أسرار الحج ورموزه عند أئمة أهل البيت (2 /2)

أسرار الحج ورموزه عند أئمة أهل البيت (2 /2)

islam wattan . نشرت في المدونة 8455 1 تعليق

إنّ تراث أهل البيت الذي اختزنته مدرستهم وحفظه من الضياع أتباعهم يعبّر عن مدرسة جامعة لشتى فروع المعرفة الإسلامية. وقد استطاعت هذه المدرسة أن تربّي النفوس المستعدة للاغتراف من هذا المعين، وتقدّم للأُمّة الإسلامية كبار العلماء المحتذين لخُطى أهل البيت الرسالية، مستوعبين إثارات وأسئلة شتى المذاهب والاتجاهات الفكرية من داخل الحاضرة الإسلامية وخارجها، مقدّمين لها أمتن الأجوبة والحلول على مدى القرون المتتالية…

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

أسرار الحج ورموزه عند أئمة أهل البيت (2/ 2)

من يرجع إلى نصوص أهل البيت D حول الحجّ يجد نصوصًا تبلغ كثرتها عدة مجلّدات، وهذا خير دليل على مدى اهتمام أهل البيت D بهذه الفريضة وبأحكامها.

وعن حكمة تنوع العبادات يقول الإمام أبو العزائم 0 فى كتابه (لبيك اللهم لبيك): (إن الله تعالى نَوَّعَ العبادات من عقيدةٍ وصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحَجٍّ, ليُطَهِّرَ بالعقيدة من الشرك, وبالصلاة من المخالفة, وبالصيام من الشهوة والهوى, وبالزكاة من الحرص البهيمى, وبالحج من اتخاذ الأنداد, حتى يَكْمُلَ الإنسانُ الكمالَ الذى يكون به مع الله تعالى, واللهُ تعالى معه, أو عند الله والله تعالى عنده.

ومن لم يوفِّقْهُ الله للمسارعة للقيام بالحق ولو على نفسه لا يبلغُ درجةَ الكمالِ الذى به السعادةُ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلب سليم.

والسالك فى طريق الله تعالى متى طَهُرَ من الشرك بالعقيدة, ومن المخالفة بالصلاة, ومن الهوى الشيطانى بالصيام, ومن الحرص البهيمى بالزكاة, صار توابًا متطهرًا أحبه الله تعالى, وأشهده بديعَ جمالِهِ, فأفرَدَ اللهَ بالقصدِ وقصدَهُ حَجًّا.

فالحاج قاصدٌ الله تعالى, مُوَجِّهٌ وَجْهَهُ إليه ليزورَهُ فى بيته, بعد حضوره بعرفةَ المعرفة, ومن أفرد ربَّهُ بالقصد حجًّا رآه فى بيته توابًا رحيمًا غفورًا كريمًا قريبًا مجيبًا.

وإنما يُيَسَّرُ الحجُّ لمن سمعتْ روحُهُ دعاءَ الله بدءًا فلبَّتْ, وَسَمِعَ بأذُنِ قلبه أذانَ الخليل A بعدَ سَمَاعِ أُذُنِ رَأْسِهِ آياتِ القرآنِ تتلى, ومن لم يدعه اللهُ تعالى ويعينه فهو من الخوالف)[1].

ويكشف الإمام أبو العزائم 0 عن سر من أسرار الحج فى كتابه (الإسلام دين الله وفطرته التى فطر الناس عليها)، فيقول:

