أصول تربية الأبناء عند أهل البيت عليهم السلام

أصول تربية الأبناء عند أهل البيت عليهم السلام

islam wattan . نشرت في المدونة 6925 1 تعليق

لَيْسَتِ التَّرْبِيَةُ مُجَرَّدَ أن يُوَفِّرَ الأَبُ الطَّعَامَ والشَّرَابَ واللِّبْسَ، ويَسْعَى للحُصُولِ على لُقْمَةِ العَيْشِ، بَيْنَمَا تُهَيِّئُ الأُمُّ الطَّعَامَ وتَغْسِلُ المَلابِسَ، وتُرَاعِى نَظَافَةَ الطِّفْلِ ومَا شَاكَلَ. وأن لا مَسْئُولِيَّةً أُخْرَى سِوَى هذه..

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

أصول تربية الأبناء عند أهل البيت عليهم السلام

لَيْسَتِ التَّرْبِيَةُ مُجَرَّدَ أن يُوَفِّرَ الأَبُ الطَّعَامَ والشَّرَابَ واللِّبْسَ، ويَسْعَى للحُصُولِ على لُقْمَةِ العَيْشِ، بَيْنَمَا تُهَيِّئُ الأُمُّ الطَّعَامَ وتَغْسِلُ المَلابِسَ، وتُرَاعِى نَظَافَةَ الطِّفْلِ ومَا شَاكَلَ. وأن لا مَسْئُولِيَّةً أُخْرَى سِوَى هذه.

لا، أَبَدًا، فالإِسْلامُ لا يَكْتِفِى بهذا الحَدِّ، وإنَّمَا يَجْعَلُ مَسْئُولِيَّةَ الأَبَوَيْنِ أَكْبَرُ بكَثِيرٍ فى تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ، حَيْثُ إنَّ شَخْصِيَّةَ الطِّفْلِ فى حَاضِرِهِ ومُسْتَقْبَلِهِ مَرْهُونَةٌ بتَرْبِيَةِ أَبَوَيْهِ ومُرَاقَبَتِهِمَا ومُتَابَعَتِهِمَا لَهُ، وكُلُّ صَغِيرَةٍ وكَبِيرَةٍ من حَرَكَاتِهِمَا وسَكَنَاتِهِمَا وأَفْعَالِهِمَا وسُلُوكِهِمَا – كَأَبَوَيْنِ – تُؤَثِّرُ فى رُوحِ الطِّفْلِ الشَّفِيفَةِ، فهو يُقَلِّدُ أَبَوَيْهِ، ويَعْكِسُ سُلُوكَهُمَا تَمَامًا كالمِرْآَةِ.

ومن هُنَا أَصْبَحَتْ مَسْئُولِيَّةُ الأَبَوَيْنِ مُرَاقَبَةَ أَطْفَالِهِمْا بِدِقَّةٍ والإِعْدَادَ لمُسْتَقْبَلِهِمْ بجِدِّيَّةٍ، وحِمَايَةَ فِطْرَتِهِمُ السَّلِيمَةِ من التَّلَوُّثِ – لأنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَهُمْ على فِطْرَةِ الإِيمَانِ، قَالَ J: (كُلُّ وَلَدٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)(1) -.

والإِمَامُ عَلِىٌّ A – الذى أَعْطَى المَنَاهِجَ التَّرْبَوِيَّةَ للأَجْيَالِ، وأَضَاءَ طُرُقَ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ للقُرُونِ – لا بُدَّ وأَنَّهُ قد بَذَلَ اهْتِمَامًا بَالِغًا، وعِنَايَةً تَامَّةً فى تَرْبِيَةِ عَائِلَتِهِ، ومَهَّدَ لَهُمُ السَّبِيلَ حتى يَنَالُوا قِمَّةَ الأَخْلاقِ والفَضَائِلِ، وخَاصَّةً حِينَمَا يَجِدُ فِيهِمُ المُؤَهِّلاتِ والاسْتِعْدَادِ لتَقَبُّلِ تلكَ التَّعَالِيمِ التَّرْبَوِيَّةِ.

والسَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ B رَبِيبَةُ الوَحْىِ، التى كَبِرَتْ فى أَحْضَانِ النُّبُوَّةِ، تَعْرِفُ مَنَاهِجَ التَّرْبِيَةِ الإِسْلامِيَّةِ، بالإِضَافَةِ إلى قُوَّتِهَا الرُّوحِيَّةِ الفَرِيدَةِ، فَلَمْ تَتَصَوَّرِ البَيْتَ بمُحِيطِهِ الصَّغِيرِ الضَّيِّقِ، وإِنَّمَا كانت تَحْسِبُ مُحِيطَ البَيْتِ مُحِيطًا وَاسِعًا شَاسِعًا مُهِمًّا، بِاعْتِبَارِهِ مَصْنَعًا لإِنْتَاجِ الإِنْسَانِ الرِّسَالِىِّ، وجَامِعَةً لتَعْلِيمِ دُرُوسِ الحَيَاةِ، ومُعَسْكَرًا لتَلَقِّى تَمَارِينَ التَّضْحِيَةِ والفِدَاءِ، التى سَيُطَبِّقُهَا غَدًا فى المُجْتَمَعِ الوَاسِعِ خَارِجَ البَيْتِ.

