أسرار الحج ورموزه عند أئمة أهل البيت (1 /2)

أسرار الحج ورموزه عند أئمة أهل البيت (1 /2)

islam wattan . نشرت في المدونة 7500 1 تعليق

إنّ تراث أهل البيت الذي اختزنته مدرستهم وحفظه من الضياع أتباعهم يعبّر عن مدرسة جامعة لشتى فروع المعرفة الإسلامية. وقد استطاعت هذه المدرسة أن تربّي النفوس المستعدة للاغتراف من هذا المعين، وتقدّم للأُمّة الإسلامية كبار العلماء المحتذين لخُطى أهل البيت الرسالية، مستوعبين إثارات وأسئلة شتى المذاهب والاتجاهات الفكرية من داخل الحاضرة الإسلامية وخارجها، مقدّمين لها أمتن الأجوبة والحلول على مدى القرون المتتالية…

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

أسرار الحج ورموزه عند أئمة أهل البيت (1/ 2)

إنّ تراث أهل البيت D الذي اختزنته مدرستهم وحفظه من الضياع أتباعهم يعبّر عن مدرسة جامعة لشتى فروع المعرفة الإسلامية. وقد استطاعت هذه المدرسة أن تربّي النفوس المستعدة للاغتراف من هذا المعين، وتقدّم للأُمّة الإسلامية كبار العلماء المحتذين لخُطى أهل البيت D الرسالية، مستوعبين إثارات وأسئلة شتى المذاهب والاتجاهات الفكرية من داخل الحاضرة الإسلامية وخارجها، مقدّمين لها أمتن الأجوبة والحلول على مدى القرون المتتالية.

إنّ أهل بيت الرسول الأمين J الذين قرنهم الرسول J بمحكم التنزيل واعتبرهم عِدلاً للقرآن العظيم في حديث الثقلين الشهير، وحديث السفينة، وحديث النجوم، وغيرها ممّا ورد في تفسير آيات الذكر الحكيم التي تشير إلى أنّهم أهل الذكر، وولاة الأمر، والحافظون لحدود الله. وهم الروّاد الصادقون، الأُمناء على شريعة جدّهم ورسالته حيث عصمهم الله من الزلل، وآمنهم من الفتن، والمطهّرون الّذين يتسنى لهم تفسير الكتاب كما ينبغي،  واقتفاء أثره اقتفاءً يجعلهم الأُسوة الحسنة بعد رسول الله J، والقدوة المثلى التي لا يطمع في إدراكها طامع.

ومن هنا كان من الطبيعي جدًّا أن يكون منهجهم في إرساء دعائم فريضة الحج العظيمة، وتعظيم شعائر الله هو منهج القرآن المجيد، وخطاهم إلى تثبيت قواعدها تبعٌ لخطاه.

والقرآن المجيد قد كثّف الإضاءة على بيت الله الحرام، وشعائر الحجّ العظام، تاريخًا وتعظيمًا وفلسفة وأحكامًا وعرفانًا، فجعله مركزًا للتوحيد، وعتيقًا من براثن الشرك، وقيامًا للناس، ومباركًا وهدىً للعالمين، وأمنًا للناس ومثابة لهم ومطهّرًا، ومحلاً خاصًّا للطائفين حول محور الوحدانية الحقيقية وللعاكفين والركّع السجود… فهو التعبير الصادق عن إسلام الوجه لله تعالى والتسليم لإرادته العليا، وهو المختبر الكامل للإنسان الطائع باتجاه الكمال اللائق به، والبوتقة التي تصهر شوائب النفس، وتمحو ما علق بالقلب من ران خلال مختلف مراحل الحياة.

