التصوف وبناء الفرد المسلم (8)

إن الرجل منهم إذا أخطأ في حكم وفشا بين الناس وعورض فيه؛ كره أن يخضع للحق، وقام مجادلاً بالباطل ينصر نفسه على الحق غير مبال بسخط الله وغضبه، إذا أقام الحجة على خصمه أنه محق ورضـي الخلق عنه....

السيد أحمد علاء أبو العزائم- نائب عام الطريقة العزمية

لماذا الطريقة العزمية؟ (59)

التصوف وبناء الفرد المسلم (8)

بقية: أولاً: في تزكية النفس

بيَّن الإمام أبو العزائم حقيقة التزكية التي أمرنا الله بها وحثنا عليها بقوله تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى( (الأعلى: 14)، وقوله سبحانه: )قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا( (الشمس: 9)، فقال: لا تكمل تزكية النفس حتى يعلم حق العلم أنها مفطورة على فطر، اقتضتها قواها التي ركب الإنسان منها، فالإنسان جامـع لكـل الحقائـق الكونية، فهو وإن كان عالمًا صغيرًا، إلا أنه جمع جميع العالم، وزاد عليه، فهو مركب من الجماد، والنبات، والحيوان، والقوة الملكية، والقوة الإبليسية، وقد جعل الله تلك القوى وإن كانت متفرقة متحدة فجماعها الإنسان، ومتى تحقق من يريد تزكية نفسه أنه جامع لكل تلك الحقائق؛ علم حق العلم أن أكثر قواه سفلي المصدر، سيىء العمل، أو ناري المصدر، شرير العمل، أو نوراني المصدر، خير العمل، أو نفخة القدس، وكل تلك القوى يقال لها إنسان، فإن لم تنكشف للإنسان تلك الحقائق جلية حتى تكون كل قواه خاضعة للروح الملكية، أو للنفخة القدسية؛ هلك الإنسان.

وإذا علم الإنسان حقيقته؛ علم مرتبته في الوجود، وعرف ربه معرفة تجعله يخشاه بقدر علمه، ويخاف مقامه بقدر شهوده ويجاهد نفسه في كل أنفاسه، فلا يفخر ولو أجلسه الله على بساط مؤانسته، ولا يغتر ولو منحة كلمة (كن) للتصريف في كونه، ولا يخرج عن الوسط فيهدم بقية القوى بترك رعايتها حق الرعاية، كما قال رسول الله J: (كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسئولٌ عن رعيته) "البخارى"، وكما قال الله تعالى: )وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ( (البقرة: 143).

وإنما رفع الله الإنسان إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأجلس الإنسان على كرسي من نور قدام عرشه وواجهه بوجهه؛ لما جمع فيه من القوى المتضادة، والعناصر

المفارقة، وأظهر فيه من لطائف ملكوته، وأنوار لاهوته وغرائب قدرته، وعجائب حكمته، ثم هداه السبيل، وأقبل به عليه بمعونته وتوفيقه، ولو كان روحًا مجردة لما رفعه هذه الرفعة، أو جسمًا مجردًا لما أكرمه هذه الكرامة، قال الله تعالى: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً( (الإسراء: 70)، وقال سبحانه: )وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ( (الجاثية: 13).

وشتان بين تزكية النفوس عند أهل الإيمان وغيرهم، إنما يسارع لتزكية النفس أهل الإيمان بالله Y دون غيرهم، وإن اجتهد غيرهم في تزكية النفوس فإنما يريدون بتزكيتها تحصيل غايات فانية، ورياسات زائلة، وحظوظ دنيئة، كما يسارع الإنسان إلى تزكية نفوس البهائم لتعيش داجنة، عاملة لخيرها ولخير بني الإنسان، ولذلك فإنهم التفتوا عن مناهج التزكية الحقيقية، التي بها يصفو جوهر النفس مما كدر صفوه؛ من أمراض الجمادات والنباتات والحيوانات والحظوظ الإبليسية، حتى تتخلى عن ملابسة الحظوظ والأهواء التي تحجبها عن المسارعة إلى القيام بما خلقت له، وعن تحصيل العلم النافع من مآخذه الحقيقية، وعن العمل الصالح الذي يكون به المؤمن في معية الله تعالى، مجملاً بالعقيدة الحقة، والأخلاق الربانية، والأحوال السنية، والأعمال السنية.

مجاهدة النفس بالرفق والتدريج :

واعلم أنه يجب أن تكون المجاهدة والرياضة بالتنقل والتدريج والرفق بالنفس شيئًا فشيئًا، ولا يهجم عليها بما يشق عليها من الأعمال فتنفر منه نفورًا شديدًا يخشي منه الترك والخروج بالكلية، فيجب الرفق بها إلى أن تتعود ذلك، وهذا هو الذي نبه عليه الصلاة والسلام بقوله : (إن المـُنبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى) .

