أباطيل الإسلام السياسي (الأسس الفكرية للإرهاب) [6]

أباطيل الإسلام السياسي (الأسس الفكرية للإرهاب) [6]

islam wattan . نشرت في المدونة 4060 لاتعليقات

لا يختلف أى مسلم أو مؤمن بالله على أن الحكم والأمر لله I، وأن كل شيء يحدث فى هذا الكون الفسيح يجرى بمقادير الله I وإرادته….

الدكتور محمد حسيني الحلفاوي

الحاكمية

لا يختلف أى مسلم أو مؤمن بالله على أن الحكم والأمر لله I، وأن كل شيء يحدث فى هذا الكون الفسيح يجرى بمقادير الله I وإرادته.

ولكن قديمًا خرج بعض القراء ” الذين يحسنون الصلاة والصيام وقراءة القرآن ” حاملين شعارًا قرآنيًّا )إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ( الذي لا يختلف على معناه الصحيح عاقل، ولكنهم فهموا الآية القرآنية فهما سقيمًا خاطئًا.

ولم يستجيبوا لتصحيح ونصائح كبار الصحابة معتقدين أن فهمهم هو الفهم الصحيح الذي لا يأتيه الباطل متهمين كبار الصحابة بأنهم علماء سلطة!!!

ثم بنوا على هذا الفهم السقيم تكفير كل ما عداهم وعلى رأس الذين كفروهم الإمام علىّ بن أبى طالب الخليفة الرابع 0.

ولم يشفع له عندهم أنه: أول من آمن من الصبيان، والمجاهد الجسور فى معارك الإسلام الكبرى، وأقضى القضاة والعالم بالقرآن وسنة رسول الله، والعابد التقى الورع، وزوج السيدة فاطمة 1، وأبو الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

هذا الرجل الأمة تم تكفيره ثم اغتياله وهو يصلى الفجر في رمضان!!!

استنادًا لفهمهم السقيم )إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ(!!!

ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بتكفير كل المسلمين – عداهم – معلنين الحرب عليهم.

واسألوا التاريخ عن الدماء التي أسيلت تحت هذا الشعار البرَّاق )إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ(!!!

ثم ماتت فتنة الخوارج سنين طويلة.

حتى جاء العصر الحديث وتم إحياء هذا الفكر ثانية تحت شعار جديد برَّاق هو “الحاكمية لله”.

فما هى الحاكمية؟

وما هى مخاطر هذه الفكرة على الإسلام والمسلمين؟!

هذا ما سنناقشه فى السطور القادمة.

أولا: نشأة المصطلح:

نشأ هذا المصطلح على يد ” الخوارج ” قديمًا، ففى معركة صفين 37ﻫ بين جيش الإمام عليِّ بن أبى طالب وجيش معاوية بن أبى سفيان، كان النصر للإمام عليٍّ 0.

فلجأ معاوية لحيلة رفع المصاحف على أسنة الرماح!!!

ولكن الإمام عليًّا كرَّم الله وجهه كان حصيفًا وخبيرًا بالرجال ويعرف أنها مجرد مناورة سياسية، فلم ينطلِ عليه ذلك.

وأراد أن يكمل المعركة ويخضع جيش معاوية للحق والعدل “لدولة القانون بالمفهوم الحديث”.

ولكن مجموعة من ” الجنود ” فى جيش الإمام عليٍّ، كان يطلق عليهم ” القراء ” ضغطوا على الإمام عليٍّ لوقف القتال وقبول ” التحكيم “.

ثم قاموا بترشيح ” أبى موسى الأشعري ” 0 ليكون ممثلاً للإمام عليٍّ في التحكيم، وكان الإمام عليٌّ يرشح ” عبد الله بن عباس ” فوافق الإمام على رأيهم.

وما حدث في واقعة التحكيم معروف فى كتب التاريخ الإسلامي من قيام ” عمرو ابن العاص ” بإقناع ” أبي موسى الأشعري ”  بأن الحل هو خلع ” علىٍّ ومعاوية معًا ” وترك الأمة تختار ما تشاء لولاية الأمر.

وطالب عمرو أبا موسى الأشعري بالخروج أولاً لكبر سنه: لخلع عليٍّ، ففعل.