إنَّهُ وُضِعَ بَدَلاً عَنِ الرَّهْبَانِيَّةِ الَّتِى كَانَتْ فِى الْمِلَلِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ, فَجَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الْحَجَّ رَهْبَانِيَّةً لأُمَّةِ سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ J, فَشَرَّفَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ, وَأَضَافَهُ سُبْحَانَهُ إِلَى نَفْسِهِ, وَنَصَبَهُ مَقْصِدَ الْعِبَادِ, وَجَعَلَ مَعَ مَا حَوَالَيْهِ حَرَمًا لِبَيْتِهِ تَفْخِيمًا لأَمْرِهِ, وَجَعَلَ عَرَفَاتَ كَالْمَيْدَانِ عَلَى فَنَاءِ حَرَمِهِ, وَأَكَّدَ حُرْمَةَ الْمَوْضِعِ بِتَحْرِيمِ صَيْدِهِ وَشَجَرِهِ, وَوَضَعَهُ عَلَى أَمْثَالِ الْمُلُوكِ, لِيَقْصِدَهُ الزُّوَّارُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ, ضُعَفَاءَ غُبَرَاءَ مُتَوَاضِعِينَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ, خُضُوعًا لِجَلاَلِهِ, وَاسْتِكَانَةً لِعِزَّتِهِ, مَعَ الاعْتِرَافِ بِتَنَزُّهِهِ عَنْ أَنْ يَكْتَنِفَهُ بَيْتٌ, أَوْ يَحْوِيَهُ مَكَانٌ, لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِى رِقِّهِمْ وَعُبُودِيَّتِهِمْ لِذَاتِهِ Y, وَلِذَلِكَ كَلَّفَهُمْ سُبْحَانَهُ أَعْمَالاً غَرِيبَةً لاَ تُنَاسِبُ الطَّبْعَ وَالْعَقْلَ, لِيَكُونَ إِقْدَامُهُمْ بِحُكْمِ مَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ, وَامْتِثَالِ الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةِ بَاعِثٍ آخَرَ, وَهَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ فِى الاسْتِعْبَادِ, وَلِذَلِكَ قَالَ J: (لَبَّيْكَ بِحِجَّةٍ حَقًّا, تَعَبُّدًا وَرِقًّا)[2][3]أ.

ويحسن بنا أن نختار نماذج لإيضاح موقف أهل البيت D من الحج في نصوصهم المباركة، وذلك ضمن النقاط التالية:

أوّلاً: أهمية الحجّ وفضيلته

1- قال الإمام عليّ A- فيما أوصى عند رحيله- (الله الله في بيت ربّكم لا تخلّوه ما بقيتم، فإنه إن تُرك لم تُناظروا)([4]).

2- وقال A: (نفقة درهم في الحجّ تعدل ألف درهم) ([5]).

ثانيًا: فلسفة الحجّ وعلل تشريعه

1- قال الإمام عليّ A: (وفرض عليكم حجّ بيته الحرام الّذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه وُلوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته)([6]).

2- خطب الإمام عليّ A قائلاً: (ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم- صلوات الله عليه- إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الّذي جعله للناس قيامًا، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرًا، وأقلّ نتائق الدنيا مدرًا، وأضيق بطون الأودية قطرًا، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خفّ ولا حافر ولا ظلف.

ثمّ أمر سبحانه آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة، ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة، حتى يهزّوا مناكبهم ذللاً، يُهلّلون لله حوله، ويرملون على أقدامهم، شعثًا غبرًا له، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم، ابتلاء عظيمًا، وامتحانًا شديدًا، واختبارًا مبينًا، وتمحيصًا بليغًا، جعله الله سببًا لرحمته، ووصلة إلى جنّته.

ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام، بين جنات وأنهار، وسهل وقرار جمّ الأشجار، داني الثمار، ملتف البُنى، متّصل القرى، بين برّة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، وزروع ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء.

ولو كان الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها، بين زمرّدة خضراء، وياقوتة حمراء، ونور وضياء، لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الريب من الناس، ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بألوان المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجًا للتكبر من قلوبهم، وإسكانًا للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبوابًا فُتحًا إلى فضله، وأسبابًا ذُللاً لعفوه) ([7]).

3- قال الإمام زين العابدين A: (حجّوا واعتمروا، تصحّ أجسادكم، وتتّسع أرزاقكم، ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤونة الناس ومؤونة عيالاتكم) ([8]).

4- وجاء عن الإمام الرضا A: (علّة الحجّ الوفادة إلى الله تعالى، وطلب الزيادة، والخروج من كلّ ما اقترف، وليكون تائبًا ممّا مضى مستأنفًا لما يستقبل، وما فيه من استخراج الأموال، وتعب الأبدان، وحظرها عن الشهوات واللّذات…، ومنفعة في شرق الأرض وغربها، ومن في البرّ والبحر، ممّن يحجّ وممّن لا يحجّ، من تاجر وجالب وبايع ومشتر وكاتب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم) ([9]).

ثالثًا: آثار الحجّ وبركاته

1- قال رسول الله J: (الحجّ ينفي الفقر والذنوب) ([10]).