 الْمَدْرَسَةُ التَّرْبَوِيَّةُ

يَقُولُ صَاحِبُ مَوْسُوعَةِ المُصْطَفَى والعِتْرَةِ: بَيْتُ الزَّهْرَاءِ B مَدْرَسَةٌ إِسْلامِيَّةٌ تَرْبَوِيَّةٌ للطِفْلِ المُسْلِمِ، مُدِيرَتُهَا: السَّيِّدَةُ الأُولَى فى الإِسْلامِ، الصِّدِّيَقَةُ الطَّاهِرَةُ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، ومُعَاوِنُهَا: الإِمَامُ عَلِىُّ بنُ أبى طَالِبٍ A، وبإِشْرَافٍ مُبَاشِرٍ من الرَّسُولِ الأَكْرَمِ J، ومِنْهَاجُهَا: تَنْزِيلٌ من رَبِّ العَالَمِينَ، وخِرِّيجُوهَا: خِيرَةُ البَشَرِيَّةِ وقُدْوَةُ الإِنْسَانِيَّةِ.

وهُنَا لا بُدَّ من الاعْتِرَافِ أنَّ البَحْثَ عن حَيَاةِ أَهْلِ البَيْتِ التَّرْبَوِيَّةِ يُعْتَبَرُ بَحْثًا عن الكَنْزِ الدَّفِينِ الذى لا يُعْرَفُ لَهُ كَمٌّ ولا كَيْفٌ، ولَكِنَّ الثَّابِتَ القَطْعِىَّ أَنَّهَا تَرْبِيَةٌ نَمُوذَجِيَّةٌ وَحِيدَةٌ وفَرِيدَةٌ.

ولا بُدَّ من الاعْتِرَافِ أَيْضًا – وللأَسَفِ الشَّدِيدِ – بأَنَّ التَّارِيخَ لم يُسَجِّلْ لنا مُفْرَدَاتِ المَنْهَجِ القَوِيمِ للتَّرْبِيَةِ عند أَهْلِ البَيْتِ، لأَسْبَابٍ مِنْهَا:

[1]أَوَّلاً: أنَّ المُسْلِمِينَ فى ذلك العَصْرِ كَانُوا مَشْغُولِينَ بالدَّعْوَةِ والجِهَادِ، فلم يُرَاقِبُوا جُزْئِيَّاتِ سُلُوكِ النَّبِىِّ J والإِمَامِ عَلِىٍّ والسَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ C، قَوْلاً وفِعْلاً مع أَبْنَائِهِمْ، كى يَرْوُوهَا للأَجْيَالِ القَادِمَةِ.

ثَانِيًا: أنَّ أَكْثَرَ البَرَامِجِ التَّرْبَوِيَّةِ للطِّفْلِ تُطَبَّقُ دَاخِلَ البَيْتِ، وفى مِثْلِ هذه الحَالَةِ يكون السِّتَارُ مَسْدُولاً بوَجْهِ الآَخَرِينَ غَالِبًا([2])، وخُصُوصًا أنَّ بَيْتَ الزَّهْرَاءِ وعَلِىٍّ C لَهُ قَدَاسَةٌ وإِجْلالٌ وهَيْبَةٌ واحْتِرَامٌ يَفُوقُ غَيْرَهُ من البُيُوتِ.

ولكنَّ هذا لا يَمْنَعُنَا أن نَذْكُرَ الأُصُولَ والمَنَاهِجَ التَّرْبَوِيَّةَ عند أَهْلِ البَيْتِ باخْتِصَارٍ وَفْقَ مَا ثَبَتَ لَدَيْنَا من أَخْبَارٍ.

الدَّرْسُ الأَوَّلُ: الْحُبُّ وَالْمَوَدَّةُ

مَعْلُومٌ أنَّ صَدْرَ الأُمِّ الرَّؤُومِ، وحِضْنَهَا الدَّافِئَ، وحُبَّ الأَبِ الخَالِصَ، وعَطْفَهُ الشَّفِيفَ، يُفَجِّرَانِ فى الطِّفْلِ يَنَابِيعَ الخَيْرِ، ورُوحَ التَّعَاوُنِ، وحُبَّ الآَخَرِينَ ومُسَاعَدَتَهُمْ، هذه المَوَدَّةُ تُنْجِيهِ من الضَّعْفِ وخَوْفِ الوِحْدَةِ، وتَمْنَحُهُ الأَمَلَ فى الحَيَاةِ، فيَشْعُرَ بشَخْصِيَّتِهِ واسْتِحْقَاقِهِ للحُبَّ.

فالقُبُلاتُ الصَّادِقَةُ، والمَحَبَّةُ العَمِيقَةُ الصَّافِيَةُ، تَزْرَعُ فِيهِ بُذُورَ الخَيْرِ والعَادَاتِ الطَّيِّبَةَ، وتَفْتَحُ أَمَامَهُ آَفَاقَ النَّشَاطِ الاجْتِمَاعِىِّ والتَّعَاوُنِ وخِدْمَةِ الآَخَرِينَ، وتَهْدِيهِ نَحْوَ السَّعَادَةِ، وتَنْتَشِلُهُ من الاعْتِزَالِ والهُرُوبِ من الوَاقِعِ.

وعلى العَكْسِ تَمَامًا يَنْشَأُ الطِّفْلُ المَحْرُومُ من الحُبِّ والحَنَانِ خَائِفًا فى الغَالِبِ، خَجُولاً، ضَعِيفًا، مُتَشَائِمًا، مُعْتَزِلاً، خَامِلاً، كَئِيبًا، وقد يَشِبُّ مَرِيضًا هَزِيلاً لا يَقْوَى على شَىْءٍ، ويُحَاوِلُ – من خِلالِ رُدُودِ فِعْلٍ خَطِيرَةٍ – إِثْبَاتَ اسْتِغْنَائِهِ عن المُجْتَمَعِ، فيَرْتَكِبَ الجَرَائِمَ ليَنْتَقِمَ من المُجْتَمَعِ الذى حَرَمَهُ الحُبَّ والحَنَانَ واللَّمْسَةَ الرَّقِيقَةَ، ليُفْهِمَ الجَمِيعَ أَنَّهُ ليسَ بحَاجَةٍ لحُبِّهِمُ الذى بَخِلُوا بِهِ عَلَيْهِ.

