غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (12)

غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (12)

islam wattan . نشرت في المدونة 16601 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

بقية: الإسلام وطن والمسلمون جميعًا أهله

الوطن الحقيقي هو الإسلام:

إذن فالوطن أوسع من أن ينحصر في أرض سكنها الإنسان أو ولد فيها فيميل الإنسان إليها ويحميها؛ ويغفل عن أرض فيها يسكن أخوه الذي ينتسب معه إلى سيدنا رسول الله J، أو ربما يتركها ويسكن غيرها.

فالوطن الحقيقي هو الإسلام، نعم؛ الإسلام هو الوطـن الكبير

الذي يجمع كل مسلم تحت ظلاله، فهو الوطن الذي لم يفرق بين المسلم وأخيه على أساس عرق أو أرض أو أي سبب.

لأن العمل بروح الإسلام يجعل المسلمين رجلا واحدًا كل فرد منهم عضو لذلك الجسد، لا فرق بين الإمام الأعظم على عرش ملكه؛ وبين أحقر عامل ما دام قائمًا بواجبه وبتنفيذ أحكام الإسلام والعمل بوصاياه؛ قال تعالى: )إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ( (الأنبياء: 92).

وهذا لا يمنع أن يحمل المكان الذي ولد ونشأ فيه مكانة خاصة بين البلدان في قلب الإنسان كما بدا ذلك على سيدنا رسول الله J حين خرج مهاجرًا إلى المدينة فقال مخاطبًا مكة: (ما أطيبكِ من بلد وأحبك إليّ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ) [الترمذى]، وربما قال ذلك ليس لأنه ولد وعاش فيها؛ بل لكرامتها عند الله تعالى كما قال عنها J: (لقد عرفتُ أنكِ أحبّ البلادِ إلى اللهِ وأكرمها على الله) [تنقيح التحقيق لمحمد بن عبد الهادى].

المسلمون جميعًا أهل وطن الإسلام:

وقد جاء بالقرآن الكريم والسنة النبوية العطرة ما يدل دلالة واضحة على أن الإسلام وطن والمسلمون جميعًا أهله, بل إن كل مسلم أخ لكل مسلم؛ قال الله تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ( (الحجرات: 10).

ومثَّل رسولُ الله J المسلمين بالجسد الواحد؛ يتألم جميعه لألم أصبع من أصابعه, بل لألم أنملة

من أصبعه، فقال J: (تَرى المؤمنين في تراحُمهِمْ وتَوادَّهم كمثلِ الجسدِ الواحدِ إذا اشتكى عضوٌ تداعى لَهُ سائِرُ الجسدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى) [البخارى ومسلم]، وقال عليه وآله الصلاة والسلام: (الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ، اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى، رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ)”صحيح مسلم”، و: (إن المؤمن من أهل الإيمان، بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس) “رواه أحمد”.

يعمل كل مسلم لخير المسلمين, فيكونون جميعًا عاملين لواحد, يتألم الأمير إذا تألم الحقير, ويفرح الحقير إذا فرح الأمير.

سوَّى الإسلام بين كل مسلم وأخيه، فلا فرق بين الهاشمي والعجمي إلا بتقوى الله تعالى، ولكل مسلم قسط من الوطن العزيز، لا فرق بين الحر والعبد، قال J: (المسلمونَ تتكافأُ دماؤهُم ويسعى بذمَّتِهم أدناهُم ويردُّ عليهم أقصاهُم وهم يدٌ على من سواهم) “أخرجه أحمد والنسائى”.

وقد ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب 0 قال: (أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا)، يعنى بلالاً، فأثبت أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب 0 أن بلال سيده، وإذا كان بلال سيد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فهو سيد من عداه بالأوْلَى، 4.

وكفى المسلم فخرًا – بعد العلم بالإسلام – أن يكون وطنه الإسلام؛ لأنه بالمحافظة عليه يسعد السعادتين: سعادة الدنيا والآخرة؛ لأن العمل بالإسلام قوة لسلطان المسلمين, ونشاط لأبدانهم, وشجاعة لقلوبهم, وعزة لنفوسهم وجمال لأخلاقهم, وبهجة لأرواحهم, وصفاء لوقتهم.

وكيف لا؟‍!؛ والمسلم خزانة المسلم وكنزه حيث كان وأين كان, وسمعه وبصره وسيفه ورمحه, يحافظ المسلم على تجارة أخيه, ويعكف بنفسه على صناعته, ولا يأخذ إلا منه, ولا يستعمل غيره في حوائجه, لأن المسلمين رياض يانعة لبعضهم, وأشجار دانية الجني لكل فرد منهم, فيكون الإسلام هو الوطن العزيز, والمسلم هو الأخ الشفيق والشقيق.

