في ذكرى فتح القسطنطينية.. الصوفية تصنع الأبطال!!

+ قصة تربية محمد الفاتح نحتاج أن نسير عليها  في تربية أبنائنا.

+ كفى الصوفية شرفًا أن يتحقق فيهم حديث النبي J: (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش).

+ الصوفي آق شمس الدين مربي محمد الفاتح كان عالمًا بالقرآن والسنة واللغات والفلك والرياضيات والتاريخ والنبات والصيدلة والأمراض النفسية والطب، وهو واضع أول تعريف للميكروب قبل ظهور الميكروسكوب!!.

 

+ ما أحوجنا اليوم إلى الصوفية لإعداد محمد الفاتح الجديد ليحرر أرض فلسطين، ويعيد الأمل في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها.

 الشريف عبد الحليم العزمى الحسينى

الأمين العام والمتحدث الرسمى للاتحاد العالمى للطرق الصوفية 

 

في ذكرى فتح القسطنطينية.. الصوفية تصنع الأبطال!!

تعد قصة السلطان محمد الفاتح منذ تربيته وغرس أمل الأمة به حتى فتحه للقسطنطينية من أعظم القصص التى نحتاج أن نسير عليها في تربية أبنائنا.

وفي مثل هذا الشهر وتحديدًا في يوم الثُلاثاء 21 جمادى الأولى سنة 857هـ المُوافق 29 مايو سنة 1453م انهارت دفاعات الروم ووقعت مدينة القسطنطينية لأول مرة في يد المسلمين.

فما قصة الفتح؟

ظل حديث النبي J: (لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ)([1])، محط أنظار لكثير من حكام المسلمين لحوالي ثمانية قرون ونصف، يحاول كل منهم أن يحظى بهذا الشرف لكنهم لم يستطيعوا  نظرًا لموقع المدينة الحصين وأسوارها السميكة وبسالة المُدافعين عنها. وقد بلغ عددُ المرَّات التي حوصرت فيها المدينة من قِبل المُسلمين 11 مرَّة قبل فتحها.

وتعددت المحاولات الفاشلة للفتح طيلة هذه المدة، كما يلي:

أولى المُحاولات الإسلاميَّة لِفتح القسطنطينيَّة كانت سنة 49هـ، المُوافقة لِسنة 669م، وذلك في عهد مُعاوية بن أبي سُفيان، إذ أرسل حملةً عسكريَّةً بريَّةً ضخمة لِحصار المدينة بقيادة فضالة بن عُبيد الله الأنصاري الذي توغَّل في عُمق الأراضي البيزنطيَّة حتّى وصل إلى خلقدونيَّة القريبة من العاصمة الروميَّة. وقد أمضى فضالة شتاء تلك السنة في أملاك الإمبراطوريَّة وكان مُعاوية يمُدُّه بالإمدادات والمؤن. وقد قامت هذه الإمدادات، بقيادة سُفيان بن عوف، بتنفيذ الحصار على العاصمة البيزنطيَّة.

ونظرًا لجسامة المُهمَّة وأهميَّة الحملة، أردف مُعاوية القوَّات الإسلاميَّة بابنه يزيد على رأس قوَّةٍ إضافيَّةٍ، مما أنعش آمال المُسلمين بمواصلة الحصار.

واصطدم الفريقان الإسلامي والرومي في معارك التحاميَّة تحت أسوار المدينة، إلا أنَّ المُسلمين لم يُحرزوا انتصاراتٍ حاسمة، فاضطرّوا إلى فك الحصار والعودة إلى دمشق.

وتوفي في هذه الغزوة الصحابي أبو أيّوب الأنصاريّ الذي رافق جيش يزيد، ودُفن عند أسوار القسطنطينيَّة([2]).

وفي سنة 54هـ المُوافقة لسنة 674م بدأ الحِصارُ الثاني للقسطنطينيَّة واستدعى الأمر تعزيز القوَّة البحريَّة الإسلاميَّة في مياهها، وانضمَّ إليها أسطولٌ إسلاميٌ آخر بقيادة جُنادة بن أبي أُميَّة الأزدي بعد أن فتح جزيرة أرواد القريبة منها حيثُ اتخذها المُسلمون قاعدة انطلاق.