2- قال الإمام عليّ A: (وحجّ البيت والعمرة، فإنّهما ينفيان الفقر، ويكفّران الذنب، ويوجبان الجنّة) ([11]).

3- قال الإمام الصادق A: (ما رأيت شيئًا أسرع غنىً ولا أنفى للفقر من إدمان حجّ البيت) ([12]).

رابعًا: مضاعفات ترك الحجّ

– قال الإمام الصادق A: (مَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق الحجّ من أجله، أو سلطان يمنعه، فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا) ([13]).

خامسًا: قلّة الحجيج وكثرة الضجيج

– قال عبد الرحمن بن كثير: حججت مع أبي عبد الله A، فلمّا صرنا في بعض الطريق صعد على جبل فأشرف فنظر إلى الناس فقال: (ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج؟)([14]).

سادسًًا: أدب الحاجّ وعرفان الحجّ

– قال الإمام الصادق A: (إذا أردت الحجّ فجرّد قلبك لله تعالى من قبل عزمك من كلّ شاغل، وحجاب كلّ حاجب، وفوّض أُمورك كلّها إلى خالقك، وتوكّل عليه في جميع ما يظهر من حركتك وسكناتك، وسلّم لقضائه وحكمه وقدره، وودّع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوّتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك عدوًّا ووبالاً، فإنّ من ادّعى رضا الله واعتمد على شيء صيّره عليه عدوًّا ووبالاً، ليعلم أنّه ليس له قوّة ولا حيلة ولا لأحد إلاّ بعصمة الله وتوفيقه.

واستعدّ استعداد من لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيّه J، وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاء وإيثار الزاد على دوام الأوقات.

ثمّ اغتسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع.

وأحرم من كلّ شيء يمنعك من ذكر الله ويحجبك عن طاعته.

ولبّ بمعنى إجابة صافية زاكية لله عزّ وجلّ في دعوتك له متمسّكًا بالعروة الوثقى.

وطُف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت.

وهرول هرولة من هواك، وتبرّيًا من جميع حولك وقوّتك.

واخرج من غفلتك وزلاّتك بخروجك إلى منى، ولا تتمنّ ما لا يحلّ لك ولا تستحقّه.

واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدك عند الله بوحدانيّته.

وتقرّب إلى الله واتّقه بمزدلفة([15]).

واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك إلى الجبل.

واذبح حنجرتي الهوى والطمع عند الذبيحة.

وارم الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمي الجمرات.

واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق رأسك.

وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخولك الحرم.

وَزُر البيت محقّقًا لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه.

واستلم الحجر رضًا بقسمته وخضوعًا لعزّته.

وودّع ما سواه بطواف الوداع.

وصفّ روحك وسرّك للقاء الله يوم تلقاه بوقوفك على الصفاء.

وكن ذا مروّة من الله تقيًّا أوصافك عند المروة.

واستقم على شرط حجّك هذا ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربّك وأوجبته إلى يوم القيامة) ([16]).

ويقول الإمام أبو العزائم 0 عن حكمة التلبية فى كتابه (هداية السالك إلى علم المناسك): (وإنما وجبت التلبية – وإن كانت المشاهد روحانية – ليقظة القلب لحكمة التلبية, التى هى إجابة الداعى, وإن لم تصغ أذنُ روحِهِ لمن دعاه سبحانه, استحضر أنها إجابةٌ لأذان الخليل عليه الصلاة والسلام بالحج, أو تصديقٌ برسول الله J واقتداءٌ به فى عمله, ومن قَصُرَتْ به روحه عن أن تَحْضُرَ معه فَتُحْضِرَهُ, على نفسه فَلْيَبْكِ, وَلْيَتَطَهَّرْ من رجس الحيوانية ونجاسة النفس الإبليسية, وقاذورات الهَمَمِ واللَّمَمِ الإنسانية حتى يتجلى له ربُّه Y فيكشفَ لَهُ الحجاب عن جمالِهِ العلى, ويشهدُ أنوارَ آياته فى هذا الكون الدنى ليفقهَ حكمة الأحكام, أو يحتسىَ من طَهُورِ هذا الْمُدَامِ)([17]).

سابعًا: الحجّ لله والحجّ لغير الله

– قال الإمام الصادق A: (الحجّ حجّان: حجّ لله، وحجّ للناس، فمَن حجّ لله كان ثوابه على الله الجنّة، ومن حجّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة) ([18]).

