حاجة المسلم إلى المرشد الكامل (1)

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين - والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة...

السيد أحمد علاء أبو العزائم- نائب عام الطريقة العزمية

 

حاجة المسلم إلى المرشد الكامل (1)

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين - والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

لما كان الفرد المسلم هو اللبنة الأساسية للمجتمع المسلم؛ فإن صلاحَه صلاحٌ للمجتمع، وهو ما اهتم به أئمة الصوفية رضوان الله عليهم ؛ فتجد الوليّ المرشد يهذب تلاميذه، ويزكي نفوسهم ويعالج أمراضها، ويطهر أرواحهم ويغذيها بغذائها، ويشغلهم بالذِّكْر، ويأمرهم بالفِكْر، ويدلهم على طريق المعرفة بربهم كما قال تعالى: )الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا( (الفرقان: 59).

وقد تعرضنا فيما سبق لبيان شيء من منهج الإمام المجدِّد السيد محمد ماضي أبي العزائم في تزكية النفس وبيان أمراضها وعلاجها، وبيان أنواع النفوس، وغير ذلك مما يحتاج المريد فيه إلى عبارة الوليّ المرشد وإشارته وملاحظته، إذ هو الخبير بربه، العارف بالنفوس وطرق تزكيتها.

والصوفية لا خلاف بينهم في أن بدايتهم هي تزكية النفـوس من أدرانها، والاتصال بالمرشد الكامل الذي يتلقون عنه العقيدة الحقة، ويتشبهون به في الأعمال السنية، والأخلاق المرضية، والمعاملات المقربة إلى الله تعالى؛ لأن المرشد وارث رسول الله J، ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه لم يورث درهمًا ولا دينارًا، ولكنه J ورث نورًا وهُدًى، وحكمة وبيانًا، قال الله تعالى: )كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ( (البقرة: 151)، فهذه الخيرات هي ميراث سيدنا رسول الله J التي يورثها الله بفضله مَن شاء من عباده.

ومن معاني ما ذكره الإمام المجدِّد أبو العزائم نبيِّن هنا الحكمة من التهذيب على يد المرشد ، وأن التهذيب على غير يد المرشد يضعف الحالة الوسط في التوازن بين القوى الإنسانية، وأن السالك يحتاج إلى المرشد في التزكية، ووجوب البحث عن المرشد الخبير القرآنيّ وتحصيل العلم والعمل بصحبته، وبيان أوصـافه وحالـه وآداب تلك الصحبة:

حكمة التهذيب على يد المرشد:

اقتضت الحكمة الإلهية أن يخلق اللهُ الإنسانَ وسطًا بين العالمين، وأن يخفي عنه ما به سعادته الرُّوحانية، وأن يلهمه ما به سعادته الدنيوية، قال سبحانه: )وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (النحل: ٧٨)، ومعلوم أن السمع والأبصار والأفئدة آلات لتحصيل العلم بالله وبأيام الله وبأحكام الله، فالأُذُن تصغى للحكمة، والعين تشهد أنواع الآيات في الكائنات، والقلب يفقه تلك العلوم.

ولما كانت العلوم والأعمال التي بها نيل مراضي الله ومحابه ليس للعقل أن يحصلها إلا بمرشد - لأن العلم بالتعلم -؛ وأننا مطالبون بتحصيل الخير للنفس والجسم، وخير النفس تحصيل العلم النافع، وخير الجسم العمل بالعلم؛ فالواجب علينا تحصيل العلم والعمل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بصحبة العالِم العامل، الذي نتلقى منه العلم قولاً، والعمل فعلاً، قال تعالى: )مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا( (الكهف: 17).

ولما كان ما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم قد يخفى فهمه على أكثر الناس بعد رفعهم إلى الرفيق الأعلى؛ تفضل الله تعالى فأناب عنهم أبدالاً لهم، يقيمون حججه، ويوضحون محاجه، ويبينون للناس سبله سبحانه، قال تعالى: )ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ( (القيامة: ١٩) فهو المبيِّن سبحانه، ولكن يتفضل تنزلاً فيبين لكل مرتبة من المراتب على قدر ما تطيقه القلوب، قال تعالى: )وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً( (الأنعام: ٩)، وقال عليه الصلاة والسلام: (رَحِمَ اللهُ خُلَفَائِي)، وقال صلوات الله عليه وسلامه: (يبعثُ اللهُ عَلَى رأسِ كُلِّ مائةِ عامٍ مَن يجدِّدُ لهذهِ الأمةِ أمرَ دِينِهَا).

