الأخلاق طريقك إلى الجنة 1/ 2

الأخلاق طريقك إلى الجنة 1/ 2

islam wattan . نشرت في المدونة 5048 لاتعليقات

إن الهدف الأساس من بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام، هو توجيه الإنسان نحو الخير، وإصلاح شخصيته، وبناء ذاته، وتقويم سلوكه ووجدانه؛ لذا كانت الأخلاق هدفًا أساسيًّا فى دعواتهم، ومعلمًا بارزًا من معالم رسالاتهم، قال تعالى: )وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ( (الأنبياء: 73)….

سماحة السيد علاء أبو العزائم

الأخلاق طريقك إلى الجنة 1/ 2

إن الهدف الأساس من بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام، هو توجيه الإنسان نحو الخير، وإصلاح شخصيته، وبناء ذاته، وتقويم سلوكه ووجدانه؛ لذا كانت الأخلاق هدفًا أساسيًّا فى دعواتهم، ومعلمًا بارزًا من معالم رسالاتهم، قال تعالى: )وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ( (الأنبياء: 73).

ولقد كان الرسول الكريم J المثل الأعلى فى الأخلاق والاستقامة، وحسن التعامل مع الناس، وحب الخير للجميع لذلك وصفه القرآن الكريم بقوله: )وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ( (القلم: 4).

وكم دقيق ودال على أهمية الأخلاق فى الرسالة الإسلامية ما ورد عن الرسول الهادى سيدنا محمد J من قول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(1).

ليوضح أن أهداف رسالته وبعثته إنما تتركز فى تحقيق مكارم الأخلاق وإصلاح النفوس وتزكيتها حتى تتحلى بالصدق والأمانة، والحب، والرحمة، والعدل، والحلم، والكرم، والشجاعة، والإخلاص، والوفاء.

وتخليص الإنسان من مساوئ الأخلاق ورذائلها، كالكذب والغش، والخيانة والغيبة، والبهتان والنميمة، والنفاق والرياء، والبخل وسوء المعاشرة، والحقد والحماقة، والسخط.. إلخ؛ لأنها من أسباب سقوط المجتمع وشقاء الإنسان وتعاسته، لذلك يقول الرسول الكريم J: (من ساء خلقه فقد عذب نفسه)(2)، وعلى أساس هذه التربية الأخلاقية شاد الإسلام دعوته إلى حب الخير للجميع، ونداءه لتحقيق الخير للناس، كل الناس لذلك يحث الرسول الكريم J المسلمين على فعل الخير ويدعوهم إليه، ويحذرهم من الشر، وينهاهم عنه، وقد ورد في الأثر: (خير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله)(3). وقال J: (الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله أحسن الناس إلى عياله)(4).

كل ذلك لإشادة وبناء المجتمع الإنسانى على أساس الخير، وحسن الخلق، وليكون مجتمعًا نظيفًا من الشر والرذيلة، وسوء الخلق، ذلك لأن الأخلاق، وحب الخير هى ميزة من أبرز ميزات الإنسان، وسمة من أهم سمات الحضارة الإسلامية، وقيمها المقدسة.

وأن إنسانية الإنسان لا تكتمل إلا بالأخلاق الفاضلة، وحب الخير، والسعى نحوه، وتعتبر الأخلاق فى الإسلام الركن الأساس فى بناء الأسرة، والدولة والمجتمع، وبالأخلاق يرتبط القانون والسياسة والاقتصاد.. إلخ، ارتباطًا وثيقًا.

فالأخلاق فى الحياة الإسلامية كالماء فى خلايا النبات، تملؤها جميعًا وتمنحها الحياة، والنمو والنضارة والجمال.

الأخلاق ومكارم الأخلاق:

عندما لخص رسول الله J سبب بعثته لم يقل: (إنما بعثت لأتمم الأخلاق)، بل قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فالأخلاق تنقسم إلى فاضلة وهي تعني مقابلة الحسنة بالحسنة، وغير فاضلة وتعني مقابلة السيئة بالسيئة، لكن مكارم الأخلاق تعني مقابلة السيئة بالحسنة، ومن ذلك قوله J: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ)(5)، وقوله J: (أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرة)(6).

مدح المصطفى J بخُلقه[i][ii][iii]

عُرِفَ النبي J قبل البعثة بين قومه بصدقه وأمانته، حتى لُقِّبَ بالصادق الأمين، ولم يَرِدْ فى رواية ولو مكذوبة: أنه فعل منكرًا قط؛ لأنه معصوم من ربه.

