إحْدَاثِيَّاتُ تَجْدِيْدِ الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ ثُلاثِيَّةُ الجُمُودِ والاجْتِهَادِ والتَّنْوِيْر (2/ 2)

إن فكرة حث المواطن على الابتكار والاكتشاف لم تعد من أفكار الترف والرفاهية، بل هي ضرورة حتمية لمواجهة تحديات وتطورات هذا العصر. وأنه ثمة مصطلحات أصبحت أساسية في قاموس تقدم الأمم وتميزها الحضاري مثل مرافئ المعرفة، والطبقة المبدعة، وشركات المعرفة، ومحركات الابتكار، ومواطن المعرفة، واكتساب المهارة....

الدكتور بليغ حمدى إسماعيل

إحْدَاثِيَّاتُ تَجْدِيْدِ الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ

ثُلاثِيَّةُ الجُمُودِ والاجْتِهَادِ والتَّنْوِيْر (2/2)

إن فكرة حث المواطن على الابتكار والاكتشاف لم تعد من أفكار الترف والرفاهية، بل هي ضرورة حتمية لمواجهة تحديات وتطورات هذا العصر. وأنه ثمة مصطلحات أصبحت أساسية في قاموس تقدم الأمم وتميزها الحضاري مثل مرافئ المعرفة، والطبقة المبدعة، وشركات المعرفة، ومحركات الابتكار، ومواطن المعرفة، واكتساب المهارة.

وفكرة التنمية القائمة على المعرفة تخطت الحيز التصميمي والتنظيمي والتخطيطي لتكون واقعًا مرئيًّا ملموسًا، بدليل تشييد مدن تم إنشاؤها لتضم المئات من الخبراء والمتخصصين في العلوم التكنولوجية هدفها جعل الإنسان هو رأس المال المستقبلي، وتصب مجمل اهتمامها في جعل القرن الحادي والعشرين هو قرن المعرفة، في الوقت الذي تبذل فيه دول أخرى لاسيما في أفريقيا جهودًا مضنية للحد من تفشي ظاهرة أمية القراءة والكتابة، بالإضافة إلى محاربة مظاهر التلوث البيئي والانتشار المحموم للأوبئة والأمراض.

مدن المعرفة

وبدأت دول بالفعل منذ بداية العقد التاسع من القرن العشرين في إقامة مدن للمعرفة تحتضن الكوادر المبدعة من أجل استثمار المعرفة بمشاركة رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني، مثل مدينة راجوزا، ومدينة معمل العقل بالدنمارك، ومعمل أفكار مومينتم في شمال زيلاند، ومدينة المعرفة في برشلونة، ومدينة المعرفة في بلباو، وبالتأكيد كان للكيان الصهيوني نصيب من تشييد هذه المدن المعرفية فحولت مدينة حولون من مدينة راكدة مهمشة إلى مدينة مبتكرة ومبدعة وصانعة للمعرفة.

والعجيب في هذه المدن ليس فقط فكرة إنشائها فحسب، بل حرص الدول التي قامت بإنشائها على اصطفاء وانتقاء المواطنين الذين يعيشون فيها، فلقد حددوا مجموعة من المواصفات والشروط التي ينبغي أن تتوافر فيهم من أجل التنمية المستدامة لهذه المدن وإزالة أية عقبات تقف في طريق تشغيل المعرفة وإعادة ابتكارها.

فمواطن هذه المدن لا بد وأن يكتسب عدة صفات حتى يستطيع العيش بها، مثل صنع المعنى وليس استقباله كما يحدث في الدول المستهلكة للمعرفة من خلال المكوث طويلاً أمام البرامج الفضائية، وأيضًا الحفاظ على هويته الحالية لا الهرولة وراء التقليد الأعمى وراء التيارات والفلسفات التي انتهى بريقها منذ عشرات السنين، وكذلك رغبته الحقيقية في التأليف المشترك والعمل المشترك والإنتاج المشترك، مع حفاظه على تقاليده الموروثة.

