التوسل والاستغاثة (9)

عرضت مسائل رأيت أنه لا بد من استفتائكم فيها، وآمل إجابتى على صفحات الإسلام. أما المسائل فأولاها: هل فى الدين من وسيلة؟، وهل يضر طلب المعونة من نبى أو ولىٍّ على أنهما سببان عاديان كسائر الأسباب العادية المخلوقة لله U؟، وهل هناك من حاجة إلى الوسيلة؟، إلى آخر الأسئلة التى نرجو الإجابة عنها، ثم قال فى آخر خطابه: أرجو الإجابة بإطناب فإننى متشوق إلى تصحيح عقيدتى فى هذه المسائل ولكم منا الشكر ومن الله الأجر....

المرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف 

 

التوسل والاستغاثة (9)

حضرة صاحب الفضيلة مولانا الشيخ يوسف الدجوى.

السلام عليكم ورحمة الله، وبعد؛

عرضت مسائل رأيت أنه لا بد من استفتائكم فيها، وآمل إجابتى على صفحات الإسلام. أما المسائل فأولاها: هل فى الدين من وسيلة؟، وهل يضر طلب المعونة من نبى أو ولىٍّ على أنهما سببان عاديان كسائر الأسباب العادية المخلوقة لله U؟، وهل هناك من حاجة إلى الوسيلة؟، إلى آخر الأسئلة التى نرجو الإجابة عنها، ثم قال فى آخر خطابه: أرجو الإجابة بإطناب فإننى متشوق إلى تصحيح عقيدتى فى هذه المسائل ولكم منا الشكر ومن الله الأجر.

                         عبد الرحمن خليل موسى الشريف

                                 طالب بمعهد أسيوط

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه وبعد:

فقد جاءنى هذا الخطاب منذ زمان وكنت نسيته، فلما عرض علىَّ مع أوراق أخرى على غير قصد رأيت أن أجيب عنه إجابة مختصرة، وأرجو أن يكون فيه مقنع وكفاية فأقول وبالله التوفيق:

إن التوسل جائز وواقع بأوسع معنى الكلمة، ولا يجافيه عقل ولا نقل وليس ذلك إلا من قبيل الأسباب والمسببات، وقد جعل الله الناس على مراتب مختلفة لحكم سامية، وأسرار عالية، فمنهم الغنى والفقير، والقوى والضعيف، والعالم والجاهل، والرئيس والمرؤوس، والملوك والسوقة، إلى ما لا يحصى عد ولا يضبط حد.

ولا بد أن يكون لصاحب المرتبة العليا ما ليس لصاحب المرتبة الدنيا (ولا فرق فى ذلك بين أمور الدين والدنيا)، فالتجاء الصغير إلى الكبير فى كل ذلك لا شىء فيه. بل هو مراد الحق من خلقه المتفاوتين فى الاستعداد والنعم والمواهب ولذلك خلقهم.

أما الشرك فهو أن تطلب من غير الله على أنه إله مع الله يعطى ويمنع بغير إذنه - ولا يتصور أن يكون ذلك من أحد من المؤمنين -، فإن طلبت منه على أنه لا يفعل شيئًا إلا بإذن الله تعالى، ولا يتصرف إلا بإقداره إياه، معتقدًا أنه ما ملك إلا بتمليكه، ولا تصرف إلا بإرادته، لم يكن عليك بأس ولا فى ذلك حرج، بل هو الواقع الذى جبلت عليه الفطر، وجاءت به الشرائع والديانات، وقد أسند الله إحياء الموتى وهو أكبر شىء إلى سيدنا عيسى وكان A يسنده إلى نفسه فيقول: ]وَأُحْيِـى الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ[ (آل عمران: 49).

ولا شك أن من استغاث بالولى أو النبى لم يستغث به على أنه شريك لله أو يفعل بغير إذن الله.

حتى لو فرضنا أن ذلك لم يكن حاضرًا فى نفسه فهو كامن فيها بمقتضى قوله: (لا إله إلا الله) فهو بمنزلتك إذا رجوت وزيرًا أو أميرًا أن يفعل لك شيئًا غير مستحضر ما يقتضيه التوحيد من كون الله خالق كل شىء وإليه يرجع الأمر كله، وهذا الوزير أو الأمير لا يملك لنفسه - فضلاً عن غيره - نفعًا ولا ضرًّا.

فلا تجعل ذلك منك شركًا بوجه من الوجوه تعويلاً على الكامن فى نفسك من انفراده تعالى بالملك والملكوت فى الحقيقة، وأن الذى ترجوه إنما هو متصرف بتصريف الله تعالى وأن الله هو الذى ملكه ما يتصرف فيه.