وتخلل الحِصار مُناوشاتٌ بين الأسطولين الإسلامي والبيزنطي، في حين تراشقت القوَّاتُ البريَّةُ الإسلاميَّةُ المُرابطة حول العاصمة، مع الجُنود الروم المُرابطين على أسوارها، بالقذائف والسِّهام.

استمرَّ هذا الوضع قائمًا طيلة سبع سنوات حتّى سنة 60هـ المُوافقة لسنة 680م اقتصرت خلالها العمليَّات العسكريَّة على فترتيّ الربيع والصيف لصُعوبة القتال في الشتاء.

وصمدت المدينة أمام الحصار، فلم يُحرز المُسلمون انتصاراتٍ حاسمةٍ بفعل أنَّ جُهودهم تركَّزت على مُحاصرة المدينة من جهة البحر. أمَّا الحصار البرّي فكان مُزعزعًا حيثُ بقيت الطُرق البريَّة وطريق البحر الأسود مفتوحة أمام البيزنطيين مما جعل منها مُتنفسًا وطريقًا للإمدادات والمؤن. أمام هذا الواقع، أمر مُعاوية ابن أبي سُفيان الجيش الضخم أن يعود أدراجه إلى دمشق، وأبرم هدنةً طويلةً مع الروم تستمرُّ ثلاثين سنة.

وعاود المُسلمون الكرَّة على القسطنطينيَّة في خِلافة سُليمان بن عبد الملك، سنة 98هـ المُوافقة لسنة 717م، عندما جمع الخليفة سالف الذِكر جيشًا بريًّا بلغ قوامه 180 ألف جُندي من أهل الشَّام والجزيرة الفُراتيَّة والموصل، بالإضافة إلى 1800 قطعة بحريَّة، واتَّخذ من دابق مُعسكرًا له، وأعطى الله عهدًا أن لا ينصرف حتّى يدخل الجيش القسطنطينيَّة.

ومن هذا المكان قام الخليفة بتعبئة الجيش وحرَّكه باتجاه العاصمة البيزنطيَّة بقيادة أخيه مسلمة، فوصلها بعد أن فتح بضعة ثغور على طول الطريق وألقى أفراده أنفسهم عند أسوار القسطنطينيَّة وحاصروها من جهة البرّ.

وتحرَّك في الوقت نفسه الأسطول الإسلامي الضخم باتجاه مضيق الدردنيل وبحر مرمرة وحاصر المدينة من جهة البحر. وقام مسلمة بن عبد الملك بنصب المجانيق الضخمة على المدينة وأخذ يضربها، لكن ردَّته مناعة الأسوار ومهارة المُهندسين الروم في ترميم ما يتهدَّم منها بسُرعة، وتوفّر أدوات الدفاع لديهم. كما هبَّت عاصفة عاتية حطَّمت عددًا كبيرًا من السُفن الإسلاميَّة، فانتهز البيزنطيّون هذه الفُرصة وأحرقوا عددًا كبيرًا منها بالنار الإغريقيَّة.

كما عجز الجيش الإسلامي من تطويق الجبهة الشماليَّة للعاصمة البيزنطيَّة مما مكَّنها من الاتصال بسواحل البحر الأسود التي أمدَّتها بحاجتها من الغِلال والمؤن، وفتك البرد القارس بعددٍ من الجنود، وهاجمهم البلغار من الجانب الأورپيّ بالاتفاق مع الإمبراطور الرومي ليو الثالث الإيساوري، ثُمَّ توفي سُليمان بن عبد الملك واعتلى عُمر بن عبد العزيز سُدَّة الخِلافة، فأرسل كتابًا إلى مسلمة يأمره بفكّ الحصار والعودة إلى دمشق، ففعل الأخير ما أُمر به في شهر ذي الحجَّة سنة 99هـ ، المُوافق شهر يوليو سنة 718م.

إلى جانب المُحاولات سالِفة الذِكر، جرت بضعة مُحاولات أُخرى لم تبلغ المدينة نفسها بل وصلت ضواحيها ثُمَّ ارتدَّت عنها، وقد وضعها بعض المؤرخين من جُملة المُحاولات الإسلاميَّة لفتح القسطنطينيَّة، ومنها حملة الخليفة العبَّاسي هٰرون الرشيد لمُعاقبة قيصر الروم الإمبراطور نقفور الأوَّل، والتي تمكَّن خلالها من فتح مدينة هرقلة إحدى ضواحي القسطنطينيَّة.