كل هذا، وينبغي على مواطن مدن وأقاليم المعرفة أن يشارك في وضع استراتيجية للعمل من أجل تطوير المعرفة. وتشير المواضعات الاصطلاحية لمدينة المعرفة على أنها بيئة تشجع وتسمح بحدوث تدفق كثيف ومستمر وغني ومتنوع ومعقد للحظات معرفية، واللحظة المعرفية هي خبرة إنسانية تلقائية أو مخطط لها، وفيها يتم اكتشاف وخلق ودعم وتبادل المعرفة إلى شكل جديد. بالإضافة إلى تعدد لغات الكتابة لديه. ولك أن تتصور دولة مثل سنغافورة مثلاً أعلنت استقلالها عام 1956 م، ومن وقتها بدأت في إعادة هيكلة الاقتصاد، وقامت كما قام غيرها من الدول في تحريك عجلة التنمية.

فانتقلت من مرحلة التصنيع التقليدي إلى التصنيع المتطور، ثم بدأت عصر البرمجيات وحزمها المتعددة، ثم استقرت مؤخرًا على إقامة شركات للمعرفة، حقًّا المعرفة أصبحت لها شركات متخصصة، بدليل وجود 3600 شركة عالمية بها اتخذت من سنغافورة مقرًّا إقليميًّا لها لإدارة المعرفة.

والأمر جد خطير، في أن تسعى دول لإقامة وتشييد مدن للمعرفة، فليت وزارات التربية والتعليم العالي بوطننا العربي تسعى إلى أن ترسخ بعقول أبنائنا أهمية اكتساب مهارات المعرفة ومن ثم استخدامها واستثمارها، وتشجيع ممارسة حقوق حرية الاختلاف الفكري، وأن توضح حقيقة وجود مسافات اجتماعية وثقافية بين الجماعات والحضارات، وهذه المساحة من شأنها أن يقابلها تقبل للآخر والمختلف والمتباين والمتمايز في الرأي والفكر والاتجاه.

واكتشفنا مؤخرًا بأننا حالة غرق في فتنة الحكي وشهوة السرد السلبي، وحالنا أشبه ببطل مسرحية صمويل بيكيت المعنونة في انتظار جودو، الذي لم يجيء بالفعل؛ لأن المؤلف توفاه الحي الذي لا يموت والأبطال غابوا وسط صفحات المسرحية، إنها فتنة الحداثة التي تسللت خفية في طروحاتنا الفكرية والتي استدعت بالضرورة المطالبة بتجديد الخطاب الديني ومن قبله وبعده تطوير وتحديث خطابنا الثقافي النهضوي الذي لم يطرأ على إحداثياته أية تحديثات أو تجديدات منذ وفاة الشيخ محمد عبده وأن من جاء من بعده اجتر أفكاره وأعاد الصياغة بمصطلحات معاصرة، لكن الحقيقة أن الواقع الثقافي المشهود لا يفي بمعطيات عصر يتسارع ومن ثم يتصارع.

وأوضحت التجربة الثقافية شديدة التمصير أن الحداثة وقفت طوعًا عند حدود المصطلح دون أن تتعدى المد الزمني والمكاني لها، وبالتالي دخلت المجتمعات المصرية المتعاقبة لاسيما النخبة في مساجلات تنظيرية حول المصطلح كالدولة المدنية والعلمانية والنهضة وشروط التقدم وإعمال العقل والتكفير، وغير ذلك من الطروحات الفلسفية التي طغت على أرفف المكتبات الثقافية والجامعية دون أي تجديد مرتقب، حتى وإن افترضنا أن ثمة محاولات فكرية تم رصدها مثل أفكار قاسم أمين وطه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ومراد وهبة وشكري غالي وزكي نجيب محمود وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد وعابد الجابري وجابر عصفور هي محاولات لتجديد الخطاب العربي بصورة قصدية، فإن جملة المحاولات التجديدية لم تخرج عن حدود بوابة النقد الواقعي لحالات راهنة آنذاك بغير اجتهاد لتقديم رؤية استشرافية، وكانت النتيجة آلاف الأطباء والمهندسين والمدرسين بحجة أن المدافعة الثقافية هي حصول المرء على شهادة جامعية تحميه من ويلات المستقبل الغيبي دون سعي حقيقي للاكتشاف أو التجديد.

