غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (13)

غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (13)

islam wattan . نشرت في المدونة 17585 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

بقية: الإسلام وطن والمسلمون جميعًا أهله

انتشر الإسلام بالأخلاق لا بالسيف:

اشتكى قبطيٌّ أميرَ مصر – عمرو بن العاص – لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب 0؛ أنه لطمه على وجهه، فأحضر الأمير في الحج الأكبر، وأمر القبطي أن يلطمه كما لطمه على وجهه أمام المجتمع، ونادى بأعلى صوته: إن الناس ولدتهم أمهم أحرارًا فبم استعبدتموهم؟!.

وكان المسلم إذا سكن جاره واحد من أهل الذمة، أمر المسلم أن لا يبني حجرات فوق بيته سترًا لعورات جاره من أهل الذمة حتى يبنى جاره.

ونتيجة ذلك أن سارع الناس في الإسلام حبًّا فيه لما رأوا السلف الصالح متمسكين به ظاهرًا وباطنًا، وقد انتشر الإسلام في أقل من عشر سنين في قارتي آسيا وأفريقيا كانتشار أشعة الشمس عند شروقها.

ولعل مخادعًا يقول: انتشر بالسيف والحَيْف.

فنقول له: إن السيف الإسلامي إنما سُل على أهل الظلم الذين سلبوا حرية بني الإنسان – من الروم والفرس – وإلا فالسيف الإسلامي لم يُسل على رجل من آسيا وأفريقيا، وإنما سُل على الظلمة المغتصبين الذين أفسدوا البلاد، واستعبدوا العباد، فطهر الأرض من ظلمهم وجورهم، وأبدل بالظلم عدلاً، وبالغطرسة فضلاً، وبالجور رحمة، حتى عاش الإنسان بالإسلام والمسلمين في صفاء وهناء.

نتائج الجهل بحقيقة الوطن:

إن من جهل حقيقة الوطن فحكم أن الوطن هو الأرض التي يسكنها جهل حقيقة الخيرات, فبذل ما في وسعه لسلامة بدنه ولجمع الأموال والتمتع باللذات؛ وزيف كل ما من شأنه أن يمنعه عن عمل هواه, ومال أن يكون مكرمًا معظمًا, والسعادة العظمى عنده أن تتوفر كل تلك الآمال.

وهذه هي السعادة المنشودة لمن قلدوا الإفرنج ممن شـاكلوهم في النفس والأخلاق, وعدم توفر تلك الرذائل عندهم هو الشقاء كالمرض في الأبدان, وقلة المال, وعدم التمتع باللذات, وأن لا يكون منفذًا لهواه.

وهؤلاء القوم لذتهم التمتع باللذة من المأكول والمشروب والمنكوح, وقتل الوقت بالهزل واللعب من كل وجه ومن كل نحو, وهكذا ينحط الإنسان حتى تكون قيمته أقل من البهيم الأعجم لجهله بالخيرات الحقيقية والسعادة الأبدية, كل ذلك لجهله بالوطن الحقيقي.

ولما أن جهل المسلمون الوطن الحقيقي وحقوقه؛ غرهم الحظ والهوى, وخيل لهم الشيطان أن وطن كل جماعة الأرض التي يسكنونها, ودعتهم الجهالة والضلالة إلى أن كل فريق يسعى في إذلال جاره ليكون له السلطان والقوة, ويجهل أنه قطع عضوًا قويًّا من أعضائه التي يدفع بها ألدّ عدوّ من أخصامه الذين يتربصون به الدوائر, حتى بلغت الجهالة بأهل الحظوظ الذين أعماهم الهوى عن حقيقة الخير والسعادة إلى أن استعانوا بأعداء الإسلام على بتر أعضائهم العاملة, وإضعاف قوتهم الدافعة, وإذلال إخوتهم المؤمنين..

انتهز أعداء الإسلام تلك الفرص, وبذلوا النفس والنفيس لخديعة أدعياء الإسلام الذين أضلهم الله على علم, وسعوا ليهلكوا أنفسهم وهم يظنون أنهم ساعون للسعادة, والحقيقة أنهم هاوون في مهاوي الهلاك والخزي.

وإلا فأين مسلمو الأندلس وجزائر البحر الأبيض المتوسط ومقدونيا وبلونيا وشمال آسيا؟‍‍!.

وأين قوة سلطان الهند وأنوار مراكش والجزائر وتونس وطرابلس؟!.

وأين معاهد العلم التي كانت مشرقة بأنوار القرآن والسنة؟‍!.