ويكشف الإمام أبو العزائم 0 عن إشارات الحضور بعرفة فى كتابه (هداية السالك إلى علم المناسك) فيقول: (فَإِذَا اسْتَجَابَ الْحَاجُّ للهِ سَامِعًا بِاللهِ تَعَالَى, وَمُبْصِرًا بِاللهِ تَعَالَى, وَصَلَ إِلَى عَرَفَاتِ الْمَعْرِفَةِ, فَوَقَفَ عَلَى طُورِ الْمُنَاجَاةِ وَقْفَةَ حُضُورٍ مَعَ اللهِ, وَغَيْبَةٍ عَمَّا سِوَاهُ, فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ وَأَدْنَاهُ, وَتَنَزَّلَ لَهُ Y وَنَاجَاهُ, بَعْدَ زَوَالِ شَمْسِ الْكَوْنِ وَإِشْرَاقِ شَمْسِ الْمُكَوِّنِ, فَحَضَرَ مَعَ اللهِ وَذَكَرَ, وَلَبِسَ حُلَّةَ الْعُبُودِيَّةِ وَشَكَرَ, وَابْتَهَلَ مُتَضَرِّعًا, وَخَشَعَ قَلْبُهُ خَانِعًا. فَآنَسَهُ اللهُ عَلَى بِسَاطِ مُنَادَمَتِهِ, وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ بِالدُّعَاءِ, وَعَمُرَ قَلْبُهُ بِالرِّضَا, فَكَانَ وَهُوَ فَوْقَ عَرَفَاتٍ كَأَنَّهُ عَلَى طُورِ سِينَا الْمُنَاجَاةُ, مَمْنُوحًا هَيْمَانَ الشَّوْقِ إِلَى رُؤْيَةِ رَبِّهِ, وَكَانَ بَيْنَ جَوَاذِبِ شُهُودِهِ فِى بَيْتِهِ الَّذِى هُوَ مُوَلٍّ وَجْهَهُ إِلَيْهِ فِى وَقْفَتِهِ, وَبَيْنَ نَارِ الاصْطِلاَمِ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ.

ثُمَّ يَنْدَفِعُ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ أُفُقِهِ الْمُبِينِ, أَىْ: الْعَقْلِ, بِشُرُوقِ شَمْسِ أُفُقِهِ الأَعْلَى, أَىْ: حَضْرَةُ كَانَ اللهُ وَلاَ شَىْءَ مَعَهُ, فَارًّا إِلَى رَبِّهِ حِسًّا وَمَعْنًى, فَوَصَلَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ الزُّلْفَى, وَنَازَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى حَظِّهِ وَهَوَاهُ, فَأَفْرَدَ وَجْهَ رَبِّهِ بِالْقَصْدِ دُونَ غَيْرِهِ, وَكَانَتِ الزُّلْفَى عِنْدَهُ أَنْ يَقْصِدَ اللهَ وَحْدَهُ, وَمَنْ وَصَلَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ فَلَمْ  يَفُزْ بِالزُّلْفَى, فَهُوَ بِالْمَنْزِلَةِ السُّفْلَى) ([19]).

ثامنًا: حرمة الحرم

1- قال الإمام الصادق A- في قول الله تعالى: )وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا( (آل عمران: 97)-: (مَن دخل الحرم من الناس مستجيرًا به فهو آمن من سخط الله، ومَن دخله من الوحش والطير كان آمنًا من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم) ([20]).

2- وعنه A أيضًا: (إن سرق سارق بغير مكة، أو جنى جناية على نفسه ففرّ إلى مكّة، لم يؤخذ مادام في الحرم حتى يخرج منه، ولكن يمنع من السوق، فلا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، وإن أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه) ([21])([22]).

3- مقامُ إبراهيم: إشارةٌ إلى المقام الجسمانىِّ والمقام الروحانىِّ, يقول الإمام أبو العزائم فى كتابه (هداية السالك إلى علم المناسك): (فالكعبةُ مقامُ الخليلِ الجسمانىُّ, والخلةُ مقامُه الروحانىُّ, وأقلُّ مشاهدِ أهل الخلة شهودُ ملكوتِ اللهِ الأعلى, وأعظمُ مشاهدِهِم شهودُ ربِّ البيت فى بيته.. ومن حُرِمَ شهودَ الملكوت لم يظفرْ بشهودِ صاحبِ البيتِ فى بيته, وبدخوله فى مقام الخليل الجسمانىِّ سقطت عنه المطالبة بحجة الشريعة, ولكنه حُرِمَ ما تسارعُ إليه أرواح الصديقين, والحج إشارة إلى السير إلى الله تعالى) ([23]).

