إشارات قرآنية في معرفة الله تعالى وعبادته ودلائل النبوة (2)‏

إشارات قرآنية في معرفة الله تعالى وعبادته ودلائل النبوة (2)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 9822 لاتعليقات

من إشارة لابن عجيبة: توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذين يعبدون الله تعظيمًا لحق الربوبية وقيامًا بوظائف العبودية..

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

بقية: الله أتاح لك ما لا بد لك منه من غير منة فيه لأحد عليك:

من إشارة لابن عجيبة: توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذين يعبدون الله تعظيمًا لحق الربوبية وقيامًا بوظائف العبودية، وفيهم قال صاحب العينية – وهو الشيخ عبد الكريم الجيلي -:

همُ الْقصْدُ للملهـوفِ والكنزُ والرجا

ومنهم يَنَالُ الصَّـبُّ ما هُوَ طامـعُ

بهِم يَهْتَدي للعينِ مَن ضَلَّ في العَمَى

بهِم يُجذَبُ العُشَّـاقُ، والرَّبْعُ شاسعُ

هم القَصْدُ والمطلوبُ والسؤلُ والمُنَى

واسْمُهُـمُ لِلصَّـبِّ في الحبِّ شَافعُ

فعبادة العارفين: بالله ومن الله وإلى الله، وعبادة الجاهلين: بأنفسهم ومن أنفسهم ولأنفسهم، عبادة العارفين: حمد وشكر، وعبادة الغافلين: اقتضاء حظ وأجر، عبادة العارفين: قلبية باطنية، وعبادة الغافلين: حسية ظاهرية، يا أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب، ومشاهدة الحبيب، فقد رَفَعْتُ بيني وبينكم الحجب والأستار، وأشهدتكم عجائب الألطاف والأسرار، أبرزتكم إلى الوجود، وأدخلتكم من باب الكرم والجود، ومنحتكم بفضلي غاية الشهود، لعلكم تتقون الإنكار والجحود، وتعرفونني في كل شاهد ومشهود.

وفي: “أسرار القرآن” للإمام المجدِّد أبي العزائم نطالع ما يلي:

1- في الآية دليل الإيجاد والإمداد معًا:

جمع الله تعالى في هذه الآية دليل الإيجاد والإمداد معًا، فأخبر I أنه هو الذي خلقنا وخلق الذين من قبلنا من آبائنا وأسلافنا، وهذا هو الدليل الذي قامت عليه الحجة العقلية على أننا وُجدنا بعد أن لم نكن، وقد خلق الله كل ما في الوجود لمنافع الإنسان، فالإنسان جوهرة العقد وما فيه، وهو مخلوق باليدين، ومؤهل للحياة في النشأتين.

والله سبحانه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، أبعد من أبعده بقدرته فجحد وضل ونسي، )وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا( (مريم: 64)، وقرَّب من شاء بحكمته وواسع رحمته فاهتدى وأقبل على الله وسمع وأطاع وسلَّم، والله سبحانه هو الغني ونحن الفقراء، يقول الإمام في إحدى قصائده:

تقربتَ للمطلوب قرب النزاهة

فشاهدَك المحبوبُ من غير حيطة

تقربتَ لي قرب الحنانة سيدي

وأشهدتَني المعنى بحال بدايــتي

ظهَرْتَ لقلبي في المظاهر كلها

فأشْهَدْتَني مولاي غيبَ المعيـة

والله تعالى لفت نظر من سبقت لهم الحسنى ليشهدوا بدائع صنعه، ليسجد العقل للبديع الخلاق العظيم، وليسارع من شهد تلك المشاهد إلى الله شاكرًا.

2- الله تعالى واحد وهو خالق السبب والمسبب:

نسب سبحانه إنزال الماء لحضرته العلية، وقدّر سبحانه أن يجعل نعمه مرتبة على أسباب أودعها I فيما خلقه؛ من البحار العظيمة وحرارة الشمس والهواء وبرد الجو في العلو؛ وهو القادر أن ينزل الماء من نفس السماء من غير تلك الأسباب التي وضعها سبحانه، ولكنه أراد أن يشهد أهل العقل أنه وضع تلك الأسباب لترتقي عقولهم إلى معرفة من وضع الأسباب Y.