وأين تلك المساجد التي كان يُذكر اللهُ فيها؟‍! )يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار ُلِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ( (النور: 36 – 38).

ها هي مراكش قام أميرها فقلد الإفرنج وحبس أخاه طمعًا في الإمارة, واستعان بفرنسا فأمدته بالمال والسلاح, فتفرقت الكلمة, فبذل ما في وسعه حتى سفك دماء رعاياه, وأضعف قوته, وكيف لا وقد بتر أطرافه ومزق أعضاءه؟!‍.

فخرج عليه أخوه في مجتمع, فتقابل المسلمون بالمسلمين حتى صارت الدماء أنهارًا, وضعفت القوة, وضاعت الحرمة, وآل الأمر بتمكن العدو منهم, وإطفاء تلك الأنوار الإسلامية, ومحو العزة الإيمانية.

وهكذا قام والي الجزائر وتونس؛ فطمع كل واحد منهما أن يكون ملكًا مستقلاًّ, واستعان بمن يسرهم ضعف قوة المسلمين ومحو الإسلام, وحصل ما تعلمه – أيها الأخ الصالح البار – من محو سلطان المسلمين.

وبطون التاريخ الناطقة بالحق المبينة للحقيقة شاهد عدل, ولسان صدق يعرفك يا أخي كيف حجبت تلك الشمس المشرقة على كل الآفاق الأرضية, وكيف أصبح أهلها يتيهون في ظلمات لا يهتدون، يرون أن أعداءهم على الحق وعلى النمط الأوسط, وينتظرون العزة بالسير على منهجهم!.

نعم, أنتجت تلك الضلالات والجهالات ما أصاب الإسلام والمسلمين, بتغير أرض طهرها الصحابة والسلف الصالح من الكفر والظلم بدمائهم الزكية الطاهرة, وأنفسهم الملكية المنزهة, وجعلوها أرضًا مطهرة بالنور والحق مباركة بالعدل, مجملة بالمساجد والعبادات والعلم, ومشرقة بأنوار الإسلام, يفرح الملائكة بما يصعد إليهم من خالص الأعمال وجميل الأحوال, ويضيء الملأ الأعلى بما يصعد إليه من صور أعمالهم, وأنوار تسبيحهم وتهليلهم وتقديسهم لذات الله.

صارت تلك الأرض – بعد نورها – مظلمة بالكفر بالله وعبادة غيره؛ والعمل بغير كتابه, جدبة من مساجد الله, خربة من العمل لله, تتصعد منها ظلمة القبائح والرذائل فتستجير إلى الله مما حلَّ بها, وتشكو إليه سبحانه سوء فعل من صيرها قرارة كفر وبؤرة فساد وضلالة, وتشكو إلى أشلاء مباركة ضمتها كانت تطيبها بخير الأعمال, وأرواح مطهرة قضت على تلك الأرض أوقاتًا في صفاء مع الله وعمل لوجهه الكريم, ولا تزال أنة حزنها وضجة بكائها تصغى إليها القلوب الموقنة, وتنفطر لها النفوس الطاهرة.

وها هي الأندلس وجزء جزيرة البلقان وشمال آسيا وجنوبها وأكثر سواحل أفريقيا أصبحت مغبرة الأرجاء؛ لأن أرضها تغيرت وتغير مَن عليها, وكيف لا؟!؛ وقد قاد الطمع مَن فيها حتى طمع كل أهل قطر أو مجتمع أن يستقل بنفسه وينفصل من المجتمع الإسلامي, وعملوا بهذا الغرور أعمالاً جاهلية.

فكان ذلك موجبًا لسخط الله عليهم ومقته سبحانه لهم, فسلط عليهم من مَنَّوْهُمْ بنيل الاستقلال وأغروهم على معاداة إخوتهم والخروج على إمامهم, حتى فرَّقوا الجماعة وأضعفوا كل فريق, ثم اغتالوهم وغيَّروا معالم الحق، ومحوا أنوار الإسلام, وجعلوا أعزة القوم أذلة, وذلك جزاء من اتخذ عدوه صديقًا.

كل ذلك للجهل بالوطن الحقيقي الذي يجب أن يبذل المسلم لحفظه النفس والنفيس, وللذود عنه كل غال ورخيص.

وليس بمسلم من سعى ليعز نفسه؛ أو ليؤسس له ملكا أو مجدًا بعدواة أخ مسلم أو جماعة المسلمين فاستعان بأعداء الدين؛ لأنه بعمله هذا يجر شرًّا يُذهِبُ بشراره نور الإسلام؛ وضررِه سلطان المسلمين, نعوذ بالله.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.