المُحاولات العُثمانيَّة

خمدت المُحاولات الإسلاميَّة لفتح القسطنطينيَّة بضعة قرونٍ مُنذ أن تقسَّمت الدولة العبَّاسيَّة وأخذ السلاطين والأُمراء المُسلمين ينزوون في البلاد التي استقلّوا بها، ونتيجةً للنكبات التي تعرَّض لها المشرق الإسلامي جرَّاء الحملات الصليبيَّة والغزو المغولي، ولم تنتعش تلك المُحاولات مُجددًا سوى في بداية العهد العُثماني. ففي سنة 793هـ المُوافقة لسنة 1391م، ضرب السُلطان بايزيد الأوَّل حصارًا على القسطنطينيَّة وأجبر الإمبراطور عمانوئيل پاليولوگ الثاني على قُبول شُروط الصُلح، ليتفرَّغ لقتال الحلف الأورپيّ الصليبيّ في البلقان، وبعد أن تمَّ له النصر على هذا الحِلف وأمَّن الجبهة البلقانيَّة وسيطر على قسمٍ من شبه جزيرة المورة، التفت بايزيد مُجددًا نحو القسطنطينيَّة بعد أن امتنع الإمبراطور البيزنطي عن الوفاء بالتزاماته تجاه الدولة العُثمانيَّة، فقام بعزل العاصمة عن مُحيطها، وأحكم الحصار عليها بأن بنى على شاطئ الأناضول قلعة «أناضولي حصار» على مسافة ثمانية كيلومتراتٍ منها على ساحل مضيق البوسفور.

وكاد العُثمانيّون يُفلحون بالدخول إلى العاصمة لولا الاجتياح المغولي للمنطقة بقيادة تيمورلنك، فاضطرَّ بايزيد إلى فكِّ الحصار عن القسطنطينيَّة والسير لمُلاقاة المغول في سهول أنقرة، بعد أن جدَّد شروط المُعاهدة السابقة مع الروم وأضاف إليها شروطًا أُخرى.

وقع الحصار العُثماني الثاني للقسطنطينيَّة بعد وفاة بايزيد الأوَّل في الأسر بعد أن أسره تيمورلنك في معركة أنقرة، وبعد أن انقسمت الدولة العُثمانيَّة إلى دويلات وإمارات، فقام سُلطان الروملّي موسى چلبي بن بايزيد بمُحاصرة القسطنطينيَّة ليستأثر بها لنفسه، فاستنجد إمبراطورها بشقيق موسى، مُحمَّد (المشهور باسم مُحمَّد چلبي أو مُحمَّد الأوَّل)، فأتى مُسرعًا وأجبر أخاه على رفع الحصار عن المدينة بالتعاون مع أمير الصرب، ثُمَّ قبض على أخيه وقتله، وذلك في سنة 816هـ المُوافقة لسنة 1413م.

آخر الحصارات العُثمانيَّة للقسطنطينيَّة قبل فتحها كانت حصار السُلطان مُراد الثاني بن مُحمَّد چلبي، الذي توجَّه على رأس قوَّاتٍ كثيفة تُقدَّر بخمسين ألف جُندي إلى القسطنطينيَّة وحاصرها يوم 3 رمضان سنة 825هـ المُوافق 21 أغسطس سنة 1422م للانتقام من الإمبراطور عمانوئيل الثاني الذي أطلق سراح عمِّه اللاجئ إلى العاصمة، الشاهزاده مُصطفى چلبي المُطالب بالعرش العُثماني، وأغراه بالخروج على ابن أخيه، فكان لا بُدَّ من الاقتصاص من الروم بعد هذا، فاشتبك العُثمانيّون معهم في قتالٍ عنيف عند أسوار القسطنطينيَّة، لكنَّهم رجعوا بدون أن يتمكنوا من فتحها نتيجة نشوب ثورة في الأناضول تزعَّمها أُمراء القرمان والكرميان بقيادة الشاهزاده مُصطفى سالِف الذِكر.

