إسلاميون أم ظلاميون 2-3

من الأساليب التي يستعملها الشيطان في غواية الخلق، وخاصة المؤمنين منهم، تغيير أسماء الذنوب والآثام بأسماء جميلة شرعية تتناسب مع حسِّ المؤمن، ولا تصطدم في نفس الوقت بغايات الشيطان من الغواية والإضلال.. فالشيطان تهمه المسميات لا الأسماء، والحقائق لا الألفاظ.... 

الأستاذ الدكتور نور الدين أبو لحية

 

إسلاميون أم ظلاميون 2-3

العزة الآثمة

من الأساليب التي يستعملها الشيطان في غواية الخلق، وخاصة المؤمنين منهم، تغيير أسماء الذنوب والآثام بأسماء جميلة شرعية تتناسب مع حسِّ المؤمن، ولا تصطدم في نفس الوقت بغايات الشيطان من الغواية والإضلال.. فالشيطان تهمه المسميات لا الأسماء، والحقائق لا الألفاظ.

ومن تلك المسميات التي اجتهد الشيطان في تغييرها بأسماء مناسبة (الكبر والعجب والغرور)، والتي هي من الآثام الخطيرة التي اتفقت الملل والنحل على اعتبارها من أمهات الرذائل، وكبريات الآثام.. بل هي الرذائل الشيطانية الكبرى التي حولت إبليس من صف الملائكة إلى صف الشياطين، فلولا إعجاب إبليس بنفسه، ولولا غروره بما عنده، ولولا كبره على آدم بسبب عجبه وغروره لما طرد من رحمة الله، ولما تحول إلى عدو لله، وصديق لأعداء الله.

والاسم الشرعي الذي وضعه الشيطان بديلاً لتلك الكبائر هو ما نسمعه دائمًا من أفواه الخطباء والعلماء وهم يذكرون أمجاد الإسلام، وينتفخون عند ذكرها، هو (العزة) أو (الاستعلاء الإيماني)، وهما معنيان صحيحان إن فهما حق فهمهما، أو أريد بهما  المعنى الشرعي الذي أراده الله منهما.

فالعزة بمفهومها الشرعي تعني تعظيم المؤمن للإيمان الذي وهبه الله إياه، واحترامه، وعدم إهانته، وعدم الخجل منه.. فالمؤمن لا يستحيي أن يمارس ما يفرضه عليه إيمانه من ممارسات شرعية، ولا يستحيي أن يعبر عن مقتضيات إيمانه حتى لو رمي بالتخلف والرجعية، وحتى لو أوذي في سبيل ذلك..

ولكن هذا المفهوم لا يعني أبدًا أن يستعلي على غيره، أو يتكبر عليه، أو يعتبر نفسه ناجيًا، وغيره هالك، فمآل الخلق لله، والله هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى.

وهذا المفهوم يجعله متواضعًا للخلق، محاولاً كل جهده أن يوصل لهم ما ذاق من لذيذ طعم الإيمان بطريقة جذابة، يؤلف بها قلوبهم، ويحببهم بها إلى ربهم.

لكن هذا المفهوم، وللأسف الشديد، لم يبق هو المفهوم الذي تعرَّف به العزة، أو يعرَّف به الاستعلاء الإيماني.. فقد تحولت العزة إلى نوع من الكبرياء والتعالي والغرور والعجب الذي لا يقل عن كبر وعجب وغرور الشيطان نفسه في اللحظة التي رفض فيها السجود لآدم.. والعلة التي يبديها المؤمن، وهو يرفض التواضع لغيره من المخالفين له سواء سماهم كفرة أو سماهم مبتدعة هو أنه خير منهم؛ لأنه مؤمن، وهم كفرة أو مبتدعة أو فسقة..

وللأسف فإن هذا السلوك ليس وليد عقول صغيرة تبنت الإيمان، وأخطأت في ممارستها لما يقتضيه، بل نجد هذا السلوك مشرعًا في تراثنا، وكتبنا الفقهية، وعلى أساسه نجد في كتب الجماعات المسلحة وممارساتها تطبيقًا دقيقًا لما ورد في تلك الكتب.

تأليف القلوب

وسأكتفي هنا بضرب مثال على ذلك، وهو التعالي على من أمرنا بتأليف قلوبهم، ولو بأموال الزكاة، وهم غير المسلمين، والذين كان يحرص رسول الله J على دعوتهم للإيمان حرصًا شديدًا، وكان يكرمهم إذا جاءوه، وقد ذكر المؤرخون من المسلمين وغير المسلمين بإعجاب شديد كيف عامل رسول الله J نصارى نجران، وكيف أحسن وفادتهم، بل سمح لهم بالصلاة في مسجده، كما روى ابن إسحق أنه لما قدم وفد نجران على رسول الله J دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله J: (دعوهم)، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم وكانوا ستين راكبًا (انظر: زاد المعاد:3/ 629)

وورد من النصوص ما يدل على أن ذلك عام، وليس خاصًّا بجهة دون جهة أو دين دون دين، فقد قال J: (من آذى ذِمِّيًّا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة) (رواه الخطيب بإسناد حسن)، بل ورد ما هو أعظم من ذلك، فقد قال J: (من آذى ذميًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله) (رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن)، فقد اعتبر رسول الله J أي أذية مادية أو نفسية أو حسية لغير المسلم أذية له، بل أذية لله تعالى.

