غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (11)

غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (11)

islam wattan . نشرت في المدونة 16310 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

الإسلام وطن والمسلمون جميعًا أهله

بعد أن تناولنا بيان مفهوم الدين – والذي بمعرفته وبالعمل بمقتضاه ينهض المجتمع ويكون في عز؛ وبالجهل به يكون آلة للتسلط والتحكم في مصائر العباد باسم الدين -، كما أوضحنا مفهوم النسب الحقيقي الذي ينال به المسلمون مجدهم وتُحفظ لهم عزتهم، ويكون كل مسلم أخًا لكل مسلم؛ لأنه يشترك معه في العقيدة

والدين والوالد، فوالدهم سيدنا رسول الله J وأزواجه أمهاتهم؛ قال تعالى: )النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ( (الأحزاب: 6).

وبعد هذا البيان بقي أن نعرض لمفهوم “الوطن”؛ وهو العامل الثالث بعد الدين والنسب.

حال المسلمين اليوم:

إذا نظرنا إلى المسلمين اليوم نجد أنهم متنازعون متفرقون متشرذمون، تتباين أحوالهم بحسب القطر الذي يعيشون فيه؛ فمنهم من يعيش في رفاهية وسعة، ومنهم من يعاني الفقر والحرمان، ومنهم من يقاسي الذل والاحتلال، ومنهم من تقطع أوصاله، ومنهم من يشرد ويطرد من داره، ومنهم من يرمي بنفسه في أحضان عدوه، ومنهم من يخوض حربًا تدور رحاها بين المسلمين وبعضهم، ومنهم، ومنهم…

والسؤال هنا: أليس لهؤلاء وطن ينتمون إليه، ويحتمون به، يحفظ جمعهم، ويلم شعثهم،

ويرتق فتقهم، يأمنون فيه على دينهم وأنفسهم وعقلهم ومالهم ونسلهم؟!.

والإجابة: نعم، لهم وطن، ولكنهم جهلوا معناه الحقيقي، فعاش كل منهم مشغولاً بنفسه عن غيره، يقول المسلم بمياه الهند: لا يهمني إلا نفسي ووطني, وأخوه المسلم بمراكش أو بمصر أو ببخارى يتألم من مرض ألم به في صلب المجتمع الإسلامي, فلا يحس بمرضه لسكـره بخمرة الغـرور,

لنومة قلبه بالجهالة, فما يشعر إلا وقد سرى المرض إليه فندم, ولات حين مَنْدَم.

لذلك كان لا بد من أن نتنبه إلى المفهوم الحقيقي للوطن وحقوقه ووسائل عزه ورفعته وسعادة أفراده، فمن عرف المعنى الحقيقي للوطن تولد عنده الانتماء إليه؛ ونشأت عنده طاقة إيجابية تحثه على العمل والإنتاج والتفاؤل رغم كل الأزمات، وصولاً إلى غايتنا المرجوّة وهي: إعادة المجد الإسلامي الذي فقده المسلمون.

تعريف الوطن:

عرَّفَت معاجمُ اللغة العربية الوطنَ بمعان عديدة؛ منها: الوَطَنُ: مكانُ إِقامةِ الإِنسان وَمقَرُّه وإليه انتماؤه؛ وُلد به أَو لم يولد، يقال: وطَنَ فلانٌ بالمكانِ: أقام به؛ سكَنه وألِفه واتَّخذه وطَنًا، والوَطَنُ الأمُّ: الوطَن الأصليّ؛ مَوْضعُ الولادة؛ وَطَنُ المولد، وجمع وطن: أَوْطَانٌ.

وقيل إن تعريف الوطن شيء وجداني يميل إلى العاطفة أكثر من العقلانية، وتتخلله بعض الخصائص التي ترتكز على الحب وما يتضمته من الاحترام والانتماء والفخر.

والبعض يرى أن الوطن هو المكان الذي يحس فيه المرء بأن له حصة من خيره؛ ولا يشعر فيه بالتهميش أو الظلم.