وفي يوم 16 مُحرَّم سنة 855هـ المُوافق 18 فبراير سنة 1451م اعتلى مُحمَّد بن مُراد عرش آل عُثمان، فعُرف بمُحمَّد الثاني، ولم يكن خارجًا عن سُلطانه حينها إلا جزء من إمارة القرمان ومدينة سينوپ ومملكة طرابزون الروميَّة بآسيا الصُغرى، وصارت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة قاصرةً على مدينة القسطنطينيَّة وضواحيها، فبدا واضحًا أنَّ أيامها أصبحت معدودة.

محمد الفاتح.. هكذا بُني القائد

وُلد محمد الثاني، للسلطان "مراد الثاني" و"هما خاتون"، فجر يوم الأحد بتاريخ 20 أبريل 1429 م، الموافق 26 رجب سنة 833 هـ في مدينة أدرنة، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك.

عندما بلغ محمد الثاني ربيعه الحادي عشر أرسله والده السلطان إلى أماسيا ليكون حاكمًا عليها وليكتسب شيئًا من الخبرة اللازمة لحكم الدولة، كما كانت عليه عادة الحكّام العثمانيين قبل ذلك العهد. فمارس محمد الأعمال السلطانية في حياة أبيه، ومنذ تلك الفترة وهو يعايش صراع الدولة البيزنطية في الظروف المختلفة، كما كان على إطلاع تام بالمحاولات العثمانية السابقة لفتح القسطنطينية، بل ويعلم بما سبقها من محاولات متكررة في العصور الإسلامية المختلفة.

وخلال الفترة التي قضاها حاكمًا على أماسيا، كان السلطان مراد الثاني قد أرسل إليه عددًا من المعلمين لكنه لم يمتثل لأمرهم، ولم يقرأ شيئًا، حتى أنه لم يختم القرآن الكريم، الأمر الذي كان يُعد ذا أهمية كبرى، فطلب السلطان المذكور، رجلاً له مهابة وحِدَّة، فذُكر له المولى "أحمد بن إسماعيل الكوراني"، فجعله مُعلمًا لولده وأعطاه قضيبًا يضربه به إذا خالف أمره، فذهب إليه، ودخل عليه والقضيب بيده، فقال: "أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري"، فضحك السلطان محمد الثاني من ذلك الكلام، فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربًا شديدًا، حتى خاف منه السلطان محمد، وختم القرآن في مدة يسيرة([3]).

هذه التربية الإسلامية كان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصية محمد الفاتح، فجعلته مسلمًا مؤمنًا ملتزمًا بحدود الشريعة، مقيدًا بالأوامر والنواهي، مُعظمًا لها ومدافعًا عن إجراءات تطبيقها، فتأثر بالعلماء الربانيين، وبشكل خاص معلمه المولى "الكوراني" وانتهج منهجهم.

اللقاء مع المربي الصوفي

ولم يكتفِ والده بذلك، بل أراد أن يكون من معلمي ابنه عالم جليل من كبار علماء الصوفية في عصره، فأسند إليه تعليمه، وهو الشيخ "آق شمس الدين" في تكوين شخصية محمد الفاتح وبث فيه منذ صغره أمرين هما: مضاعفة حركة الجهاد العثمانية، والإيحاء دومًا لمحمد منذ صغره بأنه الأمير المقصود بالحديث النبوي، لذلك كان الفاتح يطمع أن ينطبق عليه حديث نبي الإسلام([4]).

من هو آق شمس الدين([5]

يعد الشيخ "آق شمس الدين" أحد أبرز أعلام الحضارة الإسلامية في العهد العثماني. وهو الشيخ "محمد شمس الدين بن حمزة"، ويتصل نسبه إلى الخليفة الراشد "أبو بكر الصديق" رضي الله عنه، وهو أستاذ السلطان "محمد الفاتح"، والفاتح المعنوي لمدينة إسطنبول.

ولد آق شمس الدين في دمشق عام 1389م، وحفظ القرآن وهو في السابعة من عمره ثم انتقل مع عائلته إلى أماسيا، اهتم الشيخ آق شمس الدين بالعلم والفن منذ صغر سنه، ودرس في أماسيا ثم في حلب ثم في أنقرة، وكرس حياته للعلم حتى غدا من العلماء المشهورين في مجال الطب والفلك وعلم الأحياء والرياضيات والعلوم الإسلامية، وبعد ما أكمل دراسته اتخذ مكانه بين العلماء العظماء، فأصبح أحد كبار علماء عصره، وعمل في المدارس العثمانية لسنوات طويلة فنشأ على يده مئات الطلاب من المبدعين.