فكان تجمله بمكارم الأخلاق علامة مميزة له J، وقد دلَّ على ذلك قول السيدة عائشة 1 لما سئلت عن خلق النبي J قالت: (كان خلقه القرآن)([iv])، والله يقول جل وعلا: )وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ( (القلم:4) فكان خلقه J العمل بما دل عليه القرآن، والاجتهاد فيما دل عليه القرآن، ودعا إليه من فعل الأوامر وترك النواهي، والإكثار من ذكر الله واستغفاره والتوبة إليه، هذا هو خلقه J؛ لأن القرآن يدعو إلى هذا يدعو إلى فعل ما أمر الله وإلى ترك ما نهى الله، وإلى كثرة الذكر والاستغفار والتوبة والاعتبار بالماضين، فهكذا كان J يكثر من ذكر الله ومن الاستغفار، ويأتي الأوامر ويدع النواهي.

عن النواس بن سمعان 0 قال: سألت رَسُول اللَّهِ J عن البر والإثم. فقال: (البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)([v]).

وعن أبي هريرة 0 قال، قال رَسُول اللَّهِ J: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم)([vi]).

وقال J: (إِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)([vii]).

وقد روي أنه (جاء رجل إلى رسول الله J فقال يا رسول الله ما الدين؟ فقال حسن الخلق)([viii]).

الأخلاق الفطرية والمكتسبة

تقسم الأخلاق إلى قسمين رئيسيين: فطرية ومكتسبة، فبعض أخلاق الناس أخلاق فطرية، تظهر فيهم منذ بداية نشأتهم، والبعض الآخر من أخلاقهم مكتسب من البيئة، ومن تتابع الخبرات والتجارب وكثرتها ونحو ذلك.

ويمكننا توضيح الفرق بينهما من خلال ما يلي:

الأخلاق الفطرية:

الأخلاق الفطرية: هي المعدن والجوهر بالنسبة لبنية الأخلاق الإنسانية. والمكتسبة: هي ما يدعم هذا المعدن ويزيده قوة وصلابة ويشع نورًا بين الخلق.

فالأخلاق الفطرية قابلة للتنمية والتوجيه والتعديل؛ لأنَّ وجود الأخلاق الفطرية يدل على وجود الاستعداد الفطري لتنميتها بالتدريب والتعليم وتكرر الخبرات، والاستعداد الفطري لتقويمها وتعديلها وتهذيبها.

وقد أشار القرآن للفطرة السليمة التي تدرك طريق الشر وطريق الخير في قوله تعالى: )وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ( (البلد: 10).

وأشار لها المصطفى J في قوله: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)([ix]).

وفي قول الرسول J: (الناس معادن) دليل على فروق الهبات الفطرية الخلقية، وفيه يثبت الرسول J أن خيار الناس في التكوين الفطري هم أكرمهم خلقًا، وهذا التكوين الخلقي يرافق الإنسان ويصاحبه في كل أحواله. فإذا نظرنا إلى مجموعة من الناس غير متعلمة ولا مهذبة، أو في وسط مجتمع جاهلي، فإنَّه لا بد أن يمتاز في نظرنا من بينهم أحاسنهم أخلاقًا، فهم خيرهم معدنًا، وأفضلهم سلوكًا اجتماعيًّا، ثم إذا نقلنا هذه المجموعة كلها فعلمناها وهذبناها وأنقذناها من جاهليتها، ثم نظرنا إليها بعد ذلك نظرة عامَّة لنرى من هو أفضلهم، فلا بد أن يمتاز في نظرنا من بينهم من كان قد امتاز سابقًا؛ لأنَّ العلم والتهذيب والإيمان تمدُّ من كان ذا خلق حسن في أصل فطرته، فتزيده حسن خلق واستقامة سلوك وتزيده فضلاً، ثم إذا جاء الفقه في الدين كان ارتقاء هؤلاء فيما فضلوا به ارتقاء يجعلهم السابقين على من سواهم لا محالة، وبذلك تكون فروق النسبة لصالحهم فضلاً وكرمًا.

الأخلاق المكتسبة:

السبب الأول لاكتساب الأخلاق هو العقل، ويستطيع الإنسان بعقله وإدراكه للأشياء من حوله اكتساب الأخلاق الحميدة والصفات الحسنة، كالأعرابي الذي قال: (ما أمر الدين بشيء وعرضته على العقل إلا وقبله العقل).

