الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت 24

لست هنا بصدد الحديث عن الصفات والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الداعية المسلم على وجه التفصيل، بل كل خلق أمر به القرآن الكريم، أو دعت إليه السنة النبوية المطهرة وتعارف الناس على حسنه فمطلوب من الداعية أن يتخلق به، وهو ينعكس بطبيعة الحال على دعوته، التي تصبح أرجى قبولاً، وأبعد تأثيرًا في المدعوين...

الدكتور أحمد محمد الشرنوبي الأستاذ بجامعة الأزهر

الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت (24)

بقية: المبحث الثاني: القائم بالدعوة إلى الله تعالى في الشبكة الدولية

المطلب الثانى: مقومات الداعية في الشبكة الدولية

بقية: ثالثًا: سعة العلم:

لقد عانت الدعوة إلى الله تعالى، ولا تزال تعاني من الجهل الشيء الكثير، فإن التردي الديني والأخلاقي الذي أصاب المسلمين مؤخرًا، وغيَّر صورة الحياة الإسلامية عن طبيعتها المشرقة التي عاشها الرعيل الأول من أبناء الأمة في عهد سيدنا محمد J وصحبه، قد ألقي بظلاله على الدعوة إلى الله تعالى، فأوجد دعاة صلتهم بربهم واهنة، ومعرفتهم بمنهجه محدودة، وعلمهم بما ينبغي أن يقوموا به من مناهج الدعوة وأساليبها وأولوياتها ضعيف قاصر، فرأينا من يقوم بالدعوة على غير علم، ويسير في طريقها على غير هدى، اختفت في ذهنه ملامح الدعوة وأصولها، واختلطت في عقله مقاصدها ومنطلقاتها، واختلت عنده موازينها وأولوياتها، واضطربت لديه أساليبها ومناهجها، فأني لمثل هذا أن يدل أو يرشد، أو يعرِّف أو ينقذ، وكيف له أن يُخرج من الظلمة، أو يبصر من العمى، أو يهدي من الضلالة، أو يعلم من الجهالة؟!.

وقد دل القرآن الكريم كما دلت السنة النبوية المطهرة على فضل العلم وأهله في دين الله تعالى، وهذا أمر ظاهر ومعروف.

فمن القرآن الكريم:

قوله تعالى: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ( (المجادلة: 11)، وقوله سبحانه: )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ( (آل عمران: 18)، وقوله U: )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ( (فاطر: 28).. إلى آخر تلك الآيات.

ومن السنة المطهرة:

قوله J: (من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)([1])، وقوله J: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة)([2]).. إلى آخر تلك الأحاديث.

والمقصود بالعلم هنا العلم الشرعي المتعلق بالإسلام وخصائصه وأسسه ومبادئه وأهدافه ومقاصده، وهذا العلم يشمل المعرفة المتصلة بكتاب الله تعالى، والسيرة النبوية وأحداثها، والسنة النبوية وعلومها، والفقه وأصوله، كما يشمل علوم العقيدة والأخلاق والتاريخ الإسلامي واللغة العربية، وكذلك النظم الإسلامية الشاملة لجوانب الحياة المختلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية.. الخ.

ويضاف إلى هذا أيضًا المعرفة المتصلة بالعلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها، وكذلك المعرفة المتصلة بالعلوم التجريبية كعلوم الطب والحيوان والنبات والفلك وغيرها، وليس المقصود المعرفة التفصيلية المتخصصة بهذه العلوم، إنما المعرفة الإجمالية التي تبصر الداعية بطبيعة تلك العلوم وأهميتها بصفة عامة.

ولا يخفى بالإضافة إلى ذلك أهمية العلم بطبيعة المدعوين المخاطبين بالدعوة، وأنهم ليسوا على طبيعة واحدة، ولكنهم متفاوتون مختلفون، لكل شخصيته واتجاهه وتكوينه الفكري والثقافي والنفسي، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة المختلفة في قوله تعالى: )وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ( (هود: 118، 119)، وهذا يقتضي بطبيعة الحال العلم بمناهج الدعوة وأساليبها وأولوياتها، فذلك أمر في غاية الأهمية في الدعوة إلى الله تعالى، وهو أمر تقتضيه حكمة الداعية في وضع الأسلوب المناسب والمنهج المناسب في الوقت والمكان المناسبين.

والداعية في الشبكة الدولية في أشد الحاجة إلى العلم الذي يمكنه من ممارسة الدعوة في أي موقف يتواجد فيه، ومع أي مدعو يتواجد معه في مواقع الشبكة الدولية، خصوصًا وأنه يواجه في تلك الشبكة أناسًا مختلفي المشارب والاتجاهات والأفكار، فكلما كان حظه من العلم وفيرًا، كانت قدرته على الدعوة والتأثير في مدعويه عظيمة، فإذا جمعته في موقف ما مناسبة مع مخالفين له في العقيدة مثلاً، لديهم شبهات معينة يحتاجون منه إلى الرد عليها، فإن لم يكن لديه علم غزير وثقافة واسعة تمكنه من تفنيد شبهاتهم والرد عليها، فإنه يسقط في نظرهم، وتبوء دعوته بالفشل في النهاية مهما اجتهد.

وإذا كان العالم يعيش اليوم ثورة علمية ومعرفية هائلة، فإن على الدعاة أن يواكبوا هذا التطور، وأن يواجهوا هذا التحدي الذي تفرضه عليهم طبيعة هذا العصر بعلم وفير، ومعرفة غزيرة، وثقافة واسعة، والحق سبحانه يقول لنبيه J: )وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً( (طه: 114)، يُعَلِّمُ الله I نبيه J أن يسأله المزيد من العلم، دون أن يكون هناك حد أعلى من يصل إليه يتوقف عنده فلا يزيد عليه، فليس للعلم سقف يتوقف عنده طالب العلم، ولذلك ورد في الحديث قول النبي J: (منهومان لا يشبعان طالب علم، وطالب دنيا)([3]).

 



([1]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، من حديث معاوية.

([2]) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم عن رسول الله J، باب من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا.. من حديث أبي هريرة 0، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

([3]) سنن الدارمي، باب في فضل العلم والعالم، ح343، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 1/78، عن ابن مسعود 0 ونسبه إلى الطبراني في الكبير، قال: وفيه أبو بكر الداهري وهو ضعيف. وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس 0 1/302، ح286، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولم أجد له علة، و(منهومان) من النَّهمة وهي: بلوغ الهمة في الشيء والشره والرغبة الشديدة.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الخميس, 30 آذار/مارس 2017 18:05
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م، والخامسة بعد المائة يوم الجمعة 9 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م.

وسيقام بمشيخة الطريقة العزمية مولد الإمام علي بن أبي طالب يوم الإثنين 9 أبريل 2017م، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج يوم 23 أبريل، والاحتفال بمولد الإمام أبي العزائم 24 أبريل، والاحتفال بمولد السيدة زينب والسيدة آمنة بنت وهب يوم 25 أبريل 2017م.