حج الأئمة

فى بيان يأخذ بالألباب يشير إمام المجددين وخاتم الوارثين الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم عن حقيقة حج الأئمة فيقول 0 في متابه (هداية السالك في علم المناسب):

أطوفُ حوالَىْ كَــــــعْبَةِ الأرواحِ

بسبعِ صفاتٍ مِنْ ضِــــيا مِصْبَاحِى

فأشهدُ أنوارَ التجــــلِّى جـــليةً

تُضيئُ عَلَى رُوحِـــى مِنَ الفَــتَّاحِ

فأسعَى إلى نيلِ الصَّـفَا حالةَ الوفــا

ومن فوقِ عرفــــاتٍ يُنَاوَلُ رَاحِى

وفى الجمع بعـد الفرقِ فى نُزُلِ المُنى

أَحُجُّ نَعَــــمْ بالرُّوحِ لا الأشْــبَاحِ

رَمَيْتُ المبانى والمـعانى تَلُــوحُ لى

فأقْرؤُهَا نــــــــورًا بلا ألواحِ

يُفَكُّ نَعَمْ إحـــــرامُ كونى ونِسبتى

أَحِلُّ وبعد الحِلِّ صَحَّ فَــــــلاحِى

وهذا نَعَمْ حِجُّ الأئمةِ من سَمَـــــوْا

ومن أَقْـــبَلُوا بالرُّوحِ للفَــــتَّاحِ

صلاةٌ على نــــورِ القُلُوبِ حـبيبِنَا

ننالُ بها البُشْـــرَى وَكُلَّ نـجاحِ([24])

فى هذه القصيدة يشير الإمام إلى أن كل دور من أدوار الطواف السبعة يُلْقِى جارحةً من الجوارح السبع للطائف, أى: العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والقدم إشارةً لتطهيرها, حتى تُبَدَّلَ جَوَارِحُهُ الحِسِّيَّةُ, بمعانٍ نُورَانِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ, فيبصر بعد ذلك بالله ويسمع, وتظهر عليه أنوار الملكوت وتلمع, فيختفى عند ذلك بيت الأجسام, ويسطع نور الملك العلام, فيرى النورَ بالنورِ, فى مقام الإطلاق والظهور, فيغيبُ البيتُ بحرامه وحلاله, ويظهرُ رَبُّ البيتِ بجماله وجلاله, ويزولُ البَيْنُ, وتقعُ العَيْنُ على العَيْنِ, فيسمع الطَّائِفُ بسمع الله, ويبصرُ بنورِ الله, ويبطشُ بيد الله, فيصيرُ ربانيًّا ملكوتيًّا روحانيًّا نورانيًّا, نورٌ على نورٍ يهدى الله لنوره من يشاء.

وعند ذلك يترك الطواف, ويقف على بِسَاطِ الأَعْرَافِ, ويصلى الركعتين, ويفوزُ من الله بالحسنيين, وبذلك تشرق أنوارُ الروح, التى هى من أمر القدوس السبوح, فيطوف طوافًا روحانيًّا حول كعبة الأرواح, بعد غيبة المبانى والألواح, وَيُقَبِّلُ الحجرَ الأسعدَ تجديدًا لعهد ألستُ الممجد, مستحضرًا يوم العهود, الذى عاهد الأرواحَ فيه المَلِكُ المعبودُ, فتبلغُ الروحُ نوالَ المقصودِ, وتشرقُ عند ذلك أنوارُ الشَّاهِدِ والمَشْهُودِ, بعد دَكِّ الأجسام, وَصَعْقِ العقولِ, وغروبِ شمسِ المظاهرِ فى بُرْجِ الأُفُولِ, وتشرقُ شمسُ الظاهر, فى مشرق الأول والآخر, والظاهر والباطن, فيأنسُ بِمَعِيَّةِ رَبِّ البيت, وتكونُ حقًّا هى الزيارة, بعد غيبته عن المبانى والحجارة, وهذا هو طواف الصادقين, من الأنبياء والمرسلين، والأئمة الوارثين.

