أسرار القرآن

أسرار القرآن.. تفسير بعض أيات من سورة التحريم

 

للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم  

قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (التحريم: 8).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

يقول الله تعالى: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله فيما جاءهم به من عند الله تعالى، تنزلاً من الله Y وتفضلاً على أهل الإيمان بندائه إياهم نداء القريب كما قررنا قبل، فكأن الذين آمنوا قربهم الله تعالى بإيمانهم قربًا جعل لهم سمعًا يسمعون به منه؛ لأنه وفقهم للإيمان الذي جذبهم به إليه فكانوا منه I بحيث يسمعون منه Y نداءه المقدس، فإن السامع من الله مباشرة هو رسول الله J، والذي يسمع من رسول الله J كأنه يسمع من الله تعالى بآذان التسليم والاعتقاد، ومن فهم قوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ( (الفتح: 10) ذاق حلاوة إشارتي هذه وسمع من الله تعالى بأذن روحه، وإن كانت أذن رأسه تسمع من معاصريه، وإنك لتسمع المؤمن يقول لأخيه إذا جلس قارئ يقرأ هلم بنا نسمع كلام الله تعالى: )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ( (الزمر: 23).

فالجلود إنما تقشعر بالسماع الروحاني وقليل ما هم، والله تعالى إنما يخاطب القليلين الذين يعقلون عنه Y. يقول الله تعالى:

تُوبُوا إِلَى اللَّهِ

لفظ الأمر وإن كان لا يعين الوجوب إلا بقرينة ولكن هنا صريح في الوجوب؛ لأن مقام التوبة واجب على كل مؤمن وإن بلغ مقام الرسالة، يقول الله تعالى: )وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ( (محمد: 19) فلا يكبر على التوبة كبير، ولا يصغر عن الولاية صغير، فالملائكة يتوبون إلى الله تعالى، يقول تعالى: )يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ( (غافر: 7)، بل والرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتوبون إلى الله تعالى: )وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ( الأنعام: 91)، هذا وإن عظمة الله وجلاله وكبرياءه تجعل كل مقام وإن عظم مضمحلاًّ أمام تلك العزة العلية فالتوبة واجبة على كل مؤمن من بلوغ رشده إلى يوم لحده.

التوبة في اللغة هي: الرجوع فمن كان في مكان ورجع إلى آخر يقال تاب إليه والإشارة هنا معنوية، وليست التوبة هنا انتقال من مكان إلى مكان، بل هي رجوع مما يكرهه الله إلى ما يحبه، أو رجوع من الوقوف في مقام إلى ما هو أقرب منه إلى الله تعالى حتى يرجع إلى ربه، قال الله تعالى: )وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى( (النجم: 42)، فما دام الإنسان في غواشي الكون أو أسرار المجاهدة أو ظلال المشاهدات أو أنوار المقامات فهو في حاجة إلى التوبة، بل وإلى التوبة من التوبة حتى يحتسي طهور شهود عين التوحيد بعد علمه، وحق التوحيد بعد عينه، ويكون بعد ذلك توابًا محبوبًا.

والتوبة ترك المعصية وبغضها والعزم على أن لا يعود إليها، وفي الحديث الشريف: (الندم توبة)([1]).

وأسباب الندم ثلاثة: مخافة العذاب، ثم الحزن على عمل الذنوب، ثم الحياء من الله تعالى والرغبة في عفو الله تعالى. والرجوع إلى الله تعالى يكون بالتوبة، ثم بالأوبة، ثم بالإنابة، فالتوبة رجوع إلى الطاعة وهي مقام العامة، والإنابة وهي رجوع من الهفوات إلى المحبة وهي مقام الأولياء، والأوبة رجوع من النفس إلى الله تعالى وهي مقام الأنبياء. وإجماع المسلمين على أن الإنسان إذا تاب من معصية وهو في غيرها فهو تائب وله ثواب التوبة، وخالف فرقة من المعتزلة؛ لأن التوبة عندهم ترك المعاصي.

واختلف الصوفية في التوبة: فبعضهم يعتقد أن التوبة عدم نسيان الذنب حتى لا يرضى عن نفسه ولا يقع في الغرور، وبعضهم يرى أن التوبة نسيان الذنوب؛ لأن التائب حبيب الله مشاهدًا أنواره فلا يحجب بذكر ذنوبه، والعبد متى تاب لا يشتغل بغير ربه فكيف يذكر ذنوبه. والتوبة فضل الله تعالى متى وهبه الله لعبد أقبل بكليته عليه تعالى قال سبحانه: )ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا( التوبة: 112)، والمقربون لا يعصون الله؛ لأنهم معصومون أو محفوظون، وسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام طلب الرؤية، ثم تاب من اختياره الرؤية فأهل الحجاب فهموا أنه زهد في الرؤية، والحقيقة أنه تاب من اختياره طلب الرؤية، والاختيار يتوب منه المقربون.

قوله تعالى:

تَوْبَةً نَّصُوحاً

لما كانت التوبة للرجوع إلى الله تعالى بمنزلة الطهارة للصلاة، لا يمكن للعبد أن يقبل على الله إلا بها، فهي أساس كل القربات، وهي أول مراتب السالكين، ولا تفارق مؤمنًا حتى يفارق الدنيا؛ لذلك أكد الله الفعل بقوله: (توبة) ولكن لا تتحقق التوبة إلا بملابسة معانيها الثلاث وهي: رد المظالم لأهلها، والندم على الذنب، والعزم على أن لا يعود.

ولما كانت التوبة فريضة أكدها الله سبحانه بالمصدر كما قال سبحانه: )وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا( (النساء: 164).

