صفات السالك وما يجب عليه (3)

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين- والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة...

السيد أحمد علاء أبو العزائم- نائب عام الطريقة العزمية

 

صفات السالك وما يجب عليه (3)

ما يجب على السالك

أولا: ترك النفاق

النفاق داعية القطيعة، ومطية البعد، ورسول الغضب، وعلامة السخط، ومرض القلب، وفساد العقيدة، وسوء الخاتمة.

والنفاق علمي وعملي، ووجوهه تدق خفاء على الكمل من الرجال، ويخفى ظاهره على السالكين من العلماء؛ لأن مصدره القلب المنفعل بمشاهدة الحواس، الممتلئ

فسادًا من دسائس الحظوظ والأهواء وطلب العاجل من الكونيات

1- النفاق العلمي:

النفاق العلمي - أعاذنا الله تعالى منه - هو فساد يعتري العقيدة الحقة فيزلزلها، ونور الإيمان فيطفئه، وشمس اليقين فيكسفها، وذلك غالبًا يكون من تعلق القلب بالباطل، وملئه من الضلال، وازدحام أرجائه بالشبهات، فيضيق عن قبول الهدى والحق، ويكون صاحبه - والعياذ بالله - آفة على المؤمنين، إن لم يكن مقهورًا على أمره مخفيًا لعقيدته.

ومن هؤلاء من كانوا على عهد رسول الله J، من المنافقين الذي كانوا يخفون أمرهم خشية المؤمنين، وهؤلاء لا يخلو منهم زمان ولا مكان، فإن قويت شوكتهم أعلنوا ما أضمروا بأدلة وبراهين محلاة بالأباطيل، ولهم أعوان وأخدان، فإن قُهِروا أسروا بأسرارهم إلى مرضى القلوب الذين لم يذوقوا نور الحكمة، ولم يتمكنوا من علم اليقين بالحق سبحانه، فتراهم يظهرون أمام أهل الحق بأنهم منهم، ولكنهم يُعرفون لأهل القلوب، ويُعلمون بلحنهم وقولهم، وإن لم يعلنوا ذلك لأحد من خاصتهم.

ودواؤهم صعب من أكمل مرشد - إلا أنهم لم يشتهروا بين الناس بأنهم منافقون - إن لم يرجعوا عن عقائدهم ومعلوماتهم.

وينتج عن هذا النفاق العلمي أمور منها: الخروج على الخلفاء القائمين بإحياء سنة النبي J، وتنـفيـر قلوب المؤمنين، وتفرقة كلمتهم وجماعتهم، والسعي بهم إلى أعدائهم، والإنكار على أولياء الله تعالى أحياء وأمواتًا، وتنقيص مقامات الأنبياء، والعبث ببعض الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق ومدح العمال، والميل إلى حب الجاه والسؤدد، وضياع الوقت في التشويش على العامة وزلزلة عقائدهم، والمهانة بالسلف الصالح، وتهزيء آرائهم، وتقبيح اجتهادهم، كل ذلك بعض ما يكون عليه المنافق علمًا، أعاذنا الله تعالى وإخواننا من شر أعمالهم ومعتقداتهم وأقوالهم وأحوالهم، إنه مجيب الدعاء، وهؤلاء لا يصلِّي عليهم المؤمنون ولا يقومون على قبورهم.

 

2- النفاق العملي:

النفاق العملي مرض يعتري الهمة العلية، ويقود العزيمة الصادقة فيمنعها عن القيام بواجب فرض أو مرغب فيه أو محبوب، بشرط أن يكون التساهل ناشئًا عن ميل القلب عن إطاعة الأوامر، والتهاون بأمره، وعدم العناية به، شاعرًا بذلك من نفسه، منشرحًا بتساهله، أو عاملاً بغير ما أمره، أو عاملاً عملاً آخر مطمئنًّا به منشرحًا بعمله.