والبعض اقترب من لب الحقيقة فذكر أن الوطن عبارة عن علاقة بين الجغرافيا والتاريخ؛ وهو الحضارة وإبداع الإنسان عبر القرون، يقول أبو تمام:

بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا

بالـرقمتين وبالفسطاط إخواني

كما نشأ مصطلح “الوطن العربي” كدعوة إلى القومية العربية في وطن يمْتَدُّ مِنَ الخَلِيجِ إِلَى الْمُحِيطِ، وللأسف فإن ذلك لا يسمن ولا يغنى من جوع، فليس هناك وحدة عربية، ولا دفاع عن حق عربى.

مفهوم الوطن عند الإمام أبي العزائم:

يبين الإمام المجدِّد السيد محمد ماضي أبو العزائم قُدِّس سِرُّه أن الوطن ليس مجرد مكان يسكن فيه الإنسان أو ينشأ على أرضه.

بل إن الوطن هو: ما يؤويك آمنا في سربك, مُعَافى في بدنك, ميسرًا لك قوتك, سواء كان محل مولدك أو دار هجرتك.

وقد جهل الناس فظنوا أن الوطن أرض سقط رأس الإنسان فيها وتربى عليها, نعم, هي وطن مجازًا، لأن كل إنسان يغالي في حب تلك الأرض إذا سمع بأن أرضًا أخرى يمكنه أن يحصل فيها على الكماليات؛ فارق تلك الأرض منشرح الصدر بمفارقتها, قرير العين بالبعد عنها, واستبدل بها غيرها – ولو أسِنَ ماؤها واكفهر جوها ورعن هواؤها -.

فلو أن الوطن الذي ندافع عنه ونغار عليه تلك الأرض الغبراء، والسماء الزرقاء، فما بالنا نركب همة العزيمة إلى النأي عنه لطلب الكمال مع تيسير الضروري بوطننا وزيادة؟!.

الأرض لله يورثها من يشاء من عباده:

لقد كان التهديد في الأرض للأنبياء من أقوامهم، فكان الجواب: )إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( (الأعراف: 128).

هذا سيدنا نوح A فارق أرضًا ولد بها ودعا على أهلها فأغرقهم وهاجر إلى غيرها.

وهذا سيدنا إبراهيم A هاجر من أرض ولد بها, وعادى أقرب الناس له, وخرج مهاجرًا إلى الله.

وهذا سيدنا إسماعيل A هجر أرضًا ولد بها.

وهذا سيدنا يعقوب بن إسحاق A هاجر مع أبنائه إلى مصر, ولم تكن وطنًا لأجداده من قبل.

وهذا سيدنا موسى A عادى من رَبَّاهُ, وأهلكه الله على يده وأهلك أهل أرض تربى معهم عليها, وفارقها كارهًا لها, فرحًا بأرض هاجر إليها.

وهذا المسيح A هاجرت به أمه وفارق أرضًا ولد فيها.

وهذا سيدنا رسول الله J وأفضلهم على الإطلاق عاداه قومه فهاجر من بلد الله وبلد خليل الله ودعا عليهم، فكانت عليهم سنين, ثم أقام بالمدينة هو وأصحابه ممن ولدوا بمكة وتربوا بها – وهي حرم الله ومسكن أنبياء الله وبيت الوجهة العظمى للصلاة -؛ فكانت المدينة لرسول الله J أروح لنفسه, وأحب إلى أصحابه، وقال J: (اللهمَّ حَبِّب إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدّ، وصحِّحْها وبارِكَ لنا في صَاعِها ومُدِّها وانقل حُمَّاها فاجعلها بالجُحْفَة) “البخاري ومسلم” “حُمَّاها؛ أي: وباءها وشدتها”.

وقد أبطل الله تهديد المشركين للمؤمنين بإخراجهم من ديارهم، فوعد المؤمنين بأنه يورثهم الأرض، قال سبحانه: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا( (النور: 55) قيل: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها.

وعن ابن عباس في قول الله تعالى: )وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ( (الأنبياء: 105) قال: أخبر سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض؛ أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض، ويُدخلهم الجنة، وهم الصالحون.

قيل: هي الأرض التي تجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.

وقيل: هي الأرض يورثها الله المؤمنين في الدنيا.

وقيل: إنها أرض الأمم الكافرة؛ ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.