الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت 22

لست هنا بصدد الحديث عن الصفات والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الداعية المسلم على وجه التفصيل، بل كل خلق أمر به القرآن الكريم، أو دعت إليه السنة النبوية المطهرة وتعارف الناس على حسنه فمطلوب من الداعية أن يتخلق به، وهو ينعكس بطبيعة الحال على دعوته، التي تصبح أرجى قبولاً، وأبعد تأثيرًا في المدعوين...

الدكتور أحمد محمد الشرنوبي الأستاذ بجامعة الأزهر

الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت (22)

بقية: المبحث الثاني: القائم بالدعوة إلى الله تعالى في الشبكة الدولية

المطلب الثانى: مقومات الداعية في الشبكة الدولية

بقية: ثانيًا: حسن الخلق:

لست هنا بصدد الحديث عن الصفات والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الداعية المسلم على وجه التفصيل، بل كل خلق أمر به القرآن الكريم، أو دعت إليه السنة النبوية المطهرة وتعارف الناس على حسنه فمطلوب من الداعية أن يتخلق به، وهو ينعكس بطبيعة الحال على دعوته، التي تصبح أرجى قبولاً، وأبعد تأثيرًا في المدعوين.

لكن من الأهمية بمكان التأكيد هنا على ما ينبغي أن يكون عليه الداعية من رحابة صدر وسماحة نفس، خصوصًا وأنه شخص له علاقة بالناس يحتك بهم، ويتعامل معهم، ويدعوهم إلى الله تعالى، وهو يريد لهم أن يقتنعوا برأيه، ويحذوا حذوه، ويقبلوا على دعوته، وتنشرح صدورهم للحق الذي جاءهم به، فلا بد أن يتوفر لديه من رحابة الصدر وسماحة النفس ما يسع به الناس جميعًا، فيرحمهم، ويحلم عليهم، ويصبر على صدودهم وإعراضهم، ويتحمل تعنتهم وأذاهم دون أن يقع به ضيق أو يستبد به انفعال، بل يلين ويرفق، ويتسامح ويشفق، ويعفو ويصفح، ويشمل المدعوين بحبه ووده وإن بدا منهم سوء أدب أو إساءة تصرف، يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله J: )خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ( (الأعراف: 199).

ويقول صاحب الظلال: "الناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء([1]).

وإذا نظر داعية اليوم إلى الداعية الأول J ليستلهم منه صفاته التي كان عليها وخصوصًا ما يتصل سماحة نفسه، ورحابة صدره، ولين جانبه J، فسيجد أنه: "ما غضب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحد منهم عاشره أو رآه امتلأ قلبه بحبه، نتيجة لما أفاض عليه J من نفسه الكبيرة والرحيبة"([2]).

وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص 5 أنه قال في وصف رسول الله J في التوراة: [إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به أعينًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا]([3]).

بل لقد كان رسول الله J فوق هذا ممتلئًا بالشعور الغامر بالرحمة بالناس والشفقة عليهم، وكان يبعث هذا الشعور في نفسه J الحزن والأسى على الحال العاصين والمعرضين، فتتولد داخله قوة نفسية تدفعه لاستنقاذهم من الهلاك والضياع، وما أدق النص القرآني وأبلغ عباراته وهو يصور هذا الحال لدى النبي J في قول الحق جل وعلا: )فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفًا( (الكهف: 6)، وقوله سبحانه: )لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ( (الشعراء: 3)، والمعنى: أتهلك نفسك يا محمد أسفًا وحزنًا لانصراف قومك عن الحق الذي جئتهم به إلى الباطل الذي جاءوا به من عند أنفسهم؟!.

 



([1]) في ظلال القرآن، سيد قطب 1/500 – 501، ط13. دار الشروق – القاهرة، 1407ﻫ - 1987م.

([2]) المرجع السابق 1/501.

([3]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق، ح1981.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 12:22
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.