إشارات قرآنية في معرفة الله تعالى وعبادته ودلائل النبوة (1)‏

إشارات قرآنية في معرفة الله تعالى وعبادته ودلائل النبوة (1)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 9012 لاتعليقات

العبادة: هي القيام بإخلاص لتأدية أوامر الله ونواهيه؛ التي أعظمُها وأجَلُّها تحصيلُ المعرفة به سبحانه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق مُعَبَّدة؛ إذا كانت موطوءة بالأقدام…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

معرفة الله بالطريق الشرعي الذي نهجه الله لعباده في القرآن المجيد:

في تفسيره لقول تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (البقرة: 21)؛ يلفت الإمام المجدِّد أبو العزائم الانتباه إلى أن هذه أول آية بحسب ترتيب المصحف شرَّف اللهُ فيها الإنسانَ، وأنزله منه منزلة القريب، وفرض فيها على الإنسان كل فرائضه من المعرفة والعبادة، لأنه ناداه بقوله: )يَا( التي ينادَى بها القريب، فقال سبحانه: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ(.

والنداء لكل إنسان يسمع من الرسول J، فيكون الخطاب للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها، وقد أمر الله سبحانه بالعبادة في قوله جل شأنه: )اعْبُدُواْ رَبَّكُم(.

والعبادة: هي القيام بإخلاص لتأدية أوامر الله ونواهيه؛ التي أعظمُها وأجَلُّها تحصيلُ المعرفة به سبحانه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق مُعَبَّدة؛ إذا كانت موطوءة بالأقدام.

والعبادة عند أهل الفرقة الناجية: هي اعتقاد عند أهل التسليم، وشهود عند أهل الكشف أن للمعبود سبحانه قوة غيبية فوق الأسباب يقدر بها على النفع والضر، مع غاية الحب ونهاية الذل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن ذليلاً خاضعًا له لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له ولم تكن محبًّا له لم تكن عابدًا له؛ حتى تكون محبًّا ذليلاً خاضعًا.

ومن معاني: )اعْبُدُواْ رَبَّكُم( كما ذكره تلميذ الإمام أبي العزائم الشيخ أحمد سعد العقاد: يعني وحدوه ولا تشركوا به، وكل عبادة لم تؤسس على التوحيد فهي هاوية، وإنما قال: )اعْبُدُواْ رَبَّكُم( ولم يقل: اعبدوا الله؛ لأن حضرة الربوبية لها ترحم وتنزل وتعطف، أما حضرة الألوهية فهي حضرة عز وغنى وعبادة لذات الحق، وحضرة الربوبية ترغبك في العطاء وفي الجنة وفي وسعة الأرزاق، فسبحان من تنزل على قدر العقول.

وفي قوله الله تعالى: )الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ( ذكَّر الله تعالى خلقه بنعمته عليهم فهو الذي أوجدهم من العدم، وذكَّرَهم مَنْ قَبْلَهم ليعلموا أن الذي أمات مَنْ قبلهم وهو خلقهم؛ يُمِيتُهم، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وليعلموا أنهم يُبتلون كما ابتُلوا، والله أعلم.

وقد ظن الكافرون – قبحهم الله – أنهم خُلقوا من آبائهم، وأن آباءهم خُلقوا من آبائهم، وأن المادة خلقت الكل، فكذَّبهم الله تكذيبًا حقيقيًّا بقوله: )وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ(، وهذا دليل الإيجاد الذي اختُص اللهُ به، ووجبت له من أجله العبادة دون غيره، وقد أشارت تلك الآية بصريح لفظها إلى أن أعظم أصول الدين هي معرفة الله بالطريق الشرعي الذي نهجه الله لعباده في القرآن المجيد.

اللهُ تنزه وتعالى

عن أن يجهل عاقبة الأمور:

وعند بيان معنى قوله تعالى: )لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( يذكر الإمام أن “لَعَلَّ” من حروف الترجي والإشفاق، ولا يكون الترجي والإشفاق إلا من الجاهل بالعاقبة، والله تنزه وتعالى عن أن يجهل عاقبة الأمور.

