ولا يقدرون على القيام بحفظها كما أمرهم الله، وبذلك يعينهم الله ويعفو ويغفر لهم ما قصَّروا فيه، وما عجزوا عنه من أداء الواجب نحو تلك الأمانة.

والسبب في انقسام الناس إلى: منافق، ومشرك، ومؤمن، أن لله تعالى أوصافًا وأخلاقًا، وجمالاً وجلالاً وبهاءً، وكمالاً وضياءً، وأنوارًا وأسماءً، وهو سبحانه كان ولم يكن شيئًا مذكورًا، كان ولا شىء معه، لكنه أراد أن يظهر لغيره، فاقتضت مشيئته أن توجد خلقًا حتى يعرف الخلاق، وأراد سبحانه أن يوجد رزقًا حتى يظهر الرزاق، ويخلق صورًا حتى يظهر المصور، وسمعًا حتى يعرف السميع، وبصرًا حتى يظهر البصير، وعلمًا حتى يعرف العليم، وهداية حتى يعرف الهادي، وأراد أن يخلق صورة تدل على جميع أسمائه وصفاته، وجميع أخلاقه وجماله وجلاله وتجلياته فوقع الاختيار على الإنسان.

وقسم الناس على قسمين: قسم جعله مظهرًا لجماله، وقسم جعله مظهرًا لجلاله.

فقسم الجمال: ظهر فيه بالرؤوف والرحيم والعليم والحكيم والوهاب والغفور والتواب والمؤمن والسلام وباقي أسماء الجمال.

والقسم الثاني: ظهر فيه بالقهار والجبار والمنتقم وشديد البطش وباقي أسماء الجلال.

فالذين تجلى وظهر فيهم بالجلال والانتقام والقهر هم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات، والذين ظهر وتجلى فيهم بالجمال والحنان والإحسان هم المؤمنون والمؤمنات، والآية تشير إلى القسمين، القسم الجلالي: )لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَوَالْمُنَافِقَاتِوَالْمُشْرِكِينَوَالْمُشْرِكَاتِ(، والقسم الجمالي: )وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَوَالْمُؤْمِنَاتِ(، وختم ذلك باسمين من أسماء الجمال )وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(، بعد أن ذكر الاسم الجامع للأسماء والصفات كلها.

وكأن الله سبحانه يقول لنا: إني خلقت الخلق لأظهر بأسمائي وصفاتي، وجلالي وجمالي، وأخلاقي وأوصافي وكمالي، وخلقت الإنسان وجعلته محلاً لتلك الأمانة، فمنهم من حمل الأمانة وظلم وطغى وبغى وخان الأمانة فجعلته مظهرًا لعذابي وعقابي وجلالي، ومنهم من حمل الأمانة وصدق وآمن وأطاع فجعلته مظهرًا لنعيمي وثوابي وجمالي، وأنا الأول والآخر والظاهر والباطن، والخلق جميعًا مرآة ظهرت فيها إرادتي ومشيئتي وأمري وحكمي، فكان عذابي ولعنتي من نصيب المنافقين والمشركين، ومحبتي ورحمتي من نصيب المؤمنين، وكلهم حملوا الأمانة، فالمؤمنون وفوا وصدقوا، والمنافقون نقضوا العهود وخانوا الأمانة، فسعد المؤمنون وفازوا الفوز العظيم، وشقي المنافقون والمشركون وخسروا الدنيا والدين وذلك هو الخسران المبين.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

 



([1]) مختار الصحاح للرازي 1/202.

([2]) تفسير الميزان للطباطبائي، 16/ 544-546.

([3]) تفسير ابن كثير 6/488.

([4]) تفسير ابن كثير 6/488.

([5]) تفسير الرازي 4/88.

([6]) تفسير البيضاوي 5/22.

([7]) تفسير القرطبي 14/253.

([8]) تفسير القرطبي 14/253.

([9]) الطهور المدار للإمام أبي العزائم ص88-90.

([10]) ديوان ضياء القلوب للإمام أبي العزائم 20/40 قصيدة رقم 9573.

([11]) سنن النسائي 3/432 ح5850.

([12]) صحيح البخاري 6/572 ح3461.

([13]) تفسير الميزان للطباطبائي، 16/ 545.

([14]) تفسير الميزان للطباطبائي، 16/ 544.

([15]) السيرة النبوية لأبي العزائم، 2/72.

([16]) تفسير الميزان للطباطبائي، 16/ 545.

([17]) تفسير الميزان للطباطبائي، 16/ 545.

Rate this item
(9 votes)
  • Last modified on الخميس, 04 أيار 2017 08:43
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الخامسة بعد المائة يوم الجمعة 9 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م، والسادسة بعد المائة يوم الجمعة 7 رمضان 1438هـ الموافق 2 يونيه 2017م.

وسيقام بمشيخة الطريقة العزمية مولد الإمام الحسين عليه السلام يوم الجمعة 9 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م