لقد كانت لسيرتهم الزاخرة بالعطاء العلمي والعملي والعرفاني ولسعيهم الحثيث- لإرساء معالم الشريعة الإسلامية وقواعدها المحكمة- الدور الكبير والأثر البالغ في تألّق الإسلام والمسلمين بشكل عام وتجلية عظمة الشريعة الإسلامية بشكل خاص، وتركيز شعائر الحجّ بشكل أخصّ، حتى ورد عنهم D: «أنّ الدين لا يزال قائمًا ما قامت الكعبة»، وأنّ ولاة الأمر مسؤولون عن رعاية هذه الشعائر في كلّ الظروف التي تمر بها الأُمّة الإسلامية، وينبغي أن لا يحول بينهم وبين إقامتها أيّ ضعف ماليّ، أو أيّ خلل اقتصادي ينتاب الناس، حيث يُخصص ما يمكن من ميزانية الدولة الإسلامية لإحياء هذه الشعائر على مرّ الدهور.

نعم، هذه هي مدرسة أهل البيت D وهي صورة موجزة وملخّصة جدًّا من معالم نظريتهم وثقافتهم الربّانية عن الإسلام ككلّ، وعن هذا الركن الإسلامي العظيم بشكل خاص.

  الحجّ فريضة إسلامية كبرى

تحظى فريضة الحجّ باهتمام المسلمين جميعًا وتعتبر من الشعائر والعبادات التي يتفق على وجوب أدائها جميع المذاهب الإسلامية.

كما تعبّر هذه الفريضة عن وحدة الأُمّة الإسلامية واستقلال كيانها.

وهي بعد ذلك كلّه: رمز قوّتها، وعظمة قدرتها، واستمرار حيويّتها.

ولم تستطع أيدي العابثين أن تعطّل هذه العبادة العظيمة بالرغم من سعيهم الحثيث لإفراغها من مضمونها ومحتواها الكبير، ويعود ذلك لأسباب، منها:

1- الدور الفاعل لأهل بيت الوحي D بما فيهم سيّد المرسلين وأئمة المسلمين من أبناء الرسول العظيم الّذين تابعوا الرسول الكريم J في خطاه الحكيمة، واتّبعوا القرآن العظيم في توجيهاته السديدة.

فسلكوا سبيل الهدى بكلّ ما أُوتوا من حول وقوّة وحكمة حتى بيّنوا معالم وتفاصيل هذه العبادة المهمة بشعائرها المتنوعة، وأرسوا دعائمها التشريعيّة.

2- حثّوا على أدائها  كلّ مَن يرتبط بهم من قريب أو بعيد.

3- جسّدوا كلّ ما قالوه عن الحجّ في سلوكهم السويّ .

4- ولم يكتفوا ببيان تاريخها العريق من لدن آدم D إلى خاتم الأنبياء J وفضائلها وآثارها الدنيوية المادية وأجرها الأُخروي، وإنّما عكفوا على بيان فلسفتها شعيرة شعيرة، وعملاً عملاً، ونفذوا إلى أعماقها ليصوّروا عرفانها بالعمل قبل البيان، وبالجَنان قبل اللّسان.

  فلسفة الحجّ في القرآن الكريم

إنّ بيان فلسفة إقامة هذه الشعائر تعدّ واحدة من أساليب الحثّ والتشويق أيضًا.
وقد تكررت في آيات الحجّ الإشارة- فضلاً عن التصريح- لى فلسفة الحجّ في الإسلام والحِكَم التي تحققها ممارسة شعائره ومناسكه، قال تعالى:

1- )وَلِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَآ مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الاَْنْعَامِ( (الحج: 34).
2- )وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ( (الحج: 36).

3- )لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ( (الحج: 37).

4- )كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ( (الحج:37).

5- )وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق* لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ( (الحج: 27-28).

6- )ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ( (الحج: 30).

7- )وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ* لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَل مُّسَمّىً( (الحج: 32-33).

8- )الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى( (البقرة: 197).

