التصوف وبناء الفرد المسلم (9)

لا يفوتنك مقام الورعين، ولا تَبِنْ عن حال التائبين، وهو أن تجعل لك وردين في اليوم والليلة لمحاسبة النفس ومواقفتها، مرة بعد صلاة الضحى لما مضى من ليلتك، وما سلف من غفلتك، فإن رأيت نعمة شكرت الله، وإن رأيت بلية استغفرت الله...

السيد أحمد علاء أبو العزائم- نائب عام الطريقة العزمية

لماذا الطريقة العزمية؟ (60)

التصوف وبناء الفرد المسلم (9)

بقية: أولاً: في تزكية النفس محاسبة النفس

لا يفوتنك مقام الورعين، ولا تَبِنْ عن حال التائبين، وهو أن تجعل لك وردين في اليوم والليلة لمحاسبة النفس ومواقفتها، مرة بعد صلاة الضحى لما مضى من ليلتك، وما سلف من غفلتك، فإن رأيت نعمة شكرت الله، وإن رأيت بلية استغفرت الله، فإن وجـدت فـي حـالك أوصـاف المؤمنين التي وصفهم الله U ومدحهم عليها؛ رجوت وطمعت واستبشرت، وإن وجدت من قلبك وحالك وصفًا من أوصاف المنافقين، أو خلقًا من أخلاق الجاهلين التي ذمهم الله U بها، ومقتهم عليها؛ حزنت وأشفقت وتبت من ذلك واستغفرت.

والمرة الثانية أن تحاسب نفسك بعد الوتر وقبل النوم، لما مضى من يومك من طول غفلتك، وسوء معاملتك، وما فعلته من أعمالك، كيف فعلتها؟، ولمن فعلتها؟، وما تركته من سكوتك وصمتك، لم تركته؟، ولمن تركته؟، فتتفقد الزيادة والنقصان، وتعرف بذلك التكلف والإخلاص من حركتك وسكونك، فما تحركت فيه وسكنت لأجل الله U به فهو الإخلاص، ثوابك فيه على الله U عند مرجعك إليه، فاعمل في الشكر على نعمة التوفيق وحسن العصمة في التهلكة، وما سكنت فيه أو تحركت لهواك وعاجل دنياك فهو التكلف الذي أخبر رسول الله J: (أنه هو والأتقياء من أمته براء من التكلف)، وقد استوجبت فيه العقاب عند نشر الحساب، إلا أن يغفر المولى الكريم الوهاب، فاعمل حينئذ في الاستغفار بعد حسن التوبة وجميل الاعتذار، وخف أن يكون قد وكلك إلى نفسك فتهلك.

فلعل مشاهدة هذين المعنيين - من خوف ما سلف منك والطمـع في قبول ما أسلفت - يمنعك من المنام، ويطـرد عنك الغفلة، فلتحي ليلتك بالقيام، فتكون ممن وصف الله U في قوله: )تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً( (السجدة: 16)، وقد قال بعض السلف: كان أحدهم يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه.

وقد قال بعض العلماء: من علامة المقت أن يكون العبد ذاكرًا لعيوب غيره، ناسيًا عيوب نفسه، ماقتًا للناس على الظن، محبًّا لنفسه على اليقين، وترك محاسبة النفس ومراقبة الرقيب من طول الغفلة عن الله عز وجل، والغافلون في الدنيا هم الخاسرون في العقبى؛ لأن العاقبة للمتقين، قال الله U: )وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ( (النحل: 109)، وطول الغفلة من العبد على طبائع القلب فقد المعبود، والغفلة في الظاهر غلاف القلب في الباطن؛ تقول العرب: غفلة وغلفة بمعنى، كما تقول: جذب وجبذ، وخشاف وخفاش، وطبائع القلب على ترادف الذنب بعضه فوق بعض وهو الران الذي يتعقب الكسب فيكون عقوبة له، قال الله تعالى: )كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ( (المطففين: 14)، قيل: المكاسب الخبيثة وأكل الحرام، وفي التفسير: هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب، وأصل الرينة الميل والغلبة وهو التغطية أيضًا، يقال: ران عليه النعاس إذا غلبه، ورانت الخمر على عقله أي: غطته.