بدأت شهرته عندما كان مدرسًا للسلطان "محمد الثاني"، حيث بقي قائمًا على تدريس السلطان "محمد الفاتح" حتى بلغ أشده، فتعلم الفاتح على يده العلوم الأساسية كالقرآن الكريم والسنة النبوية والفقه واللغات (العربية والفارسية والتركية) وعلم الفلك والرياضيات والتاريخ، لذا فقد كان له تأثيرًا بالغًا على توجهات محمد الفاتح عسكريًّا وثقافيًّا.

كما اشتهر الشيخ آق شمس الدين في علم النبات، فكان له الكثير من البحوث فيما يخص علم النبات والصيدلة حتى ضُرب فيه مثل يقول: "إن النبات ليحدث آق شمس الدين"، واهتم أيضًا بالأمراض النفسية فاشتهر بلقب "طبيب الأرواح"، وكان له بصمة بارزة في مجال الطب والأمراض المعدية حيث ألف كتابًا في ذلك بعنوان "مادة الحياة" ومما ورد في هذا الكتاب "من الخطأ تصور أن الأمراض تظهر على الأشخاص تلقائيًّا، فالأمراض تنتقل من شخص إلى آخر بطريقة العدوى، وهذه العدوى صغيرة ودقيقة إلى درجة عدم القدرة على رؤيتها بالعين المجردة، لكن هذا يحدث بواسطة بذور حية".

وبهذا فقد وضع الشيخ آق شمس الدين أول تعريف للميكروب في القرن الخامس عشر، حيث لم يكن قد ظهر الميكروسكوب (المجهر) بعد، ليأتي بعد ذلك بأربعة قرون العالم الفرنسي "لويس باستير" ليصل إلى نفس النتيجة.

من أشهر مؤلفاته كتابين في الطب هما: "مادة الحياة" و"كتاب الطب" وهما باللغة العثمانية، وسبع كتب باللغة العربية من أهمها: "حل المشكلات" و "الرسالة النورية" و "رسالة في ذكر الله".

تولي الحكم ثم التنازل

بعد أن توفى أخوه الأكبر وولي العهد الأمير علاء الدين، حزن أبوه حزنًا شديدًا وسئم الحياة، فتنازل عن الملك لابنه محمد وعمره 14 عامًا، وقتها وجد محمد نفسه أمام مهام كبيرة، ولم تمض إلا أشهر حتى غدر المجر وأغاروا على بلاد البلغار غير مراعين شروط الهدنة الموقعة عام 1444م مع أبيه السلطان مراد الثاني، كما جاء في كتاب تاريخ الدولة العليّة العثمانية.

فما كان من محمد إلا أن أرسل رسالة إلى أبيه كان فيها "إن كنت أنت السلطان فتعال وقف على قيادة جيشك ورياسة دولتك، وإن كنت أنا السلطان فإني آمرك بقيادة الجيش"، وعاد أبوه وصد الهجوم وانتصرت الدولة العثمانية([6]).

الشيخ والأمير؟

ثم بعد وفاة أبيه في محرم 855هـ، فبراير 1451م، تولى محمد الثاني سلطنة الدولة العثمانية، فوجهه "آق شمس الدين" على الفور للتحرك بجيوشه لفتح القسطنطينية، فكان له مساهمة مباشرة وغير مباشرة في فتح اسطنبول، حيث شارك مع أبنائه وطلابه وتلاميذه في جيش الفتح العظيم وهناك لُقب باسم "الفاتح الروحي لمدينة إسطنبول"، وبعد الفتح العظيم للقسطنطينية كان الشيخ آق شمس الدين أول من يلقي خطبة للجمعة في مسجد آيا صوفيا.

 فكان محبوبًا لدى الفاتح، وقد عبّر الفاتح عن احترامه له بقوله: "إن احترامي للشيخ آق شمس الدين، احترام غير اختياري، وإنّني أشعر وأنا بجانبه بالانفعال والرهبة".