إنّ تكثيف الإضاءة على فلسفة الحجّ وحِكَم ممارسة الشعائر المرتبطة به هو أُسلوب متميّز في بناء الإنسان وتربيته وصياغة تصوراته صياغة تجمع بين طيّاتها روح التعبّد والتعقّل معًا، من دون أن يسلب التعقّل روح التعبّد من الإنسان العاقل، وإنّما يتسامى بتقواه ليبلغ مرتبة أُولي الألباب، فيتكامل عقلاً ويتسامى روحًا وهو يمارس هذه الشعائر بوعي وجدّ واهتمام.

ويمكن تلخيص هذه الأهداف التي نصّ عليها الكتاب العزيز في ما يلي:

1- ذكر الله وحده في كلّ حال ومجال وعلى كلّ شيء، واجتناب رجس الشرك على كلّ المستويات تصورًا واعتقادًا وتعلقًا وسلوكًا.

2- تنمية روح التقوى التي بها فلاح الإنسان وفوزه على أُسس التوحيد الخالص.

3- الانتفاع من موسم الحجّ وشعائره على شتى الأصعدة: اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، فضلاً عن التكامل الثقافي في مثل هذا الموسم الفريد، والتسامي الروحي والمعنوي في جميع لحظات هذا الموسم.

ويتفرّد القرآن الكريـم  بأُسلوبه الخاصّ لبيان قوانينه وأحكامه بيانًا يتناغم مع منطق العقل ومنطق العاطفة، ويجمع بين متطلبات العقل ومتطلبات الروح معًا.

قال تعالى: )وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ( (آل عمران: 97).

وقال أيضًا: )وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى( (البقرة: 125).

فالله سبحانه- الّذي له المولوية المطلقة، وله الحقّ على الخلق، وله حقّ النعمة على جميع الناس- يجعل أداء هذا الواجب أداءً لحقّه، ويعتبر الإعراض عنه كفرانًا للنعم الإلهية وكفرًا عمليًّا بالمنعم، ولا يكون أداؤه تلبية لهذا الحقّ لحاجة منه تعالى إلى أعمال عباده، بل يعود نفعه إلى الناس أنفسهم، ومثل هذا القانون الذي ينطلق تشريعه للناس من مصالح العباد أنفسهم ولا يكون للمشرّع فيه أي غرض أو مصلحة شخصية، لا يجد الإنسان الطائع في أدائه ثقلاً وحرجًا مهما كانت صعوبته.

   تاريخ الحجّ

ويأتي الاهتمام ببيان الجذور التاريخية العريقة لهذه الشعائر معلمًا من معالم المنهج القرآني لإرساء قواعد هذه الفريضة في المجتمع الإسلامي.

إنّ رفع سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل C لقواعد البيت يشير إلى أنّ بيت الله الحرام قد سبق وضعه للناس قبل عصر إبراهيم A.

والاهتمام ببيان دور إبراهيم وإسماعيل C في تشييد دعائم هذا البيت العتيق وأمره بأن يؤذّن في الناس بالحجّ بعد تشييد دعائمه، واستمرار الناس في إقامة شعائره كرمز من رموز الحنيفية… دليل على أهمية بيان الجذور التاريخية لهذه الفريضة المباركة، ومدى تأثير ذلك في إرساء قواعد الحركة التصحيحيّة والتكاملية التي خطاها القرآن الكريم باتجاه تعميق هذا الاتجاه في المجمتع الإسلامي الفتيّ.

معالم ومميزات الحجّ في مدرسة أهل البيت D

لقد تميّزت مدرسة أهل البيت في نظرتها إلى الحجّ وشعائره بمميّزات أعطت الحجّ مضمونًا خاصًّا، وشكلاً متميزًا يثير لدى المسلمين عامة أسئلة شتّى عن آفاق البعد المعنوي والسياسي المتميّز للحجّ عندهم، اقتداءً بأئمة أهل البيت D.