ولو ترك الإنسان لعقله لغلبه الهوى، ومن ثم فقد جاءت الشرائع من عند الله لتكميل الأخلاق وضبطها.

قال الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم:

فِطَرُ النُّفُوسِ تَقُودُهَا لِعَنَاهَا

وَاللَّهُ بِالشَّرْعِ الشَّرِيفِ هَدَاهَا

لَوْلاَ الشَّرِيعَةُ بَيَّنَتْ سُبُلَ الْهُدَىٰ

([x])ضَلَّتْ نُفُوسٌ فِي سَحِيقِ هَوَاهَا

الأخلاق في الإسلام

لقد تميزت الأخلاق في الإسلام بأنها عقلانية وذات شمولية ومتوازنة.

1- العقلانية:

مكانة العقل في الإسلام كبيرة، ومنزلته رفيعة، فهو مناط التكليف، ومن أعظم النعم والتشريف، وقد امتن الله به على الإنسان؛ لأنه يميز به بين النافع والضار، ويدرك به التكاليف الشرعية، ويتدبر به الآيات القرآنية، ويفهم به الأحاديث النبوية، ويجتهد به في أموره الدنيوية، فهو واسطة لا غنى للإنسان عنها في إدراك أمور دينه ودنياه، ولهذا، اعتنى الإسلام به عناية كبرى، نظرًا لأهميته.

قال رسول الله J: (إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِى الْحَرَامِ..)([xi])، وقد ترجم الأعرابي هذا الحديث بقوله: (ما أمر هذا الدين بشيء وعرضته على العقل إلا وقبله العقل، وما نهى هذا الدين عن شيء وعرضته على العقل إلا وقبله العقل).

2- الشمولية:

جاء في الحديث الشريف، قال رسول الله J: (صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)([xii]) وهذا الحديث الشريف بالنسبة للمسلم، منهج حياة كامل.

تقول الدكتورة إيمان عبد المؤمن سعد الدين: (هذا الشمول الذي يجعل الإسلام منه منهجًا كاملاً يشمل جميع مظاهر النشاط الحيوي للفرد والمجتمع وجميع علاقات الإنسان، وكافة جوانب حياته، وجميع جوانب ارتباطاته بالحياة والأحياء.

فالإسلام يشمل العقيدة والعبادات والقوانين والنظم والآداب للسلوك والأخلاق.

والأخلاق الإسلامية تستمد شموليتها من شمولية الدين الإسلامي ومبادئه، فهي بذلك تعنى بالجانب الروحي والعقلي والجسمي والخلقي والاجتماعي والجمالي، وهي عندما تتعهد هذه الجوانب بالتربية، فإنما تستهدف في الوقت نفسه تكاملها، وحركة نموها وتناسقها بحيث يصبح الإنسان الذي تعده متكاملاً في شخصية ذات نظرة شمولية للأمور في الحياة وما بعد الحياة)([xiii]).

فالأخلاق في الإنسان تشمل علاقة الإنسان بربه، من خلال التوجيه بالإخلاص في السر والعلانية، وعلاقة الإنسان بنفسه بأن يبتعد بها عن كل شي يغضب المولى عز وجل ويديم ذكر الله وطاعته، وعلاقته مع الناس بأن يلتزم بالفضائل كالصدق والوفاء والأمانة والإيثار والمحبة والأخوة.. إلخ.

كما تشمل الأخلاق الإسلامية جميع الناس (مسلمين وغير مسلمين)، كالوالدين الكافرين، والجار غير المسلم، ومن ذلك حديث: (كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالاَ: إِنَّ النَّبِيَّ J مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا)([xiv]).

ويروى أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ فِي أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ J يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»([xv]).

ولم تقصر الأخلاق على الإنسان فقط، بل تعدته إلى الحيوان، فعَنْ أبي هريرة أنَّ رَسُول اللَّه J قَالَ: بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئرًا فَنزَلَ فِيهَا فَشَربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه.

قَالُوا: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْرًا؟ فَقَالَ: “في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ([xvi]).

وقال J: (دخلَتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ ربَطَتْها، فلم تَطعَمْها، ولم تَدَعْها تأكلُ من خَشاشِ الأرضِ)([xvii]).

بل تجاوزت الحيوان إلى النبات، ومن ذلك سقي ابن عباس 0 لشجرة؛ لأنها أظلت رسول الله J.