فالحُبُّ والحَنَانُ إذن من الحَاجَاتِ الضَّرُورِيَّةِ فى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، وقد طُبِّقَ هذا الدَّرْسُ بدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ فى بَيْتِ السَّيِّدَةِ الزَّهْرَاءِ والإِمَامِ عَلِىٍّ C، وقد عَلَّمَهُ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ J عَمَلِيًّا فكَانَ يَسْتَقْبِلُ كُلَّ وَلِيدٍ لَهُمَا بقُبُلاتٍ وَاسِعَةٍ، ويَضُمُّهُ إلى صَدْرِهِ فى شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ ورَحْمَةٍ، ويُضْفِى عَلَيْهِ من مَدَدِهِ الأَوْفَرِ.

وأَعْلَنَ هذا الحُبَّ والمَوَدَّةَ على رُءُوسِ الأَشْهَادِ، فذَاتَ يَوْمٍ كَانَ J يُقَبِّلُ الإِمَامَيْنِ الحَسَنَ والحُسَيْنَ C، فقَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إنَّ لى عَشْرَةً مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ قَطُّ. فغَضِبَ رسُولُ اللهِ J حتى التَمَعَ لَوْنُهُ، وقَالَ للرَّجُلِ: (إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ نَزَعَ الرَّحَْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ فَمَا أَصْنَعُ بِكَ؟! مَنْ لاَ يَرْحَمُ صَغِيرَنَا وَيُعَزِّزُ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا)([3]).

يَذْكُرُ الشَّيْخُ جَعْفَرٌ النَّقْدِىُّ فى كِتَابِهِ (زَيْنَبَ الكُبْرَى) أنَّ السَّيِّدَةَ زَيْنَبَ الكُبْرَى سَأَلَتْ أَبَاهَا الإِمَامَ عَلِيًّا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَتْ: أَتُحِبُّنَا يَا أَبَتَاهُ؟ فَقَالَ الإِمَامُ: وكَيْفَ لا أُحِبُّكُمْ وأَنْتُمْ ثَمَرَةُ فُؤَادِى!.

فقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ إِنَّ الحُبَّ للهِ تَعَالَى، والشَّفَقَةَ لَنَا([4]).

تَعْلِيقٌ: إنَّ هذا الحِوَارَ الجَمِيلَ يَدُلُّ على أَكْثَرِ من مَعْنًى، فَمِنْ ذَلِكَ:

أَوَّلاً: جَوُّ الوُدِّ والصَّفَاءِ الذى كَانَ يُخَيِّمُ على دَارِ الإِمَامِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ A، والعَلاقَاتُ الطَّيِّبَةُ بين الوَالِدِ الرَّءُوفِ وبين ابْنَتِهِ الذَّكِيَّةِ.

ثَانِيًا: إنَّ الحُبَّ يَنْقَسِمُ إلى أَكْثَرِ من قِسْمٍ، بِاعْتِبَارِ نَوْعِهِ ومَنْشَئِهِ ومُنْطَلَقِهِ، وكُلُّ قِسْمٍ مِنْهُ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ بِهِ، لَكِنْ يُطْلَقُ على الجَمِيعِ كَلِمَةُ الحُبِّ، فَهُنَاكَ حُبُّ الإِنْسَانِ للهِ تَعَالَى الذى خَلَقَ البَشَرَ وأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بأَنْوَاعِ النِّعَمِ. وهُنَاكِ حُبُّ الوَالِدِ لأَطْفَالِهِ، الذى يَنْبَعِثُ من العَاطِفَةِ والحَنَانِ، وقد عَبَّرَتْ عَنْهُ السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ بالشَّفَقَةِ.

ونَقْرَأُ فى كُتُبِ اللُّغَةِ أنَّ الشَّفَقَةَ: هى العَطْفُ والحَنَانُ والرَّأْفَةُ والحُنُوُّ، فهى إِذَنْ: فَصِيلَةٌ خَاصَّةٌ من الحُبِّ يَنْبَعِثُ من قَلْبِ الوَالِدَيْنِ لأَطْفَالِهِمَا.

ثَالِثًا: المُسْتَوَى الرَّفِيعُ لتَفْكِيرِ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ.. رَغْمَ كَوْنِهَا فى السَّنَوَاتِ الأُولَى من مَرَاحِلِ الطُّفُولَةِ.. أَجَلْ إِنَّهُمْ سَادَةٌ من بَوَاكِيرِ حَيَاتِهِمْ.

والسِّرُّ فى ذلك يَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللهِ J الذى كَانَ يَغْمُرُهُمْ بعَوَاطِفِهِ، ويَشْمَلُهُمْ بحَنَانِهِ، بحَيْثُ لَمْ يُعْهَدْ من جَدٍّ أن يَكُونَ مُغْرَمًا بأَحْفَادِهِ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ.. فلَقَدْ كَانَ إِذَا زَارَهُمْ أو زَارُوهُ يُعَطِّرُ خُدُودَهُمْ وشِفَاهَهُمْ بقُبُلاتِهِ، ويَلْصِقُ خَدَّهُ بخَدِّهِمْ.