ومعلوم أن السالك في طريق الله تعالى إذا لم يؤسس سيره على محبة الله ومحبة رسوله J وحب الخير لخاصة المسلمين وعامتهم لم ينل خيرًا، والسالك الذي لا يقوم بإخلاص عاملاً لله على هدى رسول الله J قلّ أن يصل إلى مقصوده.

ولما كانت محبة الله تعالى لا يظفر بها السالك إلا بسماع ما له علينا سبحانه من النعم، وفهم أنوار جماله، وأسرار بهائه، وعظمة جلاله، وسواطع أنواره، وإدراك مراتب الوجود، ونسبته في مرتبته، وما تفضل الله به عليه من خلقه بيديه، ومن نفخِه فيه من روحه، وسر سجود الملائكة لآدم، وحكمة جعله خليفة عنه في الأرض، وعنايته سبحانه بالإنسان حتى أعد له ما لا عين رأت ولا أذن سمعت في جوار قدسه، ومنازل الأطهار من خيرة خلقه، وبذلك يحصل له الحب الجذاب إلى حضرة القرب من الله تعالى، وكان كل ذلك لا يناله السالك إلا بصحبة المرشد القائم مقام رسول الله J؛ كان لا بد لكل سالك من مرشد.

فالمرشد في الحقيقة هو صورة رسول الله صلوات الله عليه المجملة بجماله المحمدي، إلا أنه لا يوحَى إليه، انطوت النبوة بين جنبيه، حفظ الله قلبه ولسانه؛ لأنه ممد من روح العصمة، فهو النجم المضيء لأهل عصره.

والمرشد ينوع الأفكار، ويقوى اليقين الحق، وتزكو به النفوس، وتنشط الأبدان للعبادة، وقد جعل J المرشدين في مقام التمكين إخوانًا له في الحديث الطويل: (وَددتُ لو رأيتُ إخْوَاني الَّذينَ لما يأتوا بعد) "بسند مالك بن أنس في موطئه"، فأنزلهم منه صلوات الله عليه منزلة الإخوان؛ لأن الله تعالى أكرمهم بأن جعلهم ورثة أنبيائه.

وللمرشد اقتباس من مشكاة رسول الله J، تنكشف به غياهب البدع وظلمات الفتن في كل زمان، فهو حجة الله تعالى القائم للحي القيوم، وهو الإنسان المجمل بجمال الصِّدِّيقين قولاً وعملاً وعلمًا وخلقًا وعبادة ومعاملة وعقيدة، كما قال J: (الوليُّ مَنْ إِذَا رُؤِيَ ذُكِرَ اللهُ لِرُؤْيَتِه)، وقال أيضًا: (الوليُّ إذَا دَخَلَ بَلَدًا كُمُلَ إيمانُ أهلَها).

فكل مسلم لا يتربى على يد مرشد لا يذوق لذة الإيمان، ولا لذة التقوى، وربما اغتر بأعماله فأفسد إبليسُ عليه حالَه، وكم سالك زلت به قدمه، وواصل ارتد على وجهه، ولا أمان لمكر الله، فالسالك على يد المرشد في حصون الأمن من وسوسة الشيطان وخدع النفس، وبه ينال الرقي إلى مقامات اليقين من التوبة، والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والمشاهدة، والرضا، والصبر، وغيرها، حتى يبلغ مقام المقربين، ويكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

إذًا يتعين على كل مسلم أن يتلقى تلك الأسرار، وأن يقتدي بالمرشد في الأعمال ليكون أشبه الناس برسول الله J، وكل مسلم لم يتلق العلم من العالم الرباني ولم يقتد بالمرشد الكامل يُخشى عليه من الشرك الخفيّ أو الأخفى، من الغرور بالنفس والعمل والنسب والجاه، نسأل الله السلامة من الآفات في الهجرة إلى الله تعالى.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الثلاثاء, 09 آب/أغسطس 2016 16:18
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت  السادسة والتسعون يوم الجمعة 16 ذو القعدة 1437هـ الموافق 19 أغسطس 2016م.

كما ستقام ليلة أهل البيت السابعة والتسعون يوم الجمعة 1 ذو الحجة 1437هـ الموافق 2 سبتمبر 2016م.