غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (11)

غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (11)

islam wattan . نشرت في المدونة 15781 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

بقية: التعصب للنسب الإلهي به عزة المجتمع

استكمالاً للمقال السابق نقول: وبالنسب الإلهي يحقق الله وعده كما قال تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا( (النور: 55)، فأخبر سبحانه بما أعده للجميع من الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدين لهم، فجعل

هذا الفضل كالخير الذي يمنحه الوالد لأولاده الذين هم في رتبة واحدة؛ من النسب الذي به نيل الخير في الدنيا مجدًا وعلوًّا في الأرض بالحق؛ والفوز بفردوس الله الأعلى يوم القيامة.

وقد وصف I المنتسبين المتجملين بهذا النسب بصفة العزة التي هي صفته تعالى، ونفاها عن الذين ادعوا هذا النسب فأظهروه على جوارحهم وأخفوا الكفر في قلوبهم بجعلهم أذلاء ونفى العلم عنهم؛ قال تعالى: )يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ( (المنافقون: 8): وصف المؤمنين بالعزة، وأنهم يخرجون الأذلاء من المدينة لنفاقهم، وأثبت الجهل لمن فارق هذا النسب بقلبه، وهذه هي العزة بعينها التي يجمل الله بها كل من عمل بهذا النسب.

والمتصل بالنسب الرُّوحاني المحمدي متصف بقوله تعالى: )يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( (الحشر: 9)، وهذه الآية الشريفة تدل على أن نسب الإسلام أقوى من نسب الأبوة؛ لأن الإنسان إذا ضاق به الحال في بلد غربة هاجر منها إلى أخرى فيها والده أو ولده، فإذا وصل إليها محتاجًا لا يجد ما يسره لدى أقاربه، ولكن المسلم إذا هاجر من أرض الأعداء إلى إخوانه المؤمنين؛ يكون منشرح الصدر بهم، ويكونون له فوق ما هو لنفسه كما أخبر الله عنهم بقوله تعالـى: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ).

ورجل يؤثرك على نفسه أقام الحجة على أنك أحب إليه من نفسه، فتكون أحب إليه من والديه وأولاده، لا يتحقق هذا الحب والإيثار إلا بالنسب الإسلامي، ومن آثرك على نفسه كيف لا يتعصب لك تعصبًا ببذل ماله قبل مالك، ودمه قبل دمك؟.

وإذا كان هذا تعصب المسلم للمسلم، فكيف يكون تعصبه لدين الله تعالى؟، وبالتعصب صار كل مسلم سيدًا غنيًّا قويًّا، فالتعصب للإسلام كالأعصاب للجسد، فلا تماسك للجسد إلا بالأعصاب، كما لا حفظ للإسلام إلا بالتعصب له من مجتمعه الذي يمثل حقيقة الأخوة.

هكذا كان سلفنا الصالح مذ كان الإِسلام نسبهم، ومن قَرَّبه الإِسلام قريبهم، ومن أبعده الإِسلام عدوهم، لا فرق بين الشريف الهاشمي والوضيع العجمي؛ عملاً بقوله تعالى: )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ( (الحجرات: 13)، وكل من كان هو أكرم عند الله من غيره؛ فهو أكرم من باب أولى عندنا ولو كان غلامًا عجميًّا.

الفرق بين العصبية للإِسلام والعصبية في الإِسلام:

لقد أكد سيدنا رسول الله J بالنص الصريح فقال: (لا عصبيةَ في الإِسلامِ)، يؤيد ذلك الحديث الشريف الذي رواه أبو داود في مسنده: (ليس مِنَّا مَن دعا إلى عصبيَّة، وليس مِنَّا مَن قاتل على عصبيَّة، وليس مِنَّا مَن مات على عصبيَّة)، وليس مدلول كلامه J نفي التعصب مطلقًا، وهذا ما لا يقول به طفل من أطفال المسلمين، فإن صريح لفظ الحديث الشريف لا يحتاج إلى توضيح، وذلك لأن مدلول: (لا عصبيةَ في الإِسلامِ) معناه أن العصبية يجب أن تكون للإِسلام لا في الإِسلام، فإن العصبية في الإِسلام تفرقة لجماعة المسلمين.