لم يحتل أحد في قلب محمد الفاتح مكانة مثلما احتلها أستاذه آق شمس الدين، أما آق شمس الدين فكان مهيبًا لا يخشي سوى الله، لذا كان عند قدوم السلطان لزيارته لا يقوم له من مجلسه، أما عند زيارته للسلطان فقد كان السلطان يقوم له من مجلسه توقيرًا له واحترامًا ويجلسه بجانبه، حتى لاحظ ذلك وزراء السلطان وحاشيته، حتى أبدى الصدر الأعظم "محمود باشا" دهشته للسلطان فقال له : لا أدري يا سلطاني العظيم، لم تقوم للشيخ "آق شمس الدين" عند زيارته لك، من دون سائر العلماء والشيوخ، في الوقت الذي لا يقوم لك تعظيمًا عند زيارتك له؟ فأجابه السلطان: أنا أيضًا لا أدري السبب، ولكني عندما أراه مقبلاً عليًّ، لا أملك نفسي من القيام له، أما سائر العلماء والشيوخ، فإني أراهم يرتجفون من حضوري، وتتلعثم ألسنتهم عندما يتحدثون معي، في الوقت الذي أجد نفسي أتلعثم عند محادثتي الشيخ آق شمس الدين.

انكسار ثم بشارة

بعد أن أتم محمد الثاني كافة التجهيزات السياسية والعسكرية بدأ بالتحرك لفتح القسطنطينية يوم الخميس 6 أبريل 1453م، الموافق 26 ربيع الأول 857 هـ، فزحف بجيشه البالغ 265 ألف مقاتل من المشاة والفرسان، تصاحبهم المدافع الضخمة، واتَّجهوا إلى القسطنطينية، لكنهم فشلوا في تحقيق هدفهم بعد عدة محاولات.

وفي 18 جماد الأول حضر من المجر وفدٌ كبير يحملُ رسالةً إلى السُلطان مُحمَّد باسم العالم المسيحيّ، وهدَّد بأنَّ أُسطول البُندقيَّة (الذي كان سيِّد البحر المُتوسّط في ذلك الزمن) مُعززًا بأساطيل أورپَّا المُختلفة، على وشك اجتياز مضيق چنق قلعة، وأنَّ جيشًا مسيحيًّا كبيرًا أكمل استعداداته الأخيرة لاجتياز الطونة (الدانوب) نحو الجنوب. وفي الوقت نفسه، كان أمير القرمان إبراهيم بك قد اتفق مع البنادقة على ضرب العُثمانيين ضربةً خلفيَّةً من الأناضول حالما يعترض الجيش المسيحيّ من الشمال.

بناءً على هذه المُعطيات عقد السُلطان مُحمَّد مجلسه الحربي للمرَّة الأخيرة للاستماع لرأي القادة والوزراء والمُستشارين، فكرر الصدر الأعظم خليل جندرلي باشا نصيحته للسُلطان بأنَّهُ يرى فرض شروطه ورفع الحصار.

عارض الشيخ آق شمسُ الدين ذلك بشدَّة مُعلنًا أنَّه رأى في منامه بشارة فتح القسطنطينيَّة على يد السُلطان، وتلا عليه حديث الرسول J الخاص بالفتح: «لتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ».

وزاد قائلاً: «يَجِبُ الاسْتِمْرَارُ فِي الحَرْبِ، وبِالغَايَةِ الصَّمَدَانِيَّةِ سيَكُونُ لنا النَّصرُ والظَّفرُ»([7]).

كما قال أنَّه رأى الصَّحابي أبا أيّوب الأنصاري في منامه يُخبره عن موضع قبره، وعثر السُلطان والشيخ آق شمسُ فعلاً على قبر الصحابي، وكانت معالمه قد طُمست وانهارت القبَّة التي بناها فوقه قيصر الروم طيباريوس، فأمر السُلطان بتنظيم الحراسة على القبر([8]).

الفاتح يستبشر ويتنصر

كانت كلمات آق شمس الدين وقودًا لنفس محمد الفاتح جعله يأمر بخطة جديدة للمعركة، وقام بتشديد الحصار على المدينة، وخطب خطبة عظيمة، وقالها صراحة: (إمَّا أن يسقط العُثمانيون أو تسقط القسطنطينيَّة)، وقال أيضًا: (عَن قَرِيْبٍ سِيَكُونُ لِي فِي القُسْطَنْطِينِيَّةَ‏ عَرْشٌ أو يَكُونُ لِي فِيْهَا قَبْرٌ)([9]).