وقد ورد في لفظ “لَعَلَّ” تأويلات:

منها: أن “لَعَلَّ” على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تتقوا، أي: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدي والفلاح، المستوجبين جوار الله تعالى، نبّه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين؛ وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى إلى الله تعالى.

ومنها: أن العرب استعملت “لَعَلَّ” مجردة من الشك بمعنى لام كي، فالمعنى: لتتقوا، يعني اعبدوا ربكم الذي خلقكم لكي تصلوا إلى رتبة التقوى.

والتقوى هي التحفظ من الوقوع في غضب الله يوم القيامة، والتباعد عن المعاصي التي توجب مقته في الدنيا، والتَّقوَى: خَوْفٌ جَبَرُوتِيٌّ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ يَجْعَلُهُ يُرَاعِي الأَدَبَ؛ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْغَضَبِ.

وقال بعضهم:

خَـل الذُّنُوبَ صَغِيْرهـا

وكَبِيْــرَها؛ ذاك التُّـقَى

واصْنَعْ كَمـاشٍ فَـوْقَ أر

ضِ الشَّوْكِ؛ يَحْذَرُ ما يَرَى

لا تَحْـقِـرَنَّ صـغيـرةً

إِنَّ الجِبـالَ مِـنَ الحَصَى

ولا صغيرة في مواجهة الرب، ولا كبيرة في مواجهة الغفور.

ما ليس بفراش فهو من مصالح ما يُفترش من الأرض:

الله تعالى يقول: )الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا( (البقرة: 22) أي: وطاء يفترشونها ويستقرون عليها، وما ليس بفراش كالجبال والبحار وغيرها فهي من مصالح ما يُفترش منها، )وَالسَّمَاءَ بِنَاءً( (البقرة: 22) السماء للأرض كالسقف للبيت، وكل ما علا فأظل قيل له سماء )وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ( (البقرة: 22) والمعنى في الآية: أخرجنا لكم ألوانًا من الثمرات، وأنواعًا من النبات.

يقول الشيخ العقاد – تلميذ الإمام أبي العزائم – في تفسيره: “ضياء الأكوان في تفسير القرآن”: واعلم أن هذه الأرزاق أمد الله بها الأشباح لتتمتع بوسعة ربها، وللحق تعالى ثمرات إلهية أوسع من تلك الثمرات أعدها الله تعالى للأرواح، فهو رازق الأرواح والأشباح، فرزق الأرواح في القرآن والعبادة، ورزق الأشباح الثمرات، فسبحان الرب الكريم الذي ملك القلوب بعواطفه.

الله أتاح لك ما لا بد لك منه من غير منة فيه لأحد عليك:

ومن علماء الصوفية من قال: أعلم اللهُ عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر، وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء، والماء طيبًا، والكلأ طعامًا، ولا تعبد أحدًا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله U قد أتاح لك ما لا بد لك منه من غير منة فيه لأحد عليك.

وقال نَوْف البَكَالي: رأيت أمير المؤمنين – عليّ بن أبي طالب – A ذات ليلة، وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم فقال لي: يا نَوْف، أراقد أنت أم رامق؟، فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، قال: يا نَوْف؛ طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطًا، وترابها فراشًا، وماءها طيبًا، والقرآن شِعَارًا، والدعاء دِثَارًا …

– “الرُّقاد: النَّوْم، ويقال: رَمَقَه ببصره: أتْبَعَهُ بَصَرَهُ يتعهَّدُه وينظُرُ إليه ويَرْقُبُه، وقيل: والقرآن شعارًا: يقرأونه سرًّا للاعتبار بمواعظه والتفكر في دقائقه، والدعاء دثارًا: يجهرون به إظهارًا للذلة والخضوع لله تعالى، وأصل الشعار ما يلي البدن من الثياب، والدثار ما علا منها -.

)فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ( نهي )أَندَادًا( أي: أكفاء وأمثالاً ونظراء، وأحدها: ند، )وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(، الخطاب للكافرين والمنافقين، وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، فالمعنى: لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادًا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد.

وقيل: عَنى تعالى ذكره بقوله: )فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ( (البقرة: 22)، أي: لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ؛ وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه، قال جل ثناؤه: )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ( (الزخرف: 87).

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.