دليل ذلك قوله J لرجل فارسي من الصحابة في غزوة من الغزوات عندما قال للمشرك: خذها وأنا الفتى الفارسي، فغضب رسول الله J وقال له: (هَلاَّ قلتَ: وأنا الفتى الأنصاريّ)، قال له ذلك عليه الصلاة والسلام وقد رُئِيَ الغضب الشديد في وجهه الكريم مما جرى على لسان ذلك القائل بكلمته التي هي عين التفرقة، وما ينبغي لمسلم إلا أن تكون دعواه للإِسلام وكل ما يدعو إلى الاتحاد والوئام.

وهذا الحديث الشريف المتقدم أساس من أسس الدين القويم يجلي لنا الحقيقة؛ وهي قوله J: (المسلمُ أخو المسلمِ) أي: أن الأنساب والأحساب والعصبية للآباء والقبائل محيت بالإسلام، وصار التعصب للإسلام، والشرف بالإِسلام، والإِسلام هو النسب والحسب، بدليل قوله J: (كُلُّ نسبٍ منقطعٌ إلا نسبي)، فهذا الحديث الشريف حجة ونص ظاهر في وجوب التعصب بقوله: (إلا نسبي)، فهو الذي يتعصب له تعصبًا تقوى به كلمة الله، وتحيى به سنن رسول الله، ولا يحسن التعصب للنسب الجسماني إلا إذا كان شرف هذا النسب بسبب الدين، كتعصب المسلم لنسب مولانا الحسن أو الحسين، أو تعصبه للأنصار أو الخلفاء الفاتحين فيكون تعصبًا للدين.

وكلما كان المجتمع متعصبًا للدين، غيورًا على العمل بوصاياه، حريصًا على القيام بأوامره؛ عمت الخيرات جميع أفراد المجتمع، وانتشرت الصناعات والعلوم والفنون، وفتحت كنوز الأرض وخزائنها، وفتحت أبواب السماء بالغيث النافع للزرع والضرع، حتى يعم الخير كل ذي كبد رطبة من الحيوانات ومن المجتمعات التي ليست بمسلمة، فيكون التعصب للشريعة الغراء هو في الحقيقة الخير الحقيقي المقصود للكل.

سعادة المجتمع الإسلامي سر الاجتماعات الدينية:

لما كانت الخيرات والسعادات الحقيقية لا تنال إلا بحصول الحب والأنس، والتعاون الحقيقي الموجب لأن يؤثر كل فرد أخاه على نفسه في الخيرات والسعادات معتقدًا أن ذلك هو الخير له، ولا يكون ذلك الحب والأنس والإيثار إلا بالعمل بأحكام السنة والكتاب، والغيرة على إقامة حدودهما وإحياء آدابهما وجمالهما، ونشر أنوارهما بين المجتمع بغيرة عن رحمة وشفقة وحب خالص لنجاة العالم؛ من ذلك تعلم سر الاجتماعات الدينية.

فقد ندبنا إلى الاجتماع، لأن الله تعالى أمرنا بالاجتماع في اليوم خمس مرات، وأمر أهل المدينة جميعًا بالاجتماع في كل جمعة مرة في صلاة الجمعة، وأمرنا بالاجتماع في كل سنة مرتين في صلاة العيدين، وباجتماع جميع أفراد المسلمين في العمر مرة في الحج، وجعل ذلك فرضًا واجبًا وحكمًا لازمًا، قيامًا بواجب مقدس علينا لذاته العلية أولاً، ثم ليحصل الحب والأنس والألفة بين أعضاء الجسد الواحد، فتتصل جميع أعضاء الجسد بالقلب، ويتصل القلب بجميع أعضاء الجسد، والقلب هو الخليفة الأعظم أو نائبه، وأعضاء الجسد جماعة المسلمين، وتكون هذه الاجتماعات كلها كتطهير لكل عضو حتى يقوم بالواجب عليه لبقية الأعضاء، ابتغاء مرضاة الله تعالى، ونيلاً لفضله ونعمته.

وبذلك يكون كل مسلم – أين كان وكيف كان – لكل مسلم كاليد لليد، والعين للعين، والأذن للأذن، بل ويكون كل مسلم للمجتمع الإسلامي كاليد للجسم، وكالعين للجسم، وكالأذن للجسم، ويكون المجتمع الإسلامي لكل فرد من أفراد المسلمين كمجموع الجسم للعين.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.