صفات السالك وما يجب عليه (2)

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين- والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة...

السيد أحمد علاء أبو العزائم- نائب عام الطريقة العزمية

 

صفات السالك وما يجب عليه (2)

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين - والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

أول منازل السالك:

فى الرسالة القشيرية: التوبة أول منزل من منازل السالكين، وأول مقام من مقامات الطالبين.

وقال الواسطي: أول مقام المريد إرادة الحق سبحانه، بإسقاط إرادته.

 وسئل أبو العباس السياري: بماذا يروض المريد نفسه؟، فقال: بالصبر على فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء.

حب السالكين:

السالك هو من علم زوال الدنيا وبقاء تبعاتها، وتيقن بيوم الحساب، وتحقق أن طريق النجاة من أهوال القيامة هو المحافظة على سنة سيدنا ومولانا محمد J، وتبين بنور العلم أنه J الواسطة العظمى للوصول إلى النعيم المقيم، فعشقه J لما ظهر له أنه سر النجاة وباب الفلاح والسعادة، عشقًا جعله عاملاً بالسنة محافظًا عليها، متحققًا أن محافظته هى عين سعادته وفلاحه، مقبلاً بقلبه وظاهره على العمل بالسنة والكتاب، محبًّا للعلم والعلماء ملازمًا لمجالسهم؛ لأنه لا يتوصل إلى سعادته إلا بالعمل بالسنة، والسنة لا تنكشف له إلا بصحبة العلماء.

فمحبة هؤلاء محبة لنوال السعادة؛ لأنهم يحبون سيدنا ومولانا رسول الله، لا لانكشاف كمالاته وعلم مقاماته J؛ بل لأنه عَلِمَ أن السعادة فى اتباعه J، فأحبه كحب الطفل لوالديه لرؤيته الخير واصلاً إليه منهما، وهذا هو الحب الذى به يبلغ المريد درجة الوصول.

حب الأدعياء:

أما الحب الذي يدعيه الأدعياء ولم يتمسكوا بسنته فليس بحب، إذ المحب لمن يحب مطيع، ومن الجهلاء من يكون في قلبه حب لرسول الله J ولآل بيته الكرام، فيشغله ذكر ما منَّ الله به علي نبيه J وما أكرم به آل بيته الكرام ويترك التعلم والعلماء، ويترك العمل بالسنة تركًا عن قصد، ويظن الجاهل أنه علي شيء وأنه محب لرسول الله، وهو في الحقيقة مدع مغرور؛ لأن حب رسول الله J هو التحقق بما كان عليه J، والتجمل بالعلم والعمل الموافق للسنة، لأن مخالفة السنة أو جهل ما لا بد منه انحراف عن الطريقة المستقيمة؛ لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس بعد السنة إلا البدعة المضلة.

فمن يدعي محبة رسول الله J أو محبة آل بيته الكرام ويترك تعلم السنة والعمل بها ويغترُّ بحالته يخشي عليه سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالي، وإن بعض الجهلاء يخدعون العامة فيشغلونهم عن تعلم السنة الواجب عليهم في دين الله تعالي، ويوهمونهم أن هذا هو الطريق الموصل إلي الله تعالي؛ وهم دعاة للشر وأبواب لجهنم، وربما جعلوا الطريق سببًا في اكتساب الأموال فطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، وهم الذين لعنهم رسول الله J بقوله صلوات الله عليه: (ملعونٌ ملعونٌ)، قالوا: مَن يا رسولَ الله؟، قال: (مَن طلبَ الدنيا بعملِ الآخرةِ).

ما ينبغي أن يكون عليه السالك من مشاهد الإحسان:

1- أن يعمل الأعمال الموافقة للأحكام الشرعية:

يجب عليه أن يعمل جميع الأعمال الواجبة عليه متحريًا موافقتها للأحكام الشرعية، بحيث لا يعمل عملا إلا بعد علم شروطه وفرائضه وسننه ومبطلاته، سواء كان هذا العمل عبادات أو معاملات، وهذا هو الإحسان في العمل، فإذا قصر بطل عمله أو نقص، قال الله تعالى: )إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً( (الكهف: 30).