ويَعْلَمُ اللهُ كَمْ من مَرَّةٍ حَظَوْا بهَذِهِ العَاطِفَةِ الخَاصَّةِ، وكم من مَرَّةٍ وَضَعَ الرَّسُولُ الأَكْرَمُ J خَدَّهُ الشَّرِيفَ على خُدُودِهِمْ، وكم من مَرَّة أَجْلَسَهُمْ فى حِجْرِهِ، وكم من مَرَّةٍ تَسَلَّقُوا أَكْتَافَ جَدِّهِمْ J، ويُؤْسِفُنَا أَنَّهُ لم تَصِلْ إلَيْنَا تَفَاصِيلُ أو عَيِّنَاتٌ تَارِيخِيَّةٌ تَنْفَعُنَا فى هذا المَجَالِ.

الدَّرْسُ الثَّانِى: تَنْمِيَةُ الشَّخْصِيَّةِ

قَالَ عُلَمَاءُ النَّفْسِ: لا بُدَّ للمُرَبِّى من أن يُنَشِّئَ الطِّفْلَ على الثِّقَةِ بالنَّفْسِ والاحْتِرَامِ، وعُلُوِّ الهِمَّةِ، ويُشْعِرَهُ بشَخْصِيَّتِهِ وكَيْنُونَتِهِ، ليَبْتَعِدَ عن الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، ولا يَرْكَعُ للأَيَّامِ، ولا يَخْضَعُ للذُّلِّ والهَوَانِ.

وبالعَكْسِ لو احْتَقَرَهُ المُرَبِّى ولم يَحْتَرِمْهُ وحَطَّمَ شَخْصِيَّتَهُ، فإِنَّهُ يَشِبُّ جَبَانًا يَعِيشُ الهَزِيمَةَ فى دَاخِلِهِ، ولا يَشْعُرُ بقِيمَةٍ لنَفْسِهِ، ولا يَثِقُ بِهَا، ولا يُقْدِمُ على الأَعْمَالِ الكَبِيرَةِ؛ لأَنَّهُ يَتَضَاءَلُ أَمَامَهَا ويَشْعُرُ بالعَجْزِ، لِذَلِكَ، لا بُدَّ من تَشْجِيعِ الطِّفْلِ على الصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ، والتَّأْكِيدِ عَلَيْهَا بذِكْرِهَا أَمَامَهُ وأَمَامَ الآَخَرِينَ، وغَرْسِ القُوَّةِ والعِصَامِيَّةِ فى شَخْصِيَّتِهِ، وقد قَالَ الرَّسُولُ J مِرَارًا: (الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا)([5]).

وأَتَتِ السَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ B بِابْنَيْهَا الحَسَنِ والحُسَيْنِ C إلى رَسُولِ اللهِ J فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَانِ ابْنَاكَ فَوَرِّثْهُمَا.

فَقَالَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِى أُسْدِ الغَابَةِ، وَالمُتَّقِى الهِنْدِىُّ فى كَنْزِ العُمَّالِ، وَالمُحِبُّ الطَّبَرِىُّ فِى ذَخَائِرِ العُقْبَى: (أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَيْبَتِى وَسُؤْدَدِى، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُرْأَتِى وَجُودِى)([6]).

لقد سَنَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ J سُنَّةَ إِكْبَارِ واحْتِرَامِ الطِّفْلِ، وعَدَمِ احْتِقَارِهِ أَمَامَ الآَخَرِينَ حتى لا يَتَصَاغَرَ وتَتَهَاوَى شَخْصِيَّتُهُ، فعِنْدَمَا أَذْنَبَ رَجُلٌ ذَنْبًا، تَغَيَّبَ حتى وَجَدَ الحَسَنَ والحُسَيْنَ C فى طَرِيقٍ خَالٍ، فأَخَذَهُمَا، فَاحْتَمَلَهُمَا على عَاتِقِهِ، وأَتَى بِهِمَا النَّبِىَّ J فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى مُسْتَجِيرٌ بِاللهِ وبِهِمَا، فضَحِكَ رَسُولُ اللهِ J حتى رَدَّ يَدَهُ إلى فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ للرَّجُلِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ مَوْسُوعَةِ المُصْطَفَى والعِتْرَةِ: (اذْهَبْ فَأَنْتَ طَلِيقٌ)، وقَالَ للإِمَامَيْنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ: (قَدْ شَفَّعْتُكُمَا فِيهِ أَىْ فَتَيَانِ)([7]).

ولتَمَتُّعِ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ الكُبْرَى B بشَخْصِيَّةٍ عَظِيمَةٍ رَأَتْ نَفْسَهَا أَهْلاً للقِيَامِ بأَشْرَفِ الأَعْمَالِ، فذَاتَ يَوْمٍ دَخَلَتْ مع وَالِدَتِهَا سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ B على جَدِّهَا المُصْطَفَى J، فَقَامَ وقَبَّلَ يَدَ الزَّهْرَاءِ وأَجْلَسَهَا مَكَانَهُ، واحْتَضَنَ السَّيِّدَةَ زَيْنَبَ وأَوْسَعَهَا تَقْبِيلاً، فَوَضَعَتْ فَمَهَا على أُذُنِ جَدِّهَا J وسَارَّتْهُ، فقَالَ: (قَدْ أُجِيبَتْ). فسَارَّتْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَقَالَ: (قَدْ أُجِيبَتْ)، فسَارَّتْهُ مَرَّةً ثَالِثَةً، فَضَحِكَ J ولم يَرُدَّ عَلَيْهَا.