وقد استغرب البيزنطيون من خطط محمد الفاتح، خلال مدة الحصار، فلصعوبة وصول سفنه إلى قرب المدينة وتدميرها قبل الاقتراب إذا دخلت من المضيق، قرر أن يحمل الجنود السفن فوق الجبال ثم ينزلونها أمام المدينة مرة واحدة، حتي إن أحد المؤرخين البيزنطيين قال: (ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الإسكندر الأكبر)([10]).

الصوفية وقود النصر

في صبيحة الثلاثاء 21 جمادى الأولى 857هـ الموافق 29 مايو 1453م، وبعد صلاة الفجر، بدأ الهجوم الإسلامي العام على القسطنطينيَّة، فبدأت المدفعيَّة تُطلق نيرانها مع بزوغ أشعَّة الشمس الأولى، وبدأ الجُند تحت ستار هذه النيران بالضغط على الأسوار، ومُحاولة تسلُّقها من جميع الجهات (على أنَّ الهجوم تركَّز على بوَّابة رومانوس بشكلٍ أساسيّ)، وأخذت فرق «المهتر» الموسيقيَّة العسكريَّة تضرب طبولها وتدوي أبواقها لإثارة حمية الجنود، ورجال الدين ومشايخ الطُرق الصوفيَّة يتجوَّلون بين صفوف العُثمانيين يُشجعون المُقاتلين ويتلون الأدعية ويُنشدون الأشعار والمنظومات الدينيَّة، ويُرددون الآيات القُرآنيَّة والأحاديث النبويَّة التي تحثُّ على القتال والجهاد في سبيل الله([11]).

التسامح بعد الفتح

فتح الله على الجيش العُثماني فدخل المدينة وحطم أبواب القلاع الواحدة تلو الأُخرى ويسَّر دخول كافَّة الوحدات العسكريَّة الأُخرى، ثُمَّ أخذ الجنود بالقضاء على أوكار المُقاومة الأخيرة، وساروا في تشكيلٍ نظاميّ نحو ميدان آيا صوفيا حيثُ تجمهر أهالي المدينة.

وخصص السُلطان فرقًا عسكريَّة لحراسة بعض مواقع المدينة وأهمَّها الكنائس، مثل كنيسة الحواريين، كي لا يتعرَّض لها أحد الجنود بضرر. وفي عصر ذلك اليوم، دخل السُلطان المدينة على ظهر جواده الأبيض «جان بولاد» (جُنبُلاط، أي ذي الروح الفولاذيَّة)، وقد بلغ من العُمر 22 ربيعًا، ونشر راية السّلام، وأُشير إلى أنَّهُ سجد على الأرض شاكرًا الله أنّ نبوءة الرسول J تحققت على يديه([12])، ثُمَّ سار إلى كاتدرائيَّة آيا صوفيا حيثُ تجمَّع خلقٌ كثيرٌ من النَّاس فأمَّنهم على حياتهم ومُمتلكاتهم وحُرِّيتهم، وطلب منهم العودة إلى بيوتهم. بعد ذلك توجَّه إلى مذبح الكاتدرائيَّة وأمر برفع الآذان فيها، وأدّى صلاة العصر داخلها إيذانًا بجعلها مسجدًا جامعًا للمُسلمين([13])، ثُمَّ أمر بالبحث عن جُثَّة الإمبراطور قسطنطين، فأُحضرت وسُلِّمت إلى الرُهبان ودُفنت بعد إقامة المراسم الروميَّة المُعتادة([14]).

كلمة أخيرة

هذا هو المنهج الصوفي في أبهى حلة، يتحقق فيه حديث رسول الله J، وتفتح بأيدي أبنائه القسطنطينية، لتكون عاصمة الخلافة، يشع منها نور الإسلام والهداية على أوربا وآسيا وأفريقيا، هذا المنهج الذي لم يخرج منه إرهابي ولا متطرف ولا متآمر طوال التاريخ الإسلامي، فما أحوجنا اليوم إلى المربين الصوفيين لإعداد محمد الفاتح الجديد ليحرر أرض فلسطين، ويعيد الأمل في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.