ثم بيَّن الإمام أبو العزائم فى تلك الأبيات, أن كعبة الأشباحِ رمزٌ لكعبة الأرواح, والطواف سبعًا لتبديل أعضاءٍ سبعة بصفاتٍ سَبْعٍ نورانية.

ولتوضيح الأمر نقول: إن الصفات السبع النورانية هى: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام, وهى الأمانة التى حملها الإنسان, ففى كل شوط من أشواط الطواف يتجرد من نسبة صفةٍ من هذه الصفات إلى نفسه, بنسبتها إلى المتجلِّي, فيعلمُ أنه حَىٌّ بالحى, وعليمٌ بالعليم, وقادرٌ بالقادر, ومريدٌ بإرادة الله, وسميعٌ بالسميع, وبصير بالبصير, ومتكلم بالمتكلم سبحانه.

وهذه المعانى العلية, هى مشاهدُ النفوسِ الزكية فى الحَجِّ والطواف, لتنالَ مَقَامَ الأعراف, قال تعالى: )وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ( (الأعراف: 46), وهم الرِّجَالُ الأَئِمَّةُ, الذين أشرقت لهم أنوار شمس الحكمة.. فالطواف عندهم هو الفِرَارُ من حَيْطَةِ الآثارِ إلى الملكِ العزيزِ الغَفَّارِ, وهو قَطْعُ المسافاتِ المُلْكِيّةِ والملكوتِيَّةِ, حتى يصلَ العبدُ إلى شهودِ وجهِ الذَّاتِ العَلِيَّةِ، أو بعبارة أخرى هو قطع جميع الموانع إلى العلى الرافع، والفرار من النفس القدسية إلى مجلى كمال الذات العلية.

وهنا يشير الإمام الخبير, السيد محمد ماضى أبو العزائم فيقول t فى كتابه (هداية السالك إلى علم المناسك):

حول مجلى الكمال كان طَـوَافِى

أجتلى الوجهَ للبَهَا إِشـــرافى

قبل كونى أطوفُ سَبْعًا بوصفى

لا (ألسْتُ) تُجْلَى وكونِىَ خـافى

إلى أن قال 0:

أنت يا هيكلى بأُفُقِ المَـــبَانِى

حَوْلَ بيتِ الخليلِ يَحْلُو مَــطَافِى

خلِّ رُوحى للقدسِ تســعى لِتَهْنَا

باتحادٍ به رَقَـــى أَسْـــلاَفِى

ذاكَ حِجٌّ (أَهْلُ العزائمِ) خُصُّــوا

من (أَلَسْتُ) بهِ وبالألطــــافِ

كعبةُ القومِ نورُ مجلَى كمـــالٍ

نورُها مشرقٌ لكل مــــوافِ

صلِّ ربِّ على الحبيبِ المـُرَجَّى

حِبِّ قَلْبِى ومن بهِ إِسْــعَافِى([25])

الطوافُ هو رمزُ الانتقال والسياحة فى حَيْطَةِ الأكوان, والرجوعُ إلى الحنَّانِ المنَّانِ, والعودُ للبدءِ قبل المكانِ والزمانِ, والفرارُ من كلِّ النفوس, إلى حضرة القدوس, وتخليةٌ من جميع الموجودات, إلى نور مَجْلَى كمالِ الذات, وارتحالٌ من كعبة الخليل, إلى كعبة الجليل.. وليس للطواف من نهاية, ولا لمعانيه من آخر, حيث المقصودُ هو الله, مبتداه وفى منتهاه.

الطواف بالذات

يقول الإمام أبو العزائم t فى كتابه (هداية السالك إلى علم المناسك): [وبيت مكة قد يتمكن الإنسان من الوصول إليه وقد يُحْرَم, وهذا البيتُ- يشيرُ إلى قلبِ العبد- معه أينما نَزَلَ وحيثُ حَلَّ, وهو البيت المُجَمَّلُ بآثار الله لا بآثار عبده وخليله, فإذا أرَاهُ ما فيه من عجائبِ القدرةِ وغرائبِ الحكمة وبدائعِ الصُّنْعِ, فشهده بيتًا معمورًا بِرَبِّهِ, وَعَرْشًا لاستواء الرحمن, ورأى صَدْرَ نَفْسِهِ كرسيًّا لذى الجلال والإكرام, ولاحت له معانى صفاتِهِ فى مرآة ذاتِهِ, فَوَصَلَ واتَّصَلَ, وَقَرُبَ وما انْفَصَلَ, ثم أَحَلَّ المحل الأكبر, فرأى محيط السموات السبع والأرضين السبع بيتًا لله مُنَوَّرًا بنور الله, بمعنى قوله تعالى: )اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ( (النور: 35), الجسم يطوف حول بيت الخليل فى مكة, والحِسُّ يشهد آثارَ الخليل, والعقل يطوف حولَ نورِ الآيات البيِّناتِ وهى كعبة العاشقين, والروحُ تطوف حول قُدْسِ العِزَّةِ والجَبَرُوتِ, ونفخة القدس يُزَجُّ بها فى طوافِها فى نور اللاهوت حتى تقع العَيْنُ على العَيْنِ من غير رَيْنٍ ولا بَيْنٍ, كما قال أبو يزيدٍ البِسْطَامِىُّ: (حججت أولاً فرأيت البيت, ورأيت فى الثانية البيتَ وربَّ البيت, وفى الثالثة رأيت ربَّ البيت ولم أر البيتَ)]([26]).

لم أك طائفًا بحجــــرٍ وبيتٍ

بل بذاتٍ عَلَتْ عن الأوصــافِ

ما طوافُ الجُسُــومِ بالبيتِ إلا

رمزُ كنزٍ لواهبِ الألطــــافِ

من رأى البيتَ والمبانى بحــسٍّ

فهو الخِبُّ والجهولُ الجـــافى

وطوافُ المعنى بعقــلٍ وروحٍ

للمُرَادَيْنِ خيرةِ الأوْصَــــافِ

وطوافُ الأفــرادِ حبٌّ وشـوقٌ

وطوافُ الورَّاثِ فى الكَوْنِ خَـافِى

وطوافُ المُخْــتَارِ من فوقِ هذا

طَافَ بالذَّاتِ وهو نُورُ الشَّــافِى

صلِّ ربِّ عليه فى كلِّ وقـــتٍ

وعلى الآل صَفْوَةِ الأسْـلاَفِ([27])

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

======================================

([1]) لبيك اللهم لبيك للإمام أبي العزائم، ص14-15.

([2]) الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها للإمام أبي العزائم ص143.

([3]) المعجم الكبير للطبرانى 1/151-152 ح350 بلفظ: (لبيك حقًا حقًا.. تعبدًا ورقًا).

([4]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، الكتاب 47

([5]) الخصال للشيخ الصدوق 2/225.

([6]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: الخطبة 1.

([7])  شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: الخطبة 192.

([8]) ثواب الأعمال للصدوق: 3/70.

([9]) عيون أخبار الرضا للصدوق : 2/90 / 1.

([10]) مصنف عبد الرزاق وقال: أخرجه أحمد 3/446.

([11]) تحف العقول لابن شعبة الحرانى: 149.

([12]) الأمالي للطوسي: 694/1478.

([13]) ثواب الأعمال للصدوق: 1/281 و2/282.

([14]) بحار الأنوار للمجلسي: 27/181 / 30.

([15]) بحار الأنوار للمجلسي: 96/125.

([16]) مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق: 142.

([17]) هداية السالك إلى علم المناسك للإمام أبي العزائم ص23.

([18]) ثواب الأعمال للصدوق: 16/74.

([19]) هداية السالك إلى علم المناسك للإمام أبي العزائم ص54-55.

([20]) الكافي للكلينى: 4/226/2 و3/227، ووسائل الشيعة للحر العاملى: 9/336 باب 14.

([21]) التخريج السابق.

([22]) كتاب (الحج فى مدرسة أهل البيت) للسيد منذر الحكيم، نسخة إلكترونية.

([23]) هداية السالك إلى علم المناسك للإمام أبي العزائم ص34.

([24]) هداية السالك إلى علم المناسك للإمام أبي العزائم ص36.

([25]) هداية السالك إلى علم المناسك للإمام أبي العزائم ص37.

([26]) هداية السالك إلى علم المناسك للإمام أبي العزائم ص34.

([27]) حكمة أحكام الدين للشيخ عبدالباسط القاضي ص135.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.