كَانَتِ الدَّهْشَةُ تَعْلُو وَجْهَ الزَّهْرَاءِ مع ابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ على ثَغْرِهَا البَسَّامِ، وسَأَلَتْ مُكَرِّرَةً السُّؤَالَ: مَاذَا قَالَتْ لَكَ يَا أَبَتِ؟. فَقَالَ: (فِى الأُولَى طَلَبَتْ مِنِّى أَنْ أُشَفِّعَهَا فِى أَهْلِ بَيْتِهَا، فَقُلْتُ: قَدْ أُجِيبَتْ. وَفِى الثَّانِيَةِ طَلَبَتْ أَنْ أُشَفِّعَهَا فِى سَبْعِينَ مِنْ جِيرَانِهَا، فَقُلْتُ: قَدْ أُجِيبَتْ. وَفِى الثَّالِثَةِ طَلَبَتْ أَنْ أُشَفِّعَهَا فِى أُمَّتِى، فَضَحِكْتُ).

فَقَالَتِ السَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ B: يَا حَبِيبَتِى وَقُرَّةَ عَيْنِى لَقَدْ طَلَبْتِ أَمْرًا خَصَّ اللهُ بِهِ جَدَّكِ J.

الدَّرْسُ الثَّالِثُ: الإِيمَانُ وَالتَّقْوَى

الإِسْلامُ يَحُثَّ المُرَبِّى أن يَصُوغَ الأَفْكَارَ والعَقَائِدَ الدِّينِيَّةَ، ويَصُبَّهَا فى قَوَالِبَ سَهْلَةٍ جَزْلَةٍ يَسْتَأْنِسُ بِهَا الصَّبِىُّ ويَتَقَبَّلُهَا، ويُكَلَّفُ ببَعْضِ الأَعْمَالِ الخَفِيفَةِ السَّهْلَةِ ليَشِبَّ عَلَيْهَا، حَتَّى إذَا مَا نَاهَزَ سِنَّ البُلُوغِ كَانَ قد تَعَوَّدَهَا من قَبْلُ ولَيْسَتْ غَرِيبَةً عَلَيْهِ، ونَلْمَحُ ذلك من أَمْرِ الإِسْلامِ الوَالِدَيْنِ أن يُمَرِّنُوا الأَطْفَالَ على الصَّلاةِ من سِنِّ السَّابِعَةِ.

والرَّسُولُ الأَعْظَمُ J لَقَّنَ التَّعَالِيمَ الدِّينِيَّةَ – فى بَيْتِ الزَّهْرَاءِ – مُنْذُ لَحَظَاتِ الطُّفُولَةِ الأُولَى والرَّضَاعَةِ، فعِنْدَمَا وُلِدَ الإِمَامُ الحَسَنُ A أَذَّنَ فى أُذُنِهِ اليُمْنَى، وأَقَامَ فى اليُسْرَى، ولَمَّا وُلِدَ الإِمَامُ الحُسَيْنُ A جَاءَ النَّبِىُّ J، فَفَعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بأَخِيهِ.

وعن أَبِى عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ 0 قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ J كَانَ فى الصَّلاةِ وإلى جَانِبِهِ الحُسَيْنُ بنُ عَلِىٍّ، فَكَبَّرَ J، فَلَمْ يَحِرِ الحُسَيْنُ التَّكْبِيرَ، أى: لم يَرُدَّ، ولم يَزَلْ رَسُولُ اللهِ J يُكَبِّرُ ويُعَالِجُ الحُسَيْنَ التَّكْبِيرَ، ولَمْ يَحِرْ حتى أَكْمَلَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، فَأَحَارَ الحُسَيْنُ التَّكْبِيرَ فى السَّابِعَةِ([8]).

والسَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ B كَانَتْ تُلاعِبُ الإِمَامَ الحَسَنَ A وتُرْقِصُهُ وتَقُولُ:

أَشْبِهْ أَبَـاكَ يَـا حَـسَنْ

وَاخْلَعْ عَنِ الْحَقِّ الرَّسَنْ

وَاعْبُـدْ إِلَـهًا ذَا مِنَـنْ

وَلاَ تُـوَالِ ذَا الإِحَـنْ

ولو أَمْعَنَّا النَّظَرَ فى هَذِينِ البَيْتَيْنِ لوَجَدْنَاهُمَا يَحْتَوِيَانِ على دُرُوسٍ أَرْبَعَةٍ مُهِمَّةٍ فى التَّرْبِيَةِ لقَّنَتْهَا السَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ B لابْنِهَا:

الأَوَّلُ: كُنْ كَأِبِيكَ عَبْدًا للهِ، شُجَاعًا.

الثَّانِى: اعْبُدِ اللهَ وَحْدَهُ، صَاحِبَ المِنَنِ لِلْمَحْبُوبِينَ، وَالعَطَايَا للْمُحْتَاجِينَ.

الثَّالِثُ: دَافِعْ عَنِ الحَقِّ.

الرَّابِعُ: لا تُوَالِ ذَا الإِحَنِ، أى: لا تُنَاصِرْ صَاحِبَ الأَحْقَادِ والبَغْضَاءِ.