ويمكن تلخيص هذه المميّزات في عدّة نقاط:

1- سعة دائرة الاهتمام بالقول والعمل

الاهتمام الواسع بالحجّ على مستوى أهل البيت D تناول جميع الشؤون والتفاصيل، سواء على مستوى التصور العام للحجّ وتاريخه وفضله وقيمته ودوره وأهدافه وكيفية الاستزادة منه والتفاعل مع أعماله واستكمال النفس به كما أكدته سيرتهم فضلاً عن نصوصهم، أو على مستوى الأحكام الفقهية لأعمال الحجّ وأقسامه، والفرضيات المختلفة التي يمكن أن يبتلى بها أبناء الأُمّة وكيفية معالجتها.

ويمكن معرفة ذلك بمقارنة بسيطة وسريعة بين ما ورد عن أهل البيت D في هذا المجال، وما تحدثوا فيه عن رسول الله بشكل مباشر أو غير مباشر، وبين ما ورد عن طريق غيرهم، حيث تشكل المادة التي وردت عن أهل البيت من حيث الكم، والكيف نسبة مضاعفة عدة مرات بالقياس لما ورد عن طريق غيرهم.

ولعلّ في هذين النموذجين ما يشير إلى هذه الحقيقة بوضوح:

النموذج الأوّل: الرواية التي تذكرها كتب الحديث المعروفة لدى الجمهور عن الإمام الباقر A عن جابر بن عبد الله الأنصاري، والتي تتحدث عن حج رسول الله J في حجّة الوداع بتفاصيل لا نراها في أي رواية اُخرى في هذه الكتب، وتمثل بذلك أساسًا فقهيًّا لجميع مدارس الفقه الإسلامية في موضوع الحجّ([1]).

النموذج الثاني: ما رواه الصدوق بسند معتبر عن زرارة بن أعين قال: “قلت لأبي عبد الله A جعلني الله فداك، أسألك عن الحجّ منذ أربعين عامًا فتفتيني. فقال: يا زرارة، بيت حجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عامًا”.

فإن هذا النصّ يعبّر بشكل رائق وواضح عن سعة دائرة الاهتمام العملي من الأنبياء وأممهم حيث يفسرها بهذا الجانب التاريخي لهذه العبادة الشريفة.

ونظرة سريعة إلى سيرتهم العملية D ومدى اهتمامهم بأداء هذه الشعيرة وكيفية تطبيقهم لأحكامها وحدودها وآدابها تكشف عن مدى اهتمامهم بالقول والعمل معًا بها، وتكشف عن دور هذا الاهتمام في إرساء دعائمها في المجتمع الإسلامي.

2- سعة المضمون العبادي

إلى جانب هذا الاهتمام الواسع بالحجّ نجد أنّ أهل البيت A اهتموا بالمحتوى والمضمون العبادي لجميع أعمال الحجّ والمناسك حتى لا يكاد أن يؤدي الحاجّ أي عمل من أعمال الحجّ إلاّ ويكون إلى جانبه شيء من الصلاة والدعاء والذكر يسبقه أو يلحقه أو يقارنه، بل إنّ ذلك يصاحب الحاجّ ويبدأ معه منذ عزمه على السفر إلى الحجّ وحتى رجوعه منه. وهناك مئات النصوص التي تناولت هذا الموضوع.

على أنّ الأدعية التي أُثرت عنهم في خصوص الحجّ وفي عرفه والعيد الأضحى تنفرد بها مدرستهم([2]).

3- زيارة النبيّ J والأئمة D والمساجد

إنّ إكمال الحجّ إنّما يتمّ بزيارة النبيّ J والمسجد النّبوي الشريف، وهذا ما يصنعه جميع المسلمين بشكل عام([3])، ولكنّ أهل البيت D أعطوا لهذا الموضوع أهمية خاصة في الكم والكيف.

أمّا على مستوى الكم: فهم يحثّون على زيارة أئمة الهدى من آل الرسول J الّذين دفنوا في البقيع، وهم: الإمام السبط الحسن بن عليّ بن أبي طالب، والإمام عليّ بن الحسين زين العابدين، وولده الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين الباقر، وولده الإمام جعفر الصادق D.