كل ذلك من النفاق العملي، وصاحبه في الحضيض الأسفل من المراتب، يتلاعب به الشيطان، وربما قوي عليه فجعله شيطانًا إنسيًّا يقود الناس للضلالة والقطيعة، كما كان يعمل المنافقون في عهد رسول الله J من التأخير عن الصلاة بالتجارة، أو يحضرون الصلاة ومعهم الأصنام، أو يتأخرون ليعملوا عمل اليهودية أو النصرانية، وتمنى رسول الله J أن يحرق عليهم بيوتهم إذا تأخروا عن صلاة الصبح.

وربما نال المنافق ما به يكون وعاء للعلم غير عالم بأسراره، فيدفعه هذا الحظ إلى النفاق كما فعل مسيلمة بعد أن أسلم وتعلم القرآن، خرج وادعى النبوة، وجعل له قرآنًا، وأنكر رسول الله J، وخرج ومعه قوم صدقوه.

وهكذا كل زمان به من المنافقين من العلم والعمل كثير، يخرجون على الخلفاء والأولياء والمخلصين من عباد الله تعالى، وأضر نفاق عملي أن ترى نفسك خيرًا من الموجود، أو تتحقق أنك نافع، أو تزاحم أخًا لك لتنال منزلة في قلوب الناس، أو منزلة من الدنيا، أو تذم أخًا لك على قبح لتنقصه في أعين الخلق، مع قدرتك أن تنصحه في خلوة بالتي هي أحسن.

ومن أشد النفاق أن تدعي ما ليس لك من الأموال والنسب والعلوم والأعمال لتظهر في أعين الناس، ومن النفاق الموجب لسوء الخاتمة كفران نعمة المنعم من الوالدين والمعلمين والأمراء؛ ومَن له فضل عليك في دين أو دنيا؛ أو إرشاد للخير؛ أو سعي للخير أو مساعدة.

ومن النفاق القبيح أن تشيع الفاحشة أو تنشر ما ينقص مؤمنًا، أو تتعرض لإساءة مسلم بسؤاله، أو معارضته وتكدير خاطره.

ومن النفاق نقل الأخبار وإفشاء أسرار المجالس والسعي بين الخلق.

ومن النفاق أن تظهر نفسك بحال ليس لك؛ ولكنك اكتسبته من غيرك وله الفضل عليك، فتخفي صاحب النعمة المباشر لك وتنكره.

ومن النفاق حب جمع المال والبخل ببذله؛ لأنه يضعف اليقين.

ومن النفاق تحقير أهل الحكمة في غيبتهم وتعظيمهم في مواجهتهم، وهو سبب الحرمان.

وأنواعه كثيرة تعلم لأهل القلوب المشرقة بنور المعرفة.

ثانيًا: تزكية النفس

النفس قابلة للتنويع، قد تنحط حتى تكون شيطانًا، وترتقي حتى تكون ملَكًا، وهي التي لو أطلقت أفسدت، أو قُهرت كمنت حتى تتزكى، فإذا تزكت كان إطلاقها أنسًا بمعية الحق، وتقييدها حفظًا لمقام العبودية، فتكون في تقييدها مطلقة، وفي إطلاقها مقيدة، كل ذلك بعد تزكيتها.

ولتزكيتها وسائل تخفى على كثير من أهل العلم، وتدق على أكثر العُبَّاد والزُّهَّاد إلا على متمكن من معرفة النفوس وعلم تهذيبها، ومعرفة معارج رقيها ومدارج بعدها، ومقادير الرياضات التي تستعمل لها، حتى يصل الطبيب إلى زوال الداء، وتقوية المريض حتى يصل إلى مقام كمالاته وجمالات عافيته.

ولهذا كان الجهل بطرق تزكية النفوس سببًا في هلاك كثيرين، ممن ترك الرقي على معارج القرب، ولم يتوسط في مجاهدة نفسه بإفراط أو تفريط، فإن النفس إذا تزكت صارت شمسًا تدور حولها جميع العلويات والسفليات، وتسمد منها الإضاءة، وإذا بقيت في سجن ظلمتها وحضيض سفلها يأتيها وقت تتمنى فيه أن تكون ترابًا.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 13:33
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.