صفات السالك وما يجب عليه (5)

مهما ترفع مقام السالك؛ وطهرت نفسه وزكت؛ وتجملت أخلاقه؛ وتخلى عن سفاسف الأمور الأخلاقية؛ فإن لرتبته الإنسانية ونفسه الحيوانية حدًّا محدودًا، ومقامًا معلومًا، لا يمكن أن تتعداه بسهولة؛ ولا تتخطاه منقادة مريدة إلا بمجاهدة، ولا يقوم بها إلا من سبقت لهم العناية، ولا يصبر عليها إلا من اصطفوا للقدس الأعلى....

السيد أحمد علاء أبو العزائم- نائب عام الطريقة العزمية

 

صفات السالك وما يجب عليه (5)

الجهاد الأكبر:

مهما ترفع مقام السالك؛ وطهرت نفسه وزكت؛ وتجملت أخلاقه؛ وتخلى عن سفاسف الأمور الأخلاقية؛ فإن لرتبته الإنسانية ونفسه الحيوانية حدًّا محدودًا، ومقامًا معلومًا، لا يمكن أن تتعداه بسهولة؛ ولا تتخطاه منقادة مريدة إلا بمجاهدة، ولا يقوم بها إلا من سبقت لهم العناية، ولا يصبر عليها إلا من اصطفوا للقدس الأعلى.

فإن صور الكائنات إذا قابلت مرآة النفس الحيوانية التي أهملت عن مجاهدتها ودوام قهرها تزينت لها، فقبلتها للنسبة بينهما، وانقادت لمقتضاها من علو وغرور، أو طمع أو أمل أو هوى، فإذا توالت على النفس تلك الصور بدون مسارعة إلى تزكيها، ومحو تلك الصور منها بمواجهتها للخيال لترتسم فيها المعاني القائمة بالملكوت، والأنوار المرسومة في الخيال من عالم الجبروت، فإن النفس بإهمال المجاهدة تأنس بملاذها الحسية، وتبذل لذلك ما يمكنها من تدبير وفكر وهم وعزم، حتى تحجب لطائف القلب ومرآة الخيال عن مواجهة القدس الأعلى، ومشاهدة الملكوت الأعلى.

وهذا الجهاد أكبر في الحقيقة من لقاء الأعداء، لأن الإنسان إذا لقي عدوه احتاط منه، فإذا قتل بسيفه قتل شهيدًا، وأما تلك المعاني المهلكة التي تقوم بالنفس فتدفعها إلى الهلاك الأبدي؛ تلوح للنفس على أنها لذة ومحبوبة ونافعة، وبها السعادة والخير؛ لأن الحظ والهوى جمَّل المهلكات في عين النفس، فيقع الإنسان في مقتضيات ذلك بدون احتياط وبدون ندم بعد وقوعه ولا توبة منه، لخفاء ذلك عليه، ولسكره بالتلذذ، والفرح بالأعمال التي هي نيل وإدراك لما يلائم، فإذا كانت تلك البواعث موجبة مقاومة الروح لتمنع النفس عن تلك الأعمال - مع مكنتها من العمل وتلذذها به - كيف يكون الحرب بينهم؟، اللهم سلِّم سلِّم.

هذا هو الجهاد الأكبر، الذي من غفل عنه في صغيرة من الأمور أو حقير من الشئون بدون يقظة له ومسارعة في مجاهدة نفسه؛ ربما أدى إلى هلاك وضياع للأخلاق الطاهرة، وفساد للعقيدة الحقة.

 فعلى السالك المريد الوصول لحضرة الله تعالى أن يكون يقظًا لهمات نفسه، وللمة الشيطان التي يلم بها على قلبه، ويسارع إلى محو أسبابها، وزوال مقتضياتها، مجاهدًا نفسه، صابرًا على ذلك حتى يتمكن من الخلاص من رعونات نفسه، ووسوسة شيطانه، وفساد آماله، وقبيح أطماعه.

لأن الإنسان مهما بلغ من مراتب القرب؛ لم يكن حفظه كحفظ الملَك - لأن دواعي الآدمية؛ ومقتضيات الإنسانية؛ وبواعث الحيوانية؛ تجعله يلقي نفسه في مهاوي الحظوظ ومهالك الأطماع - حتى يكون يقظ القلب، حاضر الفكر، مستحضرًا أيام الله تعالى وعظمة ذاته، فيفوز بأن يكون في حفظ العناية من مخاوف النفوس، والله سبحانه وتعالى يحفظنا مما يسخطه، ويمنحنا رضاه وعفوه وعافيته، آمين.

جهاد الحس:

الحس قد يقوى سلطانه على السالك حال المجاهدة فيوقعه في السيئات، فإذا تذكر، أسرع إلى التوبة، قال الله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ( (الأعراف: 201)، وقال تعالى: )إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ  سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاَ كَرِيمًا( (النساء: 31)، وقال J: (التائبُ مِنَ الذنبِ كَمَن لاَ ذَنبَ لَه) "ابن ماجة".

وكل سالك لا يسلم من السيئات، ولو بنسيان ذكر الله تعالى، أو اشتغاله بالنوافل وترك الواجبات التي يقتضيها الوقت.