وكذلك أُمّهم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله المدفونة في بيتها B([4]) في جوار المسجد النبوي، وزوجات النبيّ J وفاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أمير المؤمنين وبقية الصحابة الصالحين، وشهداء معركة أُحد وفي مقدمتهم سيّد الشهداء حمزة ابن عبد المطّلب عمّ رسول الله J.

مضافًا إلى ذلك كلّه نجد الاهتمام البالغ بزيارة مساجد رسول الله ومواضع صلواته ودعائه ومواقفه، وكذلك مواضع الحوادث التاريخية والكرامات الإلهية له.

وفي مقدمة هذه المواضع مسجد قباء ومسجد الفتح ومسجد القبلتين، ومسجد أُحد ومسجد عليّ A ومسجد سلمان الفارسي ومسجد فاطمة الزهراء ومسجد الغمامة ومشربة اُمّ إبراهيم وغيرها.

وكذلك زيارة (الأبطح) في مكة الذي فيه روضة خديجة أُمّ المؤمنين وروضة ناصر الرسول وكافله عمّه أبي طالب وغيرهما من الصالحين، وشعب أبي طالب، وغار حراء، ودار الأرقم، ودار الندوة وغيرها من الأماكن التاريخية الإسلامية المهمة، التي تذكّر المسلمين بعزهم وشرفهم وتضحياتهم والصعوبات التي واجهتها الرسالة، وتشدهم إلى هذا التاريخ العظيم وتبعث في نفوسهم الهمم والنهضة، وتعيدهم إلى أسباب النصر والاستقلال والكرامة([5]).

 وأما على مستوى الكيف: فهم يعتبرون زيارة النبيّ J والأئمة من أهل البيت من إكمال الحجّ وإتمامه، كما وردت في ذلك النصوص:

عن الإمام أبي الحسن الرضاA قال: (إنّ لكلّ إمام عهدًا في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقًا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة).

وعن إسماعيل بن مهران، عن الإمام جعفر بن محمّد C قال: (إذا حجّ أحدكم فليختم بزيارتنا; لأنّ ذلك من تمام الحجّ).

وكذلك عن الإمام عليّ A في حديث الأربعمائة قال: (اتمّوا برسول الله J إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام; فإنّ تركه جفاء، وبذلك أُمرتم بالقبور التي ألزمكم الله حقّها وزيارتها واطلبوا الرزق عندها).

وقد روى الكليني في الكافي عن الإمام أبي جعفرA قال: (تمام الحجّ لقاء الإمام).

4- تشخيص الموقف السياسي العام

إنّ أهل البيت D أرادوا أن يكون الحجّ اجتماعًا سنويًا، يعقده المسلمون ليعرفوا فيه موقفهم السياسي العام والمواقف الهامة التي تهم المسلمين جميعًا. وقد أخذوا ذلك عن رسول الله J والقرآن الكريم.

ففي السنة الأُولى التي حجّ فيها المسلمون بعد الفتح نزلت سورة براءة، ليعلن فيها القرآن الكريم والنبيّ J الموقف السياسي الهام وهو البراءة العامة من المشركين.

وفي حجّة الوداع نجد أنّ خطبة النبيّ J في منىً تتضمن هذه المفاهيم السياسية والاجتماعية.

كما أنّه أعلن في نهاية الحجّ الولاية لعليّ A على المسلمين في موقع غدير خمّ، وهذا ممّا رواه جميع المسلمين، حيث قال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل مَن خذله)([6]).

كما أنّ النصوص السابقة التي ثبّتناها حول الأهداف تشير إلى هذا الموقف والخط العملي في عبادة الحجّ.

وهذا مما تفرضه طبيعة هذه العبادة الشريفة، وهذا الاجتماع العظيم السنوي الذي يأتي فيه النُخَب من أبناء الأُمّة الإسلامية وذوو القدرة والاستطاعة فيها.