لَقَدْ وَضَعَ الأَسْبَابَ رَبُّكَ حِكْمَةً

لِيُشْهَدَ فِيـهَا يَظْهَـرُ التِّبْيَـانُ

فَمَنْ شَهِدَ الأَسْبَابَ تَفْعَلُ فَهْوَ فِي

ضَـلاَلٍ مُبِيـنٍ قَـالَهُ الْقُرْآنُ

وَمَنْ شَهِدَ الأَسْبَابَ تُنْبِي بِأَنَّهَا

أَوَاسِطُ فِيهَا الْفَضْلُ وَالإِحْسَانُ

وَهَٰذَا شُهُـودُ الْعَارِفِينَ بِرَبِّهِمْ

لَقَدْ خَصَّهُمْ فَضْلاً بِهِ الرَّحْمَٰنُ

وإذا كان الله تعالى هو الخالق للسبب والمسبب، والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة له؛ فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد؟!، وأي شرك يترتب عليه؟، نستغفر الله تعالى مما يقولون، وهذا ما ذهب إليه السلف الصالح، وتلقاه أهل الله تعالى بالقبول.

3- البعث سهل على القادر الذي فرَّغ قلوبنا لنستغرق في عبادته:

قدَّر سبحانه أن ازدواج ماء المطر بالأرض يجعلها تحيا بعد موتها، وتحمل وتلد كل ما به قوت الإنسان والحيوان؛ لنعلم حق اليقين أن لإيجادنا مبدأ كالنبات، فإنه سبحانه خلقنا من التراب والماء والنار والهواء – وهي أركان الوجود – لنتحقق أن البعث والإحياء والنشور للقيامة سهل جدًّا على القادر الذي أرانا كيف يحيي الأرض بعد موتها، فالسماء في النشأة الأولى كالزوج، والأرض كالزوجة، والمطر النازل من السماء كالمنىّ، والمرأة تلد رجالاً وإناثًا، والأرض تلد لنا من الحبوب والثمار وغيرها ما نحن بحاجة إليه متاعًا لنا ولأنعامنا.

والله سبحانه أمرنا بالعبادة وضمن لنا ما لا بد لنا منه وأكمل، فهو الذي خلقنا وخلق الذين من قبلنا، وجعل الأرض فراشًا، والسماء بناءً، وأنزل المطر من السماء، وأخرج الثمرات لنا من الأرض؛ ليشير إلى أنه فرَّغ قلوبنا وأراح أبداننا لنستغرق كل أوقاتنا في العبادة.

وليست تلك النعم علة في العبادة، فإن من عَبَد اللهَ لجنته أو لنيل الخير منه جهل نفسه وجهل ربه، والله تعالى يجب أن يفرده كل إنسان بالعبادة – دون غيره – لذاته Y، لأنه هو المستحق للعبادة سبحانه، كما قال تعالى: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ( (الفاتحة: 5) وكما قال سبحانه: )أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ( (الزمر: 3) وقال جل شأنه في الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعْطِي السائلين).

4- الأرض أُمُّنا والخيرات تنتظرنا:

الأرض أمنا الأصلية، بل هي أفضل من أمنا، فإن أمنا تلدنا وترضعنا لبنها فقط، أما أمنا الأصلية – وهي الأرض – فإنها تغذينا بجميع الثمار، وتسقينا، وهي الأم الشفوقة التي لا تغضب منا أبدًا، فإذا تحققنا هذا فكيف نخاف منها إذا كنا في بطنها بعد الموت؟، بل يجب أن نتحقق أنها إذا ولدتنا الولادة الثانية للقيامة فإننا سنرى – إن شاء الله – ما لا عين رأت؛ ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر مما لا يحصى من خيرات ربنا الذي أكرمنا بأمنا الأرض.

ولكن ذلك يُنال – إن شاء الله – لمن أناب إلى الله، وأسلم له سبحانه، وحافظ على اتباع خاتم الأنبياء متابعة يكون فيها أشبه الناس به J، حافظًا سمعه وبصره ولسانه وبطنه وفرجه ويديه ورجليه، فيكون يوم القيامة مع رسول الله J في دار الكرامة )مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا( (النساء: 69).

وأما المخالف لرسول الله J المتشبه بإبليس أو بالوحوش الكاسرة أو بالأفاعي المضرة؛ فهذا – أعاذنا الله منه – يقول يوم القيامة: )يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا( (النبأ: 40).

وباب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فلنسارع إلى التوبة والإنابة.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.