([1]) رواه البخاري في التاريخ الكبير عن بشر الغنوي، 2/81. ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب عن بشر الغنوي، 1/250.

([2]) ينظر: في قصة المحاولة الأولى:

ابن الأثير الجزري, الكامل في التاريخ. الجزء الثالث (الطبعة الثانية). بيروت- لبنان: دار الكتاب اللبناني. صفحة 227.

والطبري. تاريخ الرسل والملوك. ، تحقيق مُحمَّد أبو الفضل الجزء الخامس. القاهرة- مصر: دار المعارف. صفحة 232.

وابن خيَّاط الليثين تاريخ خليفة بن خيَّاط. تحقيق أكرم ضياء العُمري. الجزء الأوَّل (الطبعة الأولى). النجف الأشرف-العراق. صفحة 197.

([3])الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، صفحة 52 نقلاً عن تاريخ الدولة العثمانية، صفحة 43.

([4])الفتوح الإسلامية عبر العصور، د. عبد العزيز العمري، صفحة 358-359.

([5]) للاستفاضة في علاقة آق شمس الدين بالسلطان الفاتح، راجع كتابي: العثمانيون في التاريخ والحضارة - لمحمد حرب، والدولة العثمانية "عوامل النهضة وأسباب السقوط" – لعلي الصلابى.

([6]) تاريخ الدولة العليّة العثمانية، تأليف: الأستاذ محمد فريد بك المحامي، تحقيق: الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، الطبعة العاشرة: 1427 هـ - 2006 م، صفحة: 158.

([7]) الرشيدي, سالم (1989م). مُحمَّد الفاتح (الطبعة الثالثة). جدَّة - السعودية: مكتبة الإرشاد. صفحة 122.

([8])  تاريخ الدولة العليّة العثمانية، تأليف: الأستاذ محمد فريد بك المحامي، تحقيق: الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، الطبعة العاشرة، والموقع الرسمي للأستاذ الدكتور سيِّد علي إسماعيل، أستاذ الأدب والنقد الحديث بقسم اللغة العربية وآدابها - كلية الآداب جامعة حلوان: الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري: التاريخ والمسجد والمعتقد. نقلاً عن مجلَّة تُراث الإماراتيَّة، عدد 127 – مارس 2010 – ص 134 – 141.

([9]) العُمري, عبدُ العزيز بن إبراهيم بن سُليمان (1418هـ- 1997م). الفتوح الإسلاميَّة عبر العُصور، دراسة تاريخيَّة لحركة الجهاد الإسلاميّ من عصر الرسول حتى آواخر العصر العثماني (الطبعة الأولى). الرياض- السعودية: مركز الدراسات والإعلام دار إشبيليا. صفحة 376.

([10])تاريخ الدولة العثمانية، يلماز أوزنتونا، صفحة 135.

([11])أوزتونا, يلماز (1431هـ-2010م). موسوعة تاريخ الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة السِّياسي والعسكري والحضاري 629-1341هـر / 1231-1922م. المُجلَّد الأوَّل (الطبعة الأولى). ترجمة عدنان محمود سلمان. بيروت- لبنان: الدار العربيَّة للموسوعات. صفحة 136، العُمري, عبدُ العزيز بن إبراهيم بن سُليمان (1418هـ-1997م). الفتوح الإسلاميَّة عبر العُصور، دراسة تاريخيَّة لحركة الجهاد الإسلاميّ من عصر الرسول حتى آواخر العصر العثماني صفحة 372.

([12]) علي, سيِّد رضوان (1402هــ). السُلطان مُحمَّد الفاتح بطل الفتح الإسلامي في أوروپَّا الشرقيَّة (الطبعة الطبعة الأولى). جدَّة-السعوديَّة: الدار السعوديَّة للنشر والتوزيع. صفحة 35.

([13]) زاده, عاشق باشا (1332هـ). عاشق پاشا زاده تاريخی (باللغة التُركيَّة). استانبول - دولت عليہ عثمانيہ: مطبعه عامره. صفحة 142.

([14])أوزتونا, يلماز، موسوعة تاريخ الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة السِّياسي والعسكري والحضاري. صفحة 138-140..

Rate this item
(8 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 12:39
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.