5- لقاء الإمام تجديد البيعة مع القيادة الإسلامية العُليا

إنّ الاهتمام بلقاء الإمام في الحجّ وزيارته في حياته إنّما هو لأجل التزوّد بنصائحه وإرشاداته، ومعرفة المواقف التفصيلية تجاه مختلف القضايا منه، وعرض الأعمال والنشاطات التي يقوم بها المؤمنون عليه وطرح مشاكلهم وقضاياهم الخاصّة والعامّة، وغير ذلك من الأُمور التي تقتضيها هذه العلاقة المباشرة المهمة في المجتمع الإسلامي وفي بناء الجماعة الصالحة، وهي علاقة الإمام بالمأموم مباشرة.

فقد روى الكليني والصدوق بسند معتبر عن الإمام أبي جعفر الباقر A قال: (إنّما أُمر النّاس أن يأتوا هذه الأحجار ليطوفوا فيها، ثمّ يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم).

وقد جاءت الإشارة إلى هذا الموضوع في عدة روايات أُخرى، الأمر الذي يؤكد أهمية هذا الخط والتوجه التنظيمي في الجماعة الصالحة من خلال هذا الموسم الشريف، واعتبار ذلك من العبادات التي يمكن أن يقوم بها الإنسان المؤمن.

يقول الشيخ عبد الباسط القاضى تلميذ الإمام أبى العزائم فى كتابه (حكمة أحكام الدين) ص144-146: (عَرَفَاتُ فِيهِ كُلُّ الْمَعَارِفِ, فِيهِ كُلُّ الْمَوَاهِبِ وَاللَّطَائِفِ, فِيهِ إِشْرَاقُ نُورِ شَمْسِ الْعَوَارِفِ لِكُلِّ خَبِيرٍ وَعَارِفٍ, وَهُوَ حِصْنُ الأَمَانِ لِكُلِّ تَائِبٍ وَخَائِفٍ, فِيهِ التَّعَارُفُ بَيْنَ سُكَّانِ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ, وَفِيهِ مَعْرِفَةُ مَعَانِى الإِنْسَانِ الْكَامِلِ, الْقَائِمِ عَلَى رَبِّهِ فِى الأَرْضِ, وَالْخَلِيفَةِ الإِمَامِ الْفَرْدِ, الَّذِى بِهِ صَلاَحُ الْعُمْرَانِ, وَإِصْلاَحُ حِزْبِ الرَّحْمَنِ, وَهُوَ السِّرُّ الأَكْبَرُ فِى الْحَجِّ الأَكْبَرِ, وَلَوْلاَ ذَلِكَ مَا فَرَضَ اللهُ حَجًّا وَلاَ وُقُوفًا, وَلاَ أَوْجَدَ فِى الْحَجِّ أُلُوفًا وَلاَ صُفُوفًا.

وَلِذَا كَانَ الأَوْلِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ لاَ يَحُجُّونَ إِلاَّ وَيَطْلُبُونَ الرَّجُلَ الْعَارِفَ بِاللهِ, الدَّالَّ عَلَى اللهِ, حُجَّةَ اللهِ فِى أَرْضِهِ, الْوَارِثَ لِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ, لأَنَّهُ وَلِىُّ اللهِ, وَهُوَ الْوَكِيلُ عَنْ رَسُولِ اللهِ, وَعِنْدَ ذَلِكَ تَكْمُلُ زِيَارَةُ الزَّائِرِينَ لِلْبَيْتِ, لأَنَّهُمْ بِحُسْنِ نِيَّتِهِمْ قَابَلُوا وَكِيلَ رَبِّ الْبَيْتِ عِنْدَ الْبَيْتِ, فَنَابَ عَنْ الْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ, وَبَايَعَ الْجَمِيعَ عَنِ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ, وَبَلَّغَهُمْ مَا يُحِبُّهُ مِنْهُمْ رَبُّ الْبَرِيَّةِ, وَعَرَّفَهُمْ رِسَالَةَ نَبِيِّهِمْ, وَأَرْشَدَهُمْ طَرِيقَ رَشَادِهِمْ, فَيَعُودُونَ مُبَلِّغِينَ, وَلأَهْلِيهِمْ مُرْسَلِينَ, وَهَذَا نِظَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ لإِصْلاَحِ الْبَرِيَّةِ, الَّذِى جَاءَتْ بِهِ الآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ, وَقَامَتْ عَلَيْهِ النُّظُمُ الإِسْلاَمِيَّةُ, وَالْقَوَائِمُ الْعُمْرَانِيَّةُ, وَالْحَيَاةُ الاجْتِمَاعِيَّةُ).