وأما قوله تعالى: )نَّصُوحاً( يتضمن ثلاثة معان: الإخلاص فيها لله، وملازمتها، والتجمل بالنصح لنظرائه ليكون إمامًا للمتقين.

قوله تعالى:

عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ

هنا عسى ليست على بابها ولكن بمعنى اللام، ووضعت هنا ليكون للتائب دائم الخشية من الله تعالى، حفظًا له من الغرور بالتوبة.

)يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ( وتكفير السيئات سترها عن العبد واستبدالها بحسنات فضلاً منه I.

قوله تعالى:

وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ

بيانًا للحقيقة التي أعدها الله للتائبين الذين يرجعون عن حظوظهم وشهواتهم وملاذهم بالمجاهدة في ذات الله تعالى فيعطيهم Y بدل هذا الكون الفاني كونًا باقيًا، وبدل ما فيه من النعيم المشوب بالأحزان والأكدار والشدائد نعيمًا لا شوب فيه، ولذة لا ألم فيها، وأنسًا لا وحشة بعده في بساتين تجري أنهارها، أكلها دائم، وظلها دائم، وأن موضع سوط أحدنا فيها خير من الدنيا وما فيها، وأن العاقل إذا سمع القوي القادر يخبر بهذا الخبر يبلغ به اليقين حتى يرى هذا النعيم ممثلاً على جوهر نفسه فيفر حرصًا على الفوز العظيم.

قوله تعالى:

يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ

يعني في اليوم الذي تتجلى فيه الحقائق علنًا فتظهر عظمة الله وكبرياؤه وعزته وجلاله وكمال إطلاقه في تصريف الأمور، حتى يخاف كل نبي وتقي، ويقول كل مقرب نفسي نفسي، لديها يتفضل الله I على حبيبه ومصطفاه بنجب العناية وبشائر المسرات عند القيام من القبور، فيجعل له J ولمن معه نور القبول منه سبحانه، ونور الإقبال عليه وعلى من معه J، حتى يظهر النور لكل أهل المحشر فيلجئون إليه J عند الفزع الأكبر للشفاعة العظمى، وذلك لما يشرق على العالم من أنواره التي يجمله بها سبحانه في هذا اليوم ليفتتحه سبحانه بفاتحة المقام المحمود فيقيمه تعالى مقامًا يحمده J فيه العالم أجمع.

ولما كان تجلي الحق في هذا اليوم لحبيبه ومصطفاه ولمن معه - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم - بأسماء جماله ونوره وضيائه وبهائه تطمع أرواح المؤمنين في مزيد ما تجلى لهم به I: فـ

يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا

أي: وغيرهم في أشد العذاب، تسوقهم إلى المحشر نار ترمي بشرر كالقصر، والشمس تكاد تلامس رءوسهم، فافرح أيها المسلم وحافظ على اتباع حبيب الله ومصطفاه J لتفوز بتلك المعية، واحذر أن تنسى هذا اليوم بارتكاب مخالفته J رغبة في هذا الخير العظيم.

ولما كان لكل جارحة من تلك الجوارح نور مخصوص، وأعظم تلك الأنوار ما كان للقلب؛ لأنه محل العقيدة والنوايا وعرش تنزلات العرفان، تفضل الله على أهل معية حبيبه J بهذا النور بدليل قوله تعالى: )نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ(، وهنا الإشارة بأنه J هو قلب الأمة وروحها وهو الإمام في هذا اليوم وهو النور الذي يعنيه I.

ولما كانت اليمين هي الجارحة التي تشير إلى الخير والبركة بدليل قوله I: )فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ( (الواقعة: 8) جعل الله لهم في تلك الجهة نورًا يجذبهم I إلى مقامات أهل اليمن، ومع هذا الفضل العظيم فإنهم طمعوا في نيل الخير العظيم من الله تعالى، ومرادهم والله أعلى بقولهم: )أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا( أي اجعل لكل جارحة من جوارحنا نورًا حتى نكون كلنا نورًا، وذلك بأن تواجهنا بجمالك العلي مواجهة تشرق بها أنوارك المقدسة، حتى نتجمل بجمال صورتك العلية، جمالاً ننال به الأنس على بساط منادمتك، ونفوز بجوارك في مقعد صدق عندك يا مليك يا مقتدر.

قوله تعالى:

وَاغْفِرْ لَنَا

أي: واستر بهذا النور نقائصنا وعيوبنا وخطايانا؛ لأن المغفرة في اللغة هي الستر، ومنها (المغفر) الذي تستر به المرأة وجهها، وقولنا: واغفر لنا بعد طلبنا تمام النور إشارة إلى أن الله يتفضل علينا بحفظ مكانتنا العبدية التي بها نعلم مقدار فضله العظيم علينا؛ لأنا بمقتضى حقائقنا نستحق الدرك الأسفل من النار، وما فزنا به من هذا الفضل العظيم فهو بفضله ورحمته لا بكسبنا.

قوله تعالى:

إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

بيان لما كوشفوا به من عجائب قدرة الله التي جعلت أسطوانة من الطين في جوار رب العالمين، حتى تجلت تلك الحقيقة تجليًا جعلت اللسان يترجم عن الحقيقة المشاهدة بقوله: إنك على كل شيء قدير. ومحل (إن) هنا لم تكن على بابها؛ لأن المخاطب أعلم بالحقيقة منًّا، فلم تكن للتأكيد ولكنها إشارة إلى انبلاج أنوار القدرة انبلاجًا جعلت الخير عن عيان بجعل الإنسان لا يشك في أنه لا يستحق شيئًا من هذا الفضل إلا بإحسان الله تعالى، وأن عجزه متحقق، والله ذو الفضل العظيم.

 



([1]) سنن ابن ماجة 5/640 ح4252.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 13:36
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثانية بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد أول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م، والثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م.