قال داود A: (البار يسقطُ سبعَ مراتٍ في اليوم)، ومعنى ذلك - والله أعلم - أن الأعضاء السبع لا بد لكل عضو منها من السقوط في كل يوم ولو مرة، ولو بترك القيام بشكر الله على سوابغ الآلاء المتوالية على كل عضو من أعضائه في كل نفَس، بل وعلى كل شعرة وعظم وعرق، فإن عرقًا صغيرًا لو تنبه لجعل الحياة مُرَّة بما يناله الإنسان من أصغر عرق في جسمه، وفي الجسم مئات من العروق ساكنة، لو ضرب منها عرق لتمنى الإنسان موته، وهو يغفل عن النعم المحيطة به وفي نفسه، قال تعالى: )وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا( (إبراهيم: 34).

فإذا كان البار يسقط سبع مرات في اليوم، فكيف بالفاجر؟!، ومن هذا نفهم قوله J: (لَن يدخلَ الجنةَ أحدُكم بعملِه)، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟، قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني اللهُ برحمتِه) "البخاري ومسلم".

ومعنى ذلك أن الأعمال الصالحة فعل الله في العبد، وهي أجل نعمة من نعم الله علينا، يعجز الإنسان عن شكرها، ومن غفل عن تلك الملاحظة فهو تارك للشكر على النعم الغزيرة، وقد قرر الله تعالى الخطاب ليعلم فضله على الناس بالعفو والمغفرة والتوبة، أسأل الله I أن يمنحني وأهلي وأولادي وإخواني العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن يعيننا على شكره وذكره، إنه مجيب الدعاء.

رابعًا: الرياضة

الشهوة قوية الراس شديدة المراس، ليس لها ميزان ولا قياس، إنما يكبح جماحها حبس الحواس، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرياضة القوية والمجاهدة القسرية، وأهل التربية الروحانية السماوية جعلوا الرياضة للهيكل الآدمي سر ترقيه، والمحبة باب وصوله، والتخوشن معراج نعيمه.

الرياضة العامة:

لمَّا كان الإنسان ذلك النوع الوسط المخصوص بنظر الحق I؛ المخلوق له سبحانه؛ ولأجله خلق العوالم كلها وسخرها؛ فطره سبحانه وتعالى على صورة المستقل المختار بما أخفاه سبحانه من سر القدر؛ ثم فطره سبحانه وتعالى على صفات اقتضتها مكانته وصورته؛ ثم تفضل فأعلمه على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه ما به سعادة في هذه الدار بين عالمه والعوالم الكونية؛ وفي الدار الآخرة بين عوالم الملكوت الأعلى؛ فكشف الرسل صلوات الله عليهم وسلامه بالقول والعمل والحال ما يحبه الله تعالى من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة؛ ولما كانت تلك الصفات المفطور عليها من حيث أنه في صورة المختار تمنعه عن قبول الحق والانقياد له أو عن الانقياد له بعد قبوله؛ سنت الشريعة أنواع التكاليف، ورغبت في النوافل وقربات الخير، ذكرى للقلوب، ورياضة للنفوس.

ولما كانت النفوس الإنسانية مجبولة - لاحتياجها الذاتي - على حب الجزاء؛ جعل الحق سبحانه وتعالى لها جزاء على مجاهدتها وقصورها عن فعل ما أمر به، ولما كانت تلك النفوس منها ما لا يقبل الخير؛ ولا ينبعث  إليه؛ ولا يراقب خالقًا؛ ولا يشكر منعمًا؛ حدت الشريعة حدودًا زاجرة للنفوس عن أن تتعدى تلك النواميس، كل حد منها بقدر ما ينشأ عن هذا التعدي من المضار النوعية، والمفاسد العمرانية، من تعنيف، أو توبيخ، أو جَلد، أو قطع، أو قتل.

وهذه هي الحدود التي يحد بها الذي فسدت أخلاقه، حتى إذا تعدى الفساد من الأرض والخلق إلى فساد في العقيدة بجحود الحق - الفساد الذي هو النهاية الكبرى في كفران النعم وإنكار المنعم - كان حده للمجاهر المعتدي القتل خشية من هلاك بعض أفراد النوع بتقليده، وحده للضعيف المسكين الإذلال بالرق أو الجزية حتى لا تقلده النفوس ولا ترغب في مكانته، وبذلك تضعف قوة التقليد والمفاخرة بعقيدته، وربما دعاه ذلك إلى التسليم فأسلم وسلم.

فكانت الجزية كحد من الحدود الزاجرة للنفوس المتطرفة، التي وصفت الحق بما لا ينبغي أن يوصف به، خشية أن يتعدى ضررها إلى غيرها، فكانت الجزية من الرياضة النافعة للفريقين: أهل الحق فيرون العزة لمن تمسك به، وأهل الباطل ليفروا من ذلك الحال وفساد العقيدة إلى الحق الذي به العز.

هذه الرياضات التي أسس عليها الدين، وعلى التمسك بها عامة المسلمين.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الخميس, 30 آذار/مارس 2017 18:53
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م، والخامسة بعد المائة يوم الجمعة 9 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م.

وسيقام بمشيخة الطريقة العزمية مولد الإمام علي بن أبي طالب يوم الإثنين 9 أبريل 2017م، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج يوم 23 أبريل، والاحتفال بمولد الإمام أبي العزائم 24 أبريل، والاحتفال بمولد السيدة زينب والسيدة آمنة بنت وهب يوم 25 أبريل 2017م.