عَرَفَاتُ مَعْرِفَتِى بِهِ وَهُوَ الْخَبِيـــرُ

فِى طَىِّ مَعْرِفَتِى أَرَى نُورَ الْبَشِــيرِ

6- الحجّ جهاد الضعفاء

لقد ورد في بعض النصوص عن النبيّ J أنّ الحجّ جهاد، وقد قال ذلك بشأن النساء اللاتي أسقط الإسلام عنهنّ فرض الجهاد الابتدائي. فقد روى البخاري ح2784 عن السيدة عائشة 1 قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، ولكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور»([7])، وفي لفظ النسائي ح3607: «ولكنّ أحسن الجهاد وأجمله حجّ البيت» .

ونجد أنّ النسائي يعمّم هذا الحكم لكبار السن والصغار والضعفاء والنساء([8]).

ونجد أنّ أهل البيت D يعطون للحجّ في هذا الجانب بُعدًا أوسع، بحيث يشمل كلّ أبناء الجماعة الصالحة التي تواجه ظروفًا استثنائية تمنعها من الجهاد لأسباب شرعية وأخلاقية، كلّ ذلك حفاظًا من أئمة أهل البيت D على فكرة الجهاد وروح العبادة فيه وضرورة الممارسة لها في كلّ الأحوال، استلهامًا من موقف رسول الله J ومن فهمه لمضمون هذه العبادة([9]).

وإلى اللقاء القادم لبيان فريضة الحج فى نصوص أهل البيت، مع إطلالة على بعض الجوانب فى حج الأئمة D.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

=======================================

([1]) التاج الجامع للأصول 2: 153 عن صحيح مسلم وسنن أبي داود.

([2]) أملى الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم بخصوص فريضة الحج وأدعيتها كتاب (هداية السالك إلى علم المناسك)، وكتاب (لبيك اللهم لبيك)، وذلك بخلاف مئات القصائد المتعلقة بهذه الفريضة.

([3]) باستثناء ما يذهب إليه الوهابيون من تحريم شدّ الرحال لزيارة النبيّ J، وإنّما يجوّزونها لمَن حضر [المدينة]. نعم يجوز شدّ الرحال- في نظرهم- إلى مسجد النبيّ J في المدينة وتكون الزيارة للنبيّ J في هامش زيارة المسجد الشريف.

([4]) هناك احتمالات متعددة في موضع دفنها أظهرها أنّه في بيتها، واحتمال آخر أنّه في البقيع، واحتمال ثالث في الروضة.

([5]) إنّ من الملاحظ- مع الأسف- أنّ هناك محاولة لمحو هذه الآثار وإلقاء الستار عليها، بحيث لا يتم الاهتمام بها، بل هناك عمل منظّم لإبعاد الحجّاج عنها قدر المستطاع كما يلاحظ ذلك من يزور البقيع وأُحد وغار حراء..

([6]) سنن النسائى الكبرى 5/136 ح8483، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 1/119 ح964.

([7]) التاج الجامع للأُصول: 2/106 ـ 107.

([8]) المصدر السابق.

([9]) كتاب (الحج فى مدرسة أهل البيت) للسيد منذر الحكيم.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.