ثم أقبل ” عمرو بن العاص ” قائلاً: ” إن هذا قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية!!

بعد هذه الصدمة…. فوجئ الإمام عليٌّ بهؤلاء ” القُرَّاء ” ينشقون عليه بل ويكفِّرونه، بحجة أنه حكَّم الرجال في دين الله، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز:

)إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ( (يوسف: 40، ثم رفعوا شعارهم الشهير ” لا حكم إلا لله “.

واستشهدوا أيضًا بقوله تعالى: )وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ( (الحجرات: 9).

فماذا كان رد الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه، قال: ” إنها كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله! وإنه لا بد للناس من أمير بَرٍّ أو فاجر”([1]).

ولكن الخوارج لم يستمعوا لكبار الصحابة، وقاموا تحت هذا الشعار بتكفير جميع المسلمين – عداهم – ثم حاربوهم ككفار محاربين.

ثانيا: إحياء المصطلح فى العصر الحديث:

1-   أبو الأعلى المودودى:

يقول: ” فخلاصة القول أن أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة…. ففى جميع هذه الآيات من أولها إلى آخرها، لا تجد إلا فكرة رئيسة واحدة ألا وهى أن كلاًّ من الألوهية والسلطة تستلزم الأخرى، وأنه لا فرق بينهما من حيث المعنى والروح”([2]).

و” الحاكمية هى أن تنزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدى البشر منفردين ومجتمعين ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره فى بشر مثله فيطيعوه أو ليسن قانونًا لهم فينقادوا له ويتبعوه، فإن ذلك أمر مختص بالله وحده لا يشاركه فيه أحد غيره”([3]).

و” ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين فى الدولة نصيب من الحاكمية، فإن الحاكم الحقيقى هو الله، السلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده….. ليس لأحد – من دون الله – شيء من أمر التشريع، والمسلمون جميعًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا”([4]).

2- سيد قطب:

يقول: ” إن العالم اليوم يعيش فى جاهلية من ناحية الأصل الذى تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله فى الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهى الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابًا، لا فى الصورة البدائية الساذجة التى عرفتها الجاهلية الأولى ولكن فى صورة إدعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله وفيما لم يأن به الله “([5]).

و” من دان لغير الله وحكم فى أى أمر من أمور حياته غير الله، فليس من المسلمين وليس فى هذا الدين”([6]).

3- أبو إسحاق الحوينى:

يقول: ” توحيد الحاكمية أخص خصائص توحيد الألوهية… فكم يا ترى للتجار مستشارين من أهل العلم؟ التجار الكبار لهم مستشارون قانونيون ومحاسبون ويعطونهم رواتب عالية وثابتة ويعطونهم نسبًا أيضًا، وأهل العلم استشارتهم مجانية بلا مال، فهل يا ترى لكل تاجر كبير مستشار يقول له هذا حلال وهذا حرام ويصدر عن فتواه؟ هذا من أدل الأدلة على أننا لا نوحد الله U توحيد الحاكمية، الذى هو أخص خصائص توحيد الألوهية”([7]).

ومن خلال المودودى وقطب أخذت تيارات الإسلام السياسي الفكرة وطوَّرتها سواء جماعات العنف والإرهاب ” جماعة التكفير والهجرة، الجماعة الإسلامية، جماعة الجهاد، تنظيم القاعدة وصولاً لداعش ”

وكذلك قادة هذه الجماعات ” محمد قطب المصرى، عبد الله عزام الفلسطينى، أيمن الظواهرى المصرى، عبد الرحمن عبد الخالق، أبو محمد المقدسى الأردنى، وصولاً إلى وجدى غنيم “.

([1]) كتاب ” نهج البلاغة “، طبعة دار الشعب، القاهرة ص 65.

([2]) كتاب ” المصطلحات الأربعة فى القرآن ” للمودودى ص 23، 28.

([3]) كتاب ” نظرية الإسلام السياسية ” للمودودى ص 25.

([4]) المرجع السابق، ص31، 32.

([5]) كتاب ” معالم فى الطريق ”  لسيد قطب ص 9.

([6]) كتاب ” فى ظلال القرآن ” لسيد قطب ج 12 ص 200.

([7]) محاضرة “مذهب الشيطان” شريط صوتي لأبى إسحاق الحوينى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.