3- التوازن:

قال الله تعالى: }وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ{ (القصص:77). وقال: )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{ (الأعراف:32). }وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى{ (القصص: 60). }كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى{ (طه: 81). }يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ( (الأعراف: 31). }يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ{ (البقرة: 168). }وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً( (الروم: 21).

تمتاز الرسالة الإسلامية بأنها رسالة وازنت بين الدنيا والآخرة، فدعت الإنسان إلى طلب العلم والإنتاج، والإعمار والتمتع بطيبات الحياة وزينتها، ورعاية جسده وغرائزه فيما يحل له ويليق بحاله كمؤمن لا إفراط ولا تفريط فى حياته.

فجعل العناية بشؤون الجسد المادية من الطعام واللباس والرعاية الصحية واجبًا على الإنسان فى بعض الأحيان. كما حبب إليه الزواج، بل وجعله واجبًا إذا أصبح ضرورة له. وأكد على جانب الاهتمام بالنظافة والرياضة وحفظ الصحة.

فقال الرسول الكريم سيدنا محمد J: (إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)([xviii]). وقال J: (إن الله جميل يحب الجمال)([xix]) وقال J: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)([xx]). وقال J: (علموا أبناءكم السباحة والرمي)([xxi]).

فى الوقت الذى دعاه فيه إلى العبادة والتقوى والاهتمام بعالم الآخرة، والتعلق بما فيه من جنات ونعيم. فربط بذلك بين الدنيا والآخرة، ولم يفصل بينهما، فأعمال الدنيا لها أثرها فى عالم الآخرة، وأعمال الآخرة لها آثارها فى الحياة الدنيا.

وقد وضح الرسول J مفهوم الموازنة بين الدنيا والآخرة بقوله: (ليس منا من ترك آخرته لدنياه، وليس منا من ترك دنياه لآخرته)([xxii]).

ولقد كانت شخصية الرسول J وسيرته العملية، المثل الأعلى فى الاعتدال، ومراعاة شؤون الدنيا والآخرة، فقد كان نبى الإسلام مبلغًا عن الله سبحانه، وداعية إلى الإسلام، ومجاهدًا فى سوح القتال، ورئيس دولة، ورجل مجتمع وحياة اجتماعية، وعابدًا وقديسًا متعلقًا بربه، ليس له نظير فى الأرض، ورب أسرة، يعتنى بهيئته وجمال منظره، وكان يعرف بعطره ورائحته الطيبة. فهو المثل الأعلى لكل مسلم على هذه الأرض، والمطبق للشريعة والمبادئ الإسلامية تطبيقًا نموذجيًّا.

البقية العدد القادم إن شاء الله تعالى

([i]) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ح5541، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2/102، والبيهقي في شعب الإيمان ح7048.

([ii]) رواهُ التِّرْمذيُّ، كتاب البر والصلة، باب معاشرة الناس، ح1987.

([iii]) جامع الأصول لابن الأثير 11/687.

([iv]) رواه الإمام أحمد في مسنده: حديث السيدة عائشة، ح24601.

([v]) رَوَاهُ مُسلِمٌ: كتاب البر والصلة والآداب، ح2553.

([vi]) رَوَاهُ التِّرمِذِي: كتاب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها، ح1162.

([vii]) رواه الإمام أحمد: مسند الكوفيين، ح 20831.

([viii]) إحياء علوم الدين للغزالي 4/1574 ح2421.

([ix]) رواه البخاري 3383، ومسلم 2638 واللفظ له.

([x]) ديوان ضياء القلوب للإمام أبي العزائم 18/62 قصيدة رقم 8591.

([xi]) رواه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، ح1599.

([xii]) رواه البخاري في صحيحه: كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم، ح1975.

([xiii]) الأخلاق في الإسلام للدكتورة إيمان عبد المؤمن سعد الدين ط 4 ص 102 – 103.

([xiv]) رواه البخاري (1312).

([xv]) سنن الترمذي – البر والصلة (1943).

([xvi]) رواه البخاري ح2363، ومسلم ح2244.

([xvii]) رواه البخاري ح3318.

([xviii]) سبق تخريجه.

([xix]) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، ح91.

([xx]) رواه الترمذي في سننه: كتاب الأدب، ح2819.

([xxi]) رواه البيهقي في شعب الإيمان: ح8664.

([xxii]) المتقى الهندى، كنز العمال ج3 ص16.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.