فإذا أراد المجاهدة نقل نفسه عن عوائدها المذمومة إلى المحمودة، فليمنعها من الفعل المذموم، وليذكرها ما ورد من الوعيد على فعل المذموم والوعد على فعل المحمود، فإن ثقل عليه ذلك قطع عنها لذاتها الناجزة، وداوى نفسه بترك الشهوات العاجلة، ومن عزم على تحصيل مقام السخاء مثلاً فطريقه إلزام نفسه القيام بإخراج الواجب من الزكاة والنذور والكفارات ونفقة الأب والأولاد الصغار والزوجة وغيرهم من العيال، فإذا قام بذلك بسهولة عوَّد نفسه الإنفاق في المندوب، وإذا وصل إلى ذلك آثر على نفسه ذوي الحاجات، ثم ينتقل إلى الزهد في حظوظ نفسه في الترفه والراحات، فهذه طريق المجاهدة والرياضة؛ يُدَرِّج العبد نفسه في سلوك الطريق إلى مولاه مع الرفق بنفسه، والانقطاع إلى الأعمال دفعة وإخراج ما في اليد دفعة واحدة منهيٌّ عنه، فإن قيل إن الصدِّيق 0 أتى بجميع ماله إلى النبي J ليخرجه في سبيل الله، قلنا: ذلك لأن الحاجة كانت إليه متأكدة إذ كان ذلك وقت فاقة وضرورة وبالمسلمين حاجة إليه، وأيضًا فإن الصدِّيق كان عنده من الوثوق والصبر واليقين بالله تعالى ما ليس عند غيره، ولا بأس أيضًا بأن يرقّع المجاهدة لنفسه بالعبادة بشيء من المباحات لِيَقْوَى بذلك على الطاعات، وينتفي عنه الملل ويزول عنه السأم، قال الإمام عليّ A: "روِّحوا النفوس فإنها إذا كرهت عميت"، والشريعة جاءت بمداواة النفوس المريضة؛ وتطبيب القلوب المعلولة.

هِيَ ٱلنَّفْسُ إِنْ زَكَّيْتَهَا تَشْهَدِ ٱلْغَيْبَـا

يَلُـوحُ لَهَـا لاَ سَتْرَ ثَمَّ وَلاَ حَجْبَـا

تُجَمَّلُ بِٱلأَسْـرَارِ يُجْلَىٰ لَهَا ٱلْخَفَـا

تُشَاهِدُ أَنْوَارَ ٱلتَّجَلِّـي تَرَى ٱلرَّبَّـا

وَقَدْ أَفْلَحَتْ نَفْسٌ تَزَكَّتْ فَوُوجِهَـتْ

بِوَجْـهٍ عَلَيٍّ قَدْ أَضَـاءَ وَلاَ رَيْبَـا

أَضَاءَتْ لَهَا ٱلأَسْمَاءُ فِي أُفْقِ هَيْكَلٍ

فَنَاوَلَهَا ٱلـرَّاحَ ٱلطَّهُـورَ وَلاَ شَوْبَا

هِيَ ٱلنَّفْسُ لَوْ تَزْكُو مِنَ ٱلْحَظِّ لَحْظَةً

لَهَـا تَسْجُدُ ٱلأَمْلاَكُ قَدْ تَشْهَدُ ٱلْغَيْبَا

هِيَ ٱلنَّفْسُ رُوحُ ٱلْقُدْسٍ تُنفَخُ بِٱلصَّفَا

فَتَظْهَـرُ أَنْـوَارُ ٱلْغُيُوبِ لِمَنْ لبَّىٰ

وَفِي طِينَـةٍ نُفِخَتْ فَـلاَحَ ضِيَاؤُهَا

فَطَافَتْ بِهَا ٱلأَمْلاَكُ وهَبَ لَهَا ٱلْحُبَّا

أَيَا نَفْسُ لَوْ تَزْكِينَ مِنْ شَوْبِ بَاطِلٍ

تَفُوزِينَ بِٱلإِقْبَالِ يَمْنَحُـكِ ٱلْقُـرْبَا

فَفِي أَحْسَنِ ٱلتَّقْوِيـمِ قَدْ كُنتِ أَوَّلاً

جَمَالَ جَمِيلٍ وَٱلْكِتَـابُ لَنَـا أَنْبَـا

صَلاَةٌ عَلَىٰ نُورِ ٱلْقُلُـوبِ مُحَـمَّدٍ

بِهَا نُعْطَ فَضْلَ ٱللَّهِ وَٱلْقُرْبَ وَٱلْحُبَّا

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الإثنين, 16 أيار 2016 15:32
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة والتسعون يوم الجمعة 6 شعبان 1437هـ الموافق 15 مايو 2016م، والليلة الرابعة والتسعون يوم الجمعة 5 رمضان1437هـ الموافق 10 يونيه 2016م.