وكَانَتِ السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ الكُبْرَى مَغْمُورَةً بعَوَاطِفِ أُمِّهَا الحَانِيَةِ، وقد حَلَّتْ فى أَوْسَعِ مَكَانٍ من قَلْبِ أُمٍّ كَانَتْ أَكْثَرَ أُمَّهَاتِ العَالَمِ حَنَانًا ورَأْفَةً وشَفَقَةً بأَطْفَالِهَا، فلا عَجَبَ إِذَا انْدَفَعَتِ السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ نَحْوَ أُمِّهَا، وانْسَجَمَتْ مَعَهَا رُوحًا وقَلْبًا وقَالَبًا، تَتَعَلَّمُ مِنْهَا عِلْمَ التَّوْحِيدِ الصَّافِى، وتُشَاهِدُ من أُمِّهَا أَنْوَاعَ العِبَادَةِ، والزُّهْدِ، والمُوَاسَاةِ والإِيثَارِ، والإِنْفَاقِ فى سَبِيلِ اللهِ، وإِطْعَامِ الطَّعَامِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا، وتُشَاهِدُ حَيَاةَ أُمِّهَا الزَّوْجِيَّةَ النَّمُوذَجِيَّةَ، فأَثْمَرَتْ هذه التَّرْبِيَةُ ذَكَاءً مُبَكِّرًا عند السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ، تَجَلَّى فى هذا المَوْقِفِ الذى ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَعْفَرٌ النَّقْدِىُّ فى كِتَابِهِ (زَيْنَبَ الكُبْرَى)، فقد أَجْلَسَهَا وَالِدُهَا A فى حِجْرِهِ، وبَدَأَ يُلاطِفُهَا، وقَالَ لَهَا: بُنَيَّةُ قُولِى وَاحِدٌ، فقَالَتْ: وَاحِدٌ. قَالَ لَهَا: قُولِى اثْنَيْنَ. فَسَكَتَتْ!!، فقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِى قُرَّةَ عَيْنِى، فقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ مَا أُطِيقُ أن أَقُولَ اثْنَيْنِ بِلِسَاٍن أَجْرَيْتُهُ بالوَاحِدِ، فَضَمَّهَا إلى صَدْرِهِ وقَبَّلَهَا بَيْنَ عَيْنَيْهَا([9]).

لَقْطَةٌ تَارِيخِيَّةٌ

إنَّ هذه اللَّقْطَةَ التَّارِيخِيَّةَ تَدُلُّ – بكُلِّ وُضُوحٍ – على قُوَّةِ التَّفْكِيرِ والنُّضْجِ المُبَكِّرِ فى ذِهْنِ وفِكْرَ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ، وكَلامُهَا هذا يَدُلُّ على الأَفْكَارِ والمَفَاهِيمِ والمَعَانِى التى كَانَتْ تَجُولُ فى خَاطِرِهَا، فاللِّسَانُ الذى قَالَ: وَاحِدٌ، لا يُمْكِنُ أن يَنْطِقَ بكَلِمَةِ: اثْنَيْنِ، لأَنَّ لكَلِمَةِ (وَاحِدٍ) ظِلالاً فى ذِهْنِ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ B، كُلَّمَا ذَكَرَتِ الكَلِمَةَ تَبَادَرَ إلى الذِّهْنِ ذلك الظِّلالُ، وهو وَحْدَانِيَّةُ اللهِ سُبْحَانَهُ، وعَدَمُ وُجُودِ إِلَهٍ ثَانٍ يُشَارِكُهُ فى الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وإِدَارَةِ الكَوْنِ.. وكُلُّ هذه الانْطِبَاعَاتِ والأَعْمَالِ والأَفْعَالِ والأَخْلاقِ والصِّفَاتِ والتَّصَرُّفَاتِ نَابِعَةٌ من نَوْعِيَّةِ التَّرْبِيَةِ الفَرِيدَةِ التى أَثَّرَتْ فى نَفْسِ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ B.

تَمْرُ الصَّدَقَةِ

وكَانَ النَّبِىُّ J يَهْتَمُّ اهْتِمَامًا بَالِغًا بالتَّقْوَى، ويُرَاقِبُ أَبْنَاءَهُ، ويُحَاذِرُ عَلَيْهِمْ من أىِّ طَعَامٍ فِيهِ أَدْنَى إِشْكَالٍ أو شُبْهَةٍ، ففى رِوَايَةٍ عن أبى هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهَا البُخَارِىُّ فى كِتَابِ الزَّكَاةِ، ومُسْلِمٌ فى كِتَابِ الزَّكَاةِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ فى مُسْنَدِهِ، أنَّ النَّبِىَّ J أُتِىَ بتَمْرٍ من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فجَعَلَ يَقْسِمُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ وَجَدَ الحَسَنَ أَخَذَ تَمْرَةً من تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فى فِيهِ، فنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ J، فأَخْرَجَهَا من فِيهِ وقَالَ: (إِنَّا آَلُ مُحَمَّدٍ لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ)([10]).

هذا، مع أَنَّ الإِمَامَ الحَسَنَ A – من النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ – بَعْدُ صَبِىٌّ لم يَبْلُغِ الحُلُمَ ولم يُكَلَّفْ، ولكنَّه J يَعْلَمُ أنَّ الأَكْلَ الحَرَامَ يُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا مَوْضُوعِيًّا على رُوحِ الطِّفْلِ، ويَنْبَغِى أن يَعْرِفَ مُنْذُ سِنِينِهِ الأُولَى أنَّ هُنَاكَ حَرَامًا وحَلالاً وقُيُودًا فى الأَكْلِ، ليَنْبُتَ نَبَاتًا حَسَنًا طَيِّبًا.

وهكذا مَزَجَ J العَظَمَةَ والشَّرَفَ وأَشْرَبَهُمَا فى أَبْنَاءِ الزَّهْرَاءِ B، فالزَّكَاةُ حَقُّ المَحْرُومِينَ، وليس لأَمْثَالِ هَؤُلاءِ السَّادَةِ أن يَأْكُلُوا مِنْهَا، وتَجَلَّى هذا المَوْقِفُ مَرَّةً ثَانِيَةً بالكُوفَةِ، عِنْدَمَا وَقَفَتِ السَّيِّدَةُ أُمُّ كُلْثُومٍ 1 تَأْخُذُ الخُبْزَ والتَّمْرَ والجَوْزَ من أَيْدِى الأَطْفَالِ وتَرْمِيهَا، وهى تَقُولُ: يَا أَهْلَ الكُوفَةِ، إنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنَا أَهْلَ البَيْتِ([11]).