النقد والجلد الذاتي

ولأن خطابنا العربي والمصري على وجه الخصوص أكثر ميلاً لجلد الذات فإننا رأينا أنفسنا في حالة استغراق كاملة لطروحات النقد أو الجلد الذاتي لفترة ما قبل ثورة يوليو 1952م وتحليل ورصد يبدو مملاً بعض الشيء لحكم الملك فاروق ومن قبله فؤاد والحالة الثقافية في هذا الوقت، وبدلاً من أن نستفيق على عهد ثقافي يتبعه خطاب فكري يميل إلى التثوير أكثر من استلابه صوب النقد وجدنا خطابًا بعد نكسة يونيو 1967م يحلل ما سبق، فكانت النتيجة حتى وقتنا الراهن مئات الكتب والرسائل الأكاديمية تحلل الخطاب الثقافي وتنقد وتنقد النقد ذاته، في الوقت الذي استيقظت أنا فيه على وصول مركبة فضائية محملة بالعلماء والمستكشفين على سطح الكوكب بلوتو.

وبات مضحكًا اجترار المفكرين لكتب بعينها مثل كتاب السؤال لشكيب أرسلان لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟ مسردًا كل عوامل التأخر دون أية إشارة ممكنة وليست مستحيلة للنهضة. ومن بعدها ظن المفكرون أن النهضة لا تقوم إلا على فكرة المصالحة والتوفيق بين الشرق والغرب، وكان أحمد لطفي السيد وطه حسين يمثلان هذه الوجهة، ثم تسارع الوقت لنصل إلى مرحلة الكتابات الغارقة في التنظير والنقد الطويل والتي مثلتها كتابات وجيه كوثراني وعبد الله العروي وفهمي جدعان وعابد الجابري وسمير أمين وغيرهم وهم يبحثون عن صياغة لخطاب عربي ينهض بالأقطار العربية، وكانت النتيجة ليست لكتاباتهم إنما لفقر التوظيف الثقافي المهيمن مزيدًا من الشهادات الجامعية وآلاف العاطلين والمعطلين عن الحراك الثقافي والعلمي بل والإبداع الفني الذي أودى بنا اليوم إلى جعل شخصية الأبله أو العبيط إن صح التعبير - بطلاً للعمل الفني أو جعل صوت الصفائح المعدنية بديلاً للموسيقى.

وإذا أردنا بحق تثوير خطابنا الثقافي والفكري فالأولى الالتفاف بقوة وجدية وصبر بجانب المشروعات والبرامج التي يتم تدشينها وتأسيسها في مصر والوطن العربي، وبدلاً من التعبيرات السلبية صوب الكيان الصهيوني ومؤامراته التي لا ولن تنقضي بشأن تقويض الأمة العربية والوطن المصري، فالأحرى هو اليقظة والوعي تجاه مشروعات الدولة والاهتمام بتحقيق نجاحها بدلاً من الاقتصار على الصمت أحيانًا والسخرية أحيانًا أخرى.

وهذا الخطاب العربي الراهن الذي لطالما يقع فريسة لفتنة الحداثة ومصطلحاتها غير المحددة لن يفلح بغير اهتمام واضح ومباشر بتنمية الهوية والأصالة الحضارية للشباب الذي بات مهددًا بالإفلاس الفكري، نتيجة هوسه بالتكنولوجيا كمستهلكين غير منتجين لها، والأشد غرابة في واقعنا الثقافي الداخلي ظهور عشرات الكتب التي تحمل عبارة " من الأدب الساخر " في الوقت الذي نسخر فيه من الكاتب والقارئ والناشر على السواء، حتى تجاربنا الثقافية المتضمنة بهذه الكتب لا تخرج عن عباءة الأحاديث التافهة بين شاب وشابة في كافتيريا أو مقهى راقٍ نسبيًّا، وهنا نفصل بين هؤلاء وسياقهم الحضاري الذي بالفعل يغيب من بين أيديهم بغير رجعة.

التوجيه المثالي

 

والتوجيه المثالي هو الاكتفاء المرحلي بإعادة قراءة الماضي لا سيما وأن قراءاته النقدية ومناهجه أصبحت متعددة ولا حصر لآليات تناولها، وهذه التعددية للقراءة بالرغم من أهميتها لذوي الألباب المستنيرة إلا أنها ستفتح أبوابًا للجدل ومزيدًا من التوتر المعرفي، والاهتمام الأولى هو المشاركة في اللحظة الراهنة في نشاطات الوطن القومية بالكتابة أو الإبداع الفني والتشكيلي والموسيقي والإفادة من معطيات مشروعات الدولة في تحقيق مشاركة ناجحة لهؤلاء الشباب.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 13:15
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.