ولحكمة ما جعل العباد مراتب محتاجًا بعضهم لبعض كما قلنا، فلماذا تجعل الطالب من الأنبياء والأولياء مشركًا، ولا تجعله مشركًا عندما يطلب من الوزير والأمير، بل من الفاجر والكافر؟ والمدرك فيهما واحد، فإن الله لا شريك له فى أمور الدنيا ولا فى أمور الآخرة، فإما أن تعتبر الظاهر وتجعله شركًا فيها، وإما أن تعتبر الباطن وتجعل ذلك من باب الأسباب والمسببات التى هى نظام العالم، وسنة الله فى خلقه على ما شرحناه.

فإن كان لديك من صريح التوحيد ما يميت الأسباب من نظرك بالكلية ويجعلك تلتجئ إلى الله مباشرة بلا توسيط أحد كان لك ذلك (ولكنها مرتبة مخصوصة لقوم مخصوصين) وقد جاء الدين للناس جميعًا مراعيًا استعدادهم مكتفيًا بما تكنه ضمائرهم من التوحيد، بل عرفنا أن هناك مقربين وغير مقربين وهناك من تجاب دعوته وترجى شفاعته ومن ليس كذلك، ولهذا كان J الشفيع الأعظم فى الآخرة، وبعده الأنبياء والأولياء والعلماء كما جاء فى السنة الصحيحة.

ثم نقول بعد ذلك: إن المتوسل إلى الله بالنبى والولى معترف – بمقتضى توسله – أن المعطى والمانع إنما هو الله تعالى ولكن يقول: إن الولى أو النبى أقرب إلى الله منى، وله عند الله جاه وحرمة وذلك حق لا نزاع فيه (ولذلك يشفع النبى J للخلائق يوم القيامة وكذلك الأنبياء والأولياء والصالحون على ما شرحنا).

وفى إمكان روح الولى أن تدعو له وتطلب من الله قضاء حاجته.

والأرواح عند المسلمين باقية بعد الموت ولها أفعال وأقوال فى البرزخ، وطالما جاءت فى المنام فأرشدت المسترشدين وأغاثت الملهوفين مما لا يمكننا الخوض فيه الآن لسعة فجاجه، وتلاطم أمواجه.

وإن شئت فانظر ما كتبناه فى (حياة الأنبياء) بمجلة الأزهر ص116 من الجزء الثانى من السنة الثالثة، ومن ذلك كلمة وجيزة بمجلة الإسلام ص14 من العدد 42 من السنة السادسة.

ولا نزال نقول: ما الفرق بين الطلب من الأنبياء وغيرهم من أهل الدنيا، وهل هناك فرق بين أمور الدنيا وأمور الآخرة، وبين الأحياء والأموات عند المسلمين الذين يعتقدون بقاء الأرواح وعدم فنائها بمقتضى ما دلت عليه الأحاديث المتواترة فى عذاب القبر ونعيمه وفى حياة الأنبياء.

ويكفيك ما ورد فى حديث الإسراء والمعراج إن كنت لم تطلع على غيره فقد جاء فيه عن موسى وآدم وإبراهيم D ما فيه مقنع وكفاية، بل جاء فى كلام الفلاسفة الأقدمين من قبل الميلاد المسيحى ما يشفى ويكفى، وقبيح والله بالمؤمن أن ييأس كما يئس الكفار من أصحاب القبور.

وإن شيئًا اعترف به الفلاسفة غير المسلمين ووصلوا إليه بعقولهم السليمة قبل إخبار الرسل به، قبيح على من تزيا بالإسلام وسمع ما جاءت به الرسل أن ينكر ما اعترف به غير المسلمين.

ولنسق لك بعد ذلك كله حديثًا صحيحًا هو نص فى الموضوع إلا عند من سلب العقل أو حرم نعمة الإنصاف. أخرج النسائى فى سننه، والترمذى فى صحيحه، وابن ماجة، وغيرهم: أن أعمى أتى إلى النبى J فقال: يا رسول الله إنى أصبت فى بصرى، فادع الله لى، فقال له النبى J: (توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد إنى أستشفع بك فى رد بصرى اللهم شفع النبى فىَّ)، وقال: (فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك)، فرد الله بصره.

ولنقتصر اليوم على هذا ونؤخر الجواب عن بقية الأسئلة إلى فرصة أخرى نسأل الله التوفيق والرشد والمعونة بمنه وكرمه.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 13:29
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.