الدَّرْسُ الرَّابِعُ: الالْتِزَامُ بِالنُّظُمِ وَرِعَايَةُ حُقُوقِ الآَخَرِينَ

من الأُمُورِ التى يَنْبَغِى للوَالِدَيْنِ و    المُرَبِّينَ جَمِيعًا الالْتِفَاتُ إِلَيْهَا، هى مُرَاقَبَةُ الطِّفْلِ مُرَاقَبَةً دَقِيقَةً، لكى لا يَتَجَاوَزَ على الآَخَرِينَ، ويَحْتَرِمَ حُقُوقَهُمْ، ويَتَعَلَّمَ النِّظَامَ فى شُؤُونِ حَيَاتِهِ، ولا يَعْجِزَ عن اسْتِرْدَادِ حُقُوقِهِ، ولا يَبْخَسَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ.

والأَبَوَانِ يُرَبِّيَانِهِ على هذا الخُلُقِ من خِلالِ تَعَامُلِهِمْ مع أَبْنَائِهِمْ – فى البَيْتِ – مُعَامَلَةً صَادِقَةً عَادِلَةً، لا ظُلْمَ فِيهَا لأَحَدٍ، ولا يُؤْثِرَانِ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ، ولا يُفَرِّقَانِ بين الوَلَدِ والبِنْتِ، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والجَمِيلِ والقَبِيحِ، والذَّكِىِّ والخَامِلِ فى التَّوَدُّدِ والتَّحَبُّبِ إِلَيْهِمْ، كى لا تَنْمُو بُذُورُ الحِقْدِ والحَسَدِ والغِيرَةِ، فيَدْخُلُوا المُجْتَمَعَ بخُلُقِ التَّجَاوُزِ والاعْتِدَاءِ.

فالطِّفْلُ الذى تُرَاعَى فى بَيْتِهِ حُقُوقُ الأَفْرَادِ، يَعْرِفُ أنَّ عَلَيْهِ احْتِرَامَ حُقُوقِ الآَخَرِينَ فى الخَارِجِ، وعلى العَكْسِ إذا مَا كَانَ البَيْتُ تَسُودُهُ الفَوْضَى والتَّفْرِقَةُ، فإِنَّهُ سَوْفَ يَتَرَبَّى على الاعْتِدَاءِ والتَّجَاوُزِ وظُلْمِ الآَخَرِينَ، ولا يُفَكِّرُ إلاَّ بمَصْلَحَتِهِ.

وقد نُفِّذَ هذا الدَّرْسُ بدِقَّةٍ فى بَيْتِ السَّيِّدَةِ الزَّهْرَاءِ B، ونَذْكُرُ الرِّوَايَةَ التَّالِيَةَ كنَمُوذَجٍ:

ذَكَرَ صَاحِبُ مَوْسُوعَةِ المُصْطَفَى والعِتْرَةِ عن الإِمَامِ عَلِىٍّ A قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ J قَدْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فى اللِّحَافِ أو فى الشِّعَارِ فَاسْتَقَى الحَسَنُ، فَوَثَبَ النَّبِىُّ J إلى مَنِيحَةٍ لَنَا فَمَصَّ من ضَرْعِهَا، فجَعَلَهُ فى قَدَحٍ، ثُمَّ وَضَعَهُ فى يَدِ الحَسَنِ، فجَعَلَ الحُسَيْنُ يَثِبُ عَلَيْهِ ورَسُولُ اللهِ J يَمْنَعُهُ، فقَالَتْ فَاطِمَةُ: كَأَنَّهُ أَحَبُّهُمَا إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: (مَا هُوَ بِأَحَبِّهِمَا إِلَىَّ، وَلَكِنَّ الْحَسَنَ اسْتَقَى أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَإِنِّى وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ وَهَذَا الْمُنْجَدِلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى مَكَانٍ وَاحِدٍ)([12]).

الدَّرْسُ الْخَامِسُ: الرِّيَاضَةُ وَاللَّعِبُ

يُوصِى عُلَمَاءُ التَّرْبِيَةِ أن يُتْرَكَ الأَطْفَالُ لِحَالِهِمْ فى اخْتِيَارِ اللُّعَبِ التى يَهْوُونَهَا، وعَلَيْنَا أن نُوَفِّرَ لَهُمُ الوَسَائِلَ السَّلِيمَةَ. وقد تَنَبَّهَ أَخِيرًا مَا يُسَمَّى بالعَالَمِ المُتَمَدِّنِ لهَذِهِ الحَقِيقَةِ، فَوَفَّرُوا أَلْعَابًا مُسَلِّيَةً سَلِيمَةً فى دُورِ الحَضَانَةِ والمَدَارِسِ الابْتِدَائِيَّةِ والثَّانَوِيَّةِ، بِمَا يُنَاسِبُ مَرَاحِلَهُمُ العُمُرِيَّةِ، وصَارُوا يُشَجِّعُونَهُمْ على الأَلْعَابِ الجَمَاعِيَّةِ، لِمَا لهَذِهِ الأَلْعَابِ من تَأْثِيرٍ عَمِيقٍ على رُشْدِ أَجْسَادِهِمْ وأَرْوَاحِهِمْ.

بَيْنَمَا يَتَوَقَّعُ البَعْضُ أن يَتَصَرَّفَ الأَطْفَالُ كَمَا لو كَانُوا كِبَارًا، ويَمْنَعُونَهُمْ من اللَّعِبِ، ويُحَاسِبُونَهُمْ على تَصَرُّفَاتِهِمُ الطُّفُولِيَّةِ، ويُسَمُّونَ هذا تَرْبِيَةً. فَإِذَا كَانَ الطِّفْلُ لَعِبًا حَرْكًا اتَّهَمُوهُ بِسُوءِ الأَدَبِ، وإذا كَانَ مُنْزَوِيًا خَامِلاً لا يَلْعَبُ ولا يَتَحَرَّكُ امْتَدَحُوهُ، وشَجَّعُوهُ على سُكُونِهِ وهُدُوئِهِ!!.