وأصل ترادف الذنوب من إغفال المراقبة، وإهمال المحاسبة، وتأخير التوبة، والتسويف بالاستقامة، وترك الاستغفار والندم، وأصل ذلك كله هو حب الدنيا وإيثارها على أمر الله U وغلبة الهوى على القلب، ألم تسمع إلى قوله U: )ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ( (النحل: 107)،  إلى قوله U: )أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ( (النحل: 108)، وقال في دليل الخطاب: )وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى( (النازعات: 40)،  يعني إيثار الدنيا؛ لأن صريح الكلام وقع في وصفهم بالطغيان وإيثار الحياة الدنيا، ثم قال: )طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ( (محمد: 16)، فاتباع الهوى عن طبائع القلب، وطبائع القلب عن عقوبة الذنب، وميراث العقاب الصمم عن فهم الخطاب، أما سمعته يقول: )لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ( (الأعراف: 100).

وقد جعل الإمام عليّ A الغفلة مقامًا من مقامات الكفر، فقال في حديثه الطويل: "فقام إليه سلمان فقال: أخبرنا عن الكفر على ما بني؟، فقال: على أربع مقامات، على الشك؛ والجفاء؛ والغفلة؛ والعمى، فإذا كثرت غفلة القلب قل إلهام الملَك للعبد - وهو سمع القلب -؛ لأن طول الغفلة يصمه عن السمع، وعدم سماع الكلام من الملَك عقوبة الخطايا، وتثبيت الملك للعبد على الخير والطاعة وحي من الله U إليهم وتفضيل للعبد، أما سمعت قول الله U: )إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ( (الأنفال: 12)، وفي الخبر: (أن آدم A حُجب عن سماع كلام الملائكة فاستوحش بذلك، فقال: يا رب مالي لا أسمع كلام الملائكة؟، فقال: خطيئتك يا آدم)، فإذا لم يسمع العبد كلام الملائكة لم يفهم كلام الملِك، وإذا لم يسمع الكلام لم يستجب للمتكلم: )إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ( (الأنعام: 36).

حقيقة التهذيب:

قال الله تعالى: )وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا( (الشمس: 7 – 10)، وقال I: )قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى( (الأعلى: 14)، وقال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ( (البقرة: 222)، وقال J في الحديث الطويل: (ألا وإنَّ في الجسدِ لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، ألا وهي القلب.. ألا وهي القلب) "البخارى"، وقال: (ألا أُخبركم بأحبِّكم إلىَّ وأقرَبِكُم مني مجالس يوم القيامة؟)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (أحاسنُكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون) "البخاري ومسلم"، وقال: (أعدى عدوِّك نفسُك التي بين جنبيك) "البيهقي".

والتهذيب مجاهدة النفس حتى تتخلى عن الرذائل التي فطرت عليها، والحظوظ الخفية عنها، والأهواء الباعثة لها على تعدى حدود الله تعالى، فبغية كل مؤمن كامل أن يفوز بفضل الله العظيم، ورضوانه الأكبر، وهي حلل الجمال التي يتفضل الله بها على العبد المؤمن بخالص المنة، بعد التخلي من ميول النفس ورعوناتها وحظها وهواها، وبعد توقي شحها، وتطهيرها من لقسها.

وإنما يحتاج السالك لتهذيب نفسه ومعالجة أمراضها وتزكيتها إلى طبيب عالِم بتلك الأمراض وسبل تزكيتها، عارف بربه، وهو الذي سماه المولى سبحانه في المصطلح القرآني الولي المرشد والخبير كما قال تعالى: )الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا( (الفرقان: 59)، وقال تعالى: )مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا( (الكهف: 17).

وسوف نتعرض بمشيئة الله تعالى إلى تفصيل الحكمة من التهذيب على يد المرشد، واحتياج السالك إليه في التزكية، وما يلزم السالك من آدابٍ في صحبة الوليّ المرشد، وما هي صفات ذلك الولي المرشد والخبير القرآني، ونسألُ اللهَ تعالى أن يزكي نفوسَنا، وأن يطهر قلوبَنا، وأن يبلغنا مقام المعرفة به سبحانه، إنه سميع قريب مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الأحد, 12 حزيران/يونيو 2016 16:34
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت  الخامسة والتسعون يوم الجمعة 10 شوال 1437هـ الموافق 15 يوليه 2016م، والسادسة والتسعون يوم الجمعة 2 ذو القعدة 1437هـ الموافق 5 أغسطس 2016م.