2- أن يحسن نيته في العمل:

يتحرى أن يحسن نيته في العمل، وأن يلاحظ النية من بداية العمل إلى نهايته حتى لا تحصل له غفلة.

3- أن يجتهد في إخلاص العمل لوجه الله:

يجتهد في إخلاص العمل لوجه الله حتى لا يشوبه رياء مفسد، أو غرض آخر مبطل للعمل بأن يعمل كمن يعبد الله على حرف.

4- أن يستحضر مقام من يعمل العمل له سبحانه:

أن يستحضر مقام من يعمل العمل له سبحانه عظمة وغنى وعزة، ويستحضر نفسه عالمًا بقدرها من الذلة والمهانة والاضطرار لتحصل المواجهة والأنس.

5- أن يعتقد أن العمل بتوفيق الله ومعونته:

يستحضر أن العمل بتوفيق الله ومعونته وبأمر الله ولله، فيشتغل بالموفق الآمر المعين على  العمل حال العمل وبعده، لينسى عمله بذكر ربه.

6- أن يقصد بالعمل القيام بحقوق العبودة:

يقصد بالعمل القيام بحقوق العبودة لسيده الآمر له، رَغْبَةً في نوال رضوانه وفضله.

ما يجب على المريد معرفته:

لا يعد المريد سالكًا على الطريق إذا لم يحط علمًا بواجب الأوقات، وبصحبة من سلك، وعرف المبدأ والمرجع، وتمكن من معرفة النفوس، وعلم أمراضها ودواءها وتكميلها.

على أني لا أحكم أن المريد معصوم من المعاصي، ولكني أرى أنه يقع في صغائر الأمور التي تشتبه عليه لأنها خفية؛ وانتفاؤها عن المريد متعذر، كما يحصل من بعض المريدين من المسارعة في عمل النوافل، والتساهل بالواجبات؛ من بر، أو صلة، أو نجدة، أو عيادة، أو جهاد، أو اكتساب، فقد يكون واجبًا يقتضيه الوقت فيترك ذلك ويقبل على الأوراد والصيام والسهر في الصيام، فتكون تلك المعاصي تدخل على المريد من حيث لا يعلم، وأمثال هذه كثيرة نكتفي بما تقدم من المثل، لهذا يجب على المريد صحبة الكامل.

إذا تحقق هذا من أن العمر هو المسافة، لزم على كل مريد أن يعلم الحقوق الواجبة عليه لنفسه، ولربه سبحانه، وللناس بحسب مراتبهم، ويعلم مواقيت تلك الحقوق وشروطها، فقد يكون الوقت يقتضي الشكر فيصرفه في الذكر، وقد يقتضي السعي على المعاش فيصرفه في الصلوات.

وللسالك أربعة واجبات لا بد منها: المرشد الكامل، والإخوان الذين يعينونه على طاعة الله؛ وينصحونه إذا خالف، والاستقامة، والرزق الحلال، متى توفرت له هذه الأربعة فهو ولي من أولياء الله.

وقد فصل الإمام أبو العزائم ما يجب على السالك حتى يكون على بصيرة من أمره، وليصح سلوكه إلى ملك الملوك سبحانه وتعالى، وهو: ترك النفاق، وتزكية النفس، والجهاد والرياضة، والنهج الوسط، والعمل لجمع القلوب على الله، وتلقى العلوم النافعة، واستقامة السيرة مع صفاء السريرة، وتفصيل ذلك في العدد القادم بإذن الله تعالى.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الخميس, 05 كانون2/يناير 2017 20:07
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الأولى بعد المائة يوم الجمعة 1 ربيع ثان 1438هـ الموافق 30 ديسمبر 2016م، والليلة الثانية بعد المائة يوم الجمعة 6 جماد أول 1438هـ  الموافق 3 فبراير 2017م.