ولذلك لما خُير المسلمون الأوائل بين الوطن المجازي الصغير وبين الوطن الحقيقي الكبير اختاروا الوطن الحقيقي وهو الإسلام كما قال تعالى: )لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( (الحشر: 8 – 10).

نتائج العلم بحقيقة الوطن:

يخاطب الإمام أبو العزائم المسلمَ فيقول: أنت أيها المسلم – وحقِّكَ – كنت أسعد الخلق طرًّا مذ كان الإسلام وطنك, كانت تنحني لك الرؤوس التي عليها التيجان رهبة مذ كان الإسلام وطنك, لم يكن ذلك لخصوص الأمير من المسلمين, بل – واللهِ – كان أيضًا لتاجر حقير في بلاد غير إسلامية.

كنت أيها المسلم إذا انتقلت إلى بلاد غير إسلامية؛ نُبِّه على العامة والخاصة أن يمسكوا ألسنتنهم, وأن يغضوا عنك أبصارهم, وأن يحتفلوا بك لتنشر عنهم الخير في بلادك, لم يكن ذلك إلا لأن وطنك الإسلام, وأنك تمثل جمال الإسلام وكماله بالوجه الأكمل، فكنت وأنت منفرد كجيش خميس, تهتز له رؤوس أهل التيجان.

تذكر أيها المسلم هذا المجد الذي كنت فيه مذ كان وطنك الإسلام, أيام كان العالم أجمع: إما أهل جزية؛ أو أذلاء أهل موالاة.

لم أقل هذا جهلاً بسابق حالنا, ولا رجمًا بالغيب عن حقيقة أمرنا، كان الصيني يلقى المراكشي فإذا قال: السلام عليكم, بش في وجهه فرحًا بسماع الكلمة الإسلامية, وضمه إلى صدره, وأسرع به إلى بيته, وفتح له خزائن المسلمين التي فى بيته وقال: هذا مالي مباح لك خذ منه ما شئت, فيقول له أخوه المسلم: بارك الله فيك أخي؛ عروض تجارتي خارج البلد وفيها كذا وكذا دينارًا, فانصرف معي وتسلمها أمانة, واقض حاجتك منها إن شئت, ثم ينصرف إلى وطنه وقد ترك حاجته عند أخيه المسلم, مطمئنًّا قلبه على ماله, مسرورًا بحسن عمله.

كانت كلمة: (السلامُ عليكم) توجب على سامعها بَذْل المال والنفس في النصرة والتأييد, ما ذلك إلا لأن الوطن كان الإسلام.

بلغ المسلم – مذ كان الإسلام وطنه – مبلغًا من العزة بالله تعالى حتى صار إذا سأل الله لباه واستجاب له, وإذا دعاه الله إلى خير سارع لمراد الله, فجعل اللهُ الأرضَ ميراثًا للمسلمين, فلم يبق بحر ولا بر إلا وللمسلمين فيه سلطان, وكل ملوك الأرض أذلاء لهم حين كانت ملائكة السماء تطيعهم لأنهم أطاعوا الله.

كانت الجيوش الإسلامية في عهد الصحابة تخوض عباب البحار العظيمة, وتمخر السفن الحربية الإسلامية في مياه البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندى, ففتحوا أكثر الجزائر المنتشرة بتلك البحار, وانحدروا كالسيل المنهمر إلى مياه القسطنطينية, وهاجموها حتى كادت تفتح أبوابها.

ولم يكن ذلك العز للمسلمين فقط، بل يتعداهم لغيرهم ممن يسكنون على هذه البسيطة، فقد نال أهل ذمتنا من سلفنا الصالح النجاة من ظلم الرومان والفرس، وعاشوا أحرارًا في بلادهم، أحرارًا في دينهم، أحرارًا في معاملتهم، محفوظة دماؤهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحق عدل من حقوق الله تعالى.

يحفظ المسلمون ثغورَهم وزراعتَهم وصناعتَهم وتجارتَهم، ويدفعون الأعداءَ عنهم، وهم آمنون في أوطانهم، متمتعون بالمسرات بين عشيرتهم، وهم القليلون عَددًا وعُددًا، ومع ذلك فكل واحد منهم يتمتع بما يتمتع به أشرف المسلمين نسبًا وأرفعهم قدرًا.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.