تنفير القلوب

ولكن ـ مع كل ذلك ـ فقد نسخت تلك التعليمات المقدسة تحت اسم (العزة الإيمانية)، أو (استعلاء المسلم)، وقد وضعت لذلك الكثير من التطبيقات الفقهية التي تخدم هذه العزة، والتي على أساسها تقوم الجماعات المسلحة بما تقوم به من أذية للمسيحيين واليزيديين وغيرهم من أهل الأديان المختلفة.

ولا يمكنني في هذا المقام أن أذكر الأمثلة الكثيرة على ذلك، ولذا أكتفي بمثال واحد، ربما يشير إلى غيره .. فمن الاجتهادات الفقهية التي طبقت مفهوم العزة، وساعد عليها الوضع السياسي القائم للدولة الإسلامية حينها، والذي كان للمسلمين فيه اليد العليا على من سواهم، ما ذكره ابن القيم من مسائل مرتبطة بشروط البنيان الذي يبنيه غير المسلم في الدولة الإسلامية، فقد قال: (أما حكم أبنيتهم ودورهم فإن كانوا في محلة منفردة عن المسلمين لا يجاورهم فيها مسلم تركوا وما يبنونه كيف أرادوا، وإن جاوروا المسلمين لم يمكنوا من مطاولتهم في البناء سواء كان الجار ملاصقًا أو غير ملاصق، بحيث يطلق عليه اسم الجار قرب أو بعد) [أحكام أهل الذمة (3/ 225)]

وعلل هذا الحكم بقوله: (وهذا المنع لحق الإسلام لا لحق الجار حتى لو رضي الجار بذلك لم يكن لرضاه أثر في الجواز.. وليس هذا المنع معللاً بإشرافه على المسلم بحيث لو لم يكن له سبيل على الإشراف جاز، بل لأن الإسلام يعلو ولا يعلى) [أحكام أهل الذمة (3/ 226)]

وبيَّن عموم هذا الحكم على كل الأحوال، فقال: (والذي تقتضيه أصول المذهب وقواعد الشرع أنهم يمنعون من سكنى الدار العالية على المسلمين بإجارة أو عارية أو بيع أو تمليك بغير عوض، فإن المانعين من تعلية البناء جعلوا ذلك من حقوق الإسلام واحتجوا بالحديث وهو قوله: (الإسلام يعلو ولا يعلى) [أحكام أهل الذمة (3/ 226)]

ولسنا ندري علاقة الحديث الشريف بالموضوع، فالحديث دل على علو المسلم، وهذا العلو يدل على المعاني لا على المحسوسات، فالمسلم يعلو بخلقه وعلمه وتفكيره ومنهجه في الحياة، لا بالتطاول بالبنيان على غيره.

وللأسف نجد التطبيق الخاطئ لهذا الحديث ساريًا في الكثير من المسائل حتى في المجالس التي يجلسون فيها، قال ابن القيم: (واحتجوا بأن في ذلك إعلاء رتبة لهم على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك.. ولهذا يمنعون من صدور المجالس، ويلجؤون إلى أضيق الطرق، فإذا منعوا من صدور المجالس والجلوس فيها عارض فكيف يمكنون من السكنى اللازمة فوق رؤوس المسلمين)[ أحكام أهل الذمة (3/ 226)]

 

هذا مجرد نموذج عن الكبر الذي حوله الشيطان إلى عزة.. ومثله، ولا يقل عنه ذلك الغرور الذي جعلنا نستعلي على الأمم، وكأننا شعب الله المختار، وغيرنا أمميون جهلة ليس لنا من دور نحوهم سوى غزونا لأراضيهم، واستحلالنا لأموالهم وأعراضهم.. وقبل ذلك نعرض عليهم نسخة مشوهة من الدين نفرضها على عقولهم، ثم نخيرهم بين قبولها، وبين قتلهم أو سلبهم.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الخميس, 30 آذار/مارس 2017 17:23
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م، والخامسة بعد المائة يوم الجمعة 9 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م.

وسيقام بمشيخة الطريقة العزمية مولد الإمام علي بن أبي طالب يوم الإثنين 9 أبريل 2017م، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج يوم 23 أبريل، والاحتفال بمولد الإمام أبي العزائم 24 أبريل، والاحتفال بمولد السيدة زينب والسيدة آمنة بنت وهب يوم 25 أبريل 2017م.