لكنَّ عُلَمَاءَ النَّفْسِ يَعُدُّونَ هذا خَطَأً كَبِيرًا، ويَعْتَبِرُونَ سُكُونَ الطِّفْلِ وخُمُولَهُ دَلِيلاً على مَرَضِهِ رُوحِيًّا وفِسْيُولُوجِيًّا.

على أن لا يَكُونَ لِعْبُهُ مُضِرًّا بِهِ، أو مُزَاحِمًا للآَخَرِينَ.

بل على الأَبَوَيْنِ أن يَتَصَابَوْا لَهُمْ ويُلاعِبُوهُمْ فى أَوْقَاتِ فَرَاغِهِمْ؛ لأنَّ الطِّفْلَ يَسْتَشْعِرُ الحُبَّ فى ذلك، وكَانَ رَسُولُ اللهِ J يَلْعَبُ مع الإِمَامَيْنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ C.

فقد ذَكَرَ الطَّبَرِىُّ فى ذَخَائِرِ العُقْبَى، والهَيْثَمِىُّ فى مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ، والمُتَّقِى الهِنْدِىُّ فى كَنْزِ العُمَّالِ، والفَيْرُوزُ آَبَادِى فى فَضَائِلِ الخَمْسَةِ عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ 0 قَالَ: دَخَلْتُ على النَّبِىِّ J والحَسَنُ والحُسَيْنُ على ظَهْرِهِ، وفى رِوَايَةٍ: وهُوَ يَمْشِى على أَرْبَعَةٍ، يَقُولُ: (نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُمَا، وَنِعْمَ الْعِدْلاَنِ [أو الْحِمْلاَنِ] أَنْتُمَا)([13]).

الخلاصة

والخُلاصَةُ: أنَّ الأَعْمَالَ بنَتَائِجِهَا، فتَرْبِيَةٌ أَنْتَجَتْ لَنَا الإِمَامَ الحَسَنَ A ليَتَجَرَّعَ الغُصَصَ فى المَوَاقِفِ الحَرِجَةِ، ويُفْهِمَ العَالَمَ أَنَّ الإِسْلامَ يُرَجِّحُ السَّلامَ على الحَرْبِ.

وأَنْتَجَتْ لَنَا الإِمَامَ الحُسَيْنَ A الذى ضَحَّى بنَفْسِهِ وبكُلِّ أَهْلِهِ وأَصْحَابِهِ وأَعِزَّائِهِ فى سَبِيلِ اللهِ، ومن أَجْلِ الدِّفَاعِ عن الدِّينِ، ومُقَارَعَةِ الظُّلْمِ والظَّالِمِينَ، ليَرْوِىَ بدَمِهِ الطَّاهِرِ شَجَرَةَ الإِسْلامِ.

وأَنْتَجَتْ لَنَا السَّيِّدَةَ زَيْنَبَ B – جَبَلَ الصَّبْرِ والصُّمُودِ – التى تَحَدَّتِ الظَّالِمِينَ، ولم تَهِنْ ولم تَنْهَزِمْ أَمَامَ الطُّغَاةِ فى الكُوفَةِ والشَّامِ.. لَهِىَ نِعْمَ التَّرْبِيَةُ التى تَجَلَّتْ فِيهَا عَظَمَةُ أَهْلِ البَيْتِ D.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

([1]) ينظر: صحيح البخارى 2/95 ح1359.

([2]) ينظر: موسوعة المصطفى والعترة لحسين الشاكرى 4/152.

([3]) ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى 3/201-202 ح4858، بلفظ: (قال رجل من الأنصار).

([4]) ينظر: زينب الكبرى من المهد إلى اللحد للسيد محمد كاظم القزوينى ص46-47.

([5]) ينظر: سنن ابن ماجة 1/134-135 ح118، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى 3/198 ح4845، ومجمع الزوائد للهيثمى 9/294 ح15089، وكنز العمال للمتقى الهندى 12/122 ح34295.

([6]) ينظر: كنز العمال للمتقى الهندى 13/670 ح37709، وأسد الغابة لابن الأثير 7/131، وذخائر العقبى للمحب الطبرى ص224.

([7]) ينظر: موسوعة المصطفى والعترة لحسين الشاكرى 4/158.

([8]) ينظر: موسوعة المصطفى والعترة لحسين الشاكرى 4/159-160 نقلاً عن بحار الأنوار للمجلسى 43/307.

([9]) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد للسيد محمد كاظم القزوينى ص47-48.

([10]) ينظر: صحيح البخارى 4/74 ح3072، وصحيح مسلم 3/117 كتاب الزكاة، وسنن النسائى الكبرى 5/194 ح8645، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 15/177 ح9308، وموسوعة المصطفى والعترة للشاكرى 4/160 نقلاً عن البحار 43/305.

([11]) ينظر: زينب الكبرى من المهد إلى اللحد للسيد محمد كاظم القزوينى ص275.

([12]) ينظر: موسوعة المصطفى والعترة لحسين الشاكرى 4/162 نقلاً عن بحار الأنوار 43/283.

([13]) ينظر: فضائل الخمسة من الصحاح الستة للسيد مرتضى الحسينى الفيروز آبادى 3/187، ومجمع الزوائد للهيثمى9/291 ح15079، وكنز العمال للمتقى الهندى 13/664 ح37692، وذخائر